ما بين قطع الطرقات من طرف المحتجين بالمتاريس والأحجار والأكياس المملوءة بالتراب والرمال، وبين تنفيذ عمليات اقتحام من طرف مسلحين في سجون بعض المدن لتحرير مسجونين، تتوالى الأخبار الواردة هذين اليومين الأخيرين من ليبيا لتحمل معها مزيدًا من الغموض والتندر بمستقبل لا يبدو أنه سيأتي بحل لمشاكل هذا البلد الآخذة في الاتساع.

تواصل العصيان

تنقل التقارير أن سكان طرابلس وقفوا طوابير يومي الجمعة والسبت أمام محطات الوقود ليملأوا خزانات سياراتهم دون جدوى، لأن هذه المحطات لا تتوفر على سلعة تقدمها لروادها والسبب هو قطع الطرق على الشاحنات التي تنقل وتوزع النفط على محطات بيع الوقود؛ الحكومة وأمام عجزها عن تحرير تلك الشوارع المحتلة من قبل المحتجين اكتفت بـ”التنديد”، ملقية اللوم في أزمة الوقود بالعاصمة طرابلس، على الاحتجاجات التي أغلقت الطرق إلى مرفأ النفط الغربي الرئيسي، وهو ما ترك محطات الوقود دون إمدادات جديدة.

المحتجون استخدموا أيضًا أكوام الرمال والأحجار لغلق كل الطرق المؤدية إلى ميناء الزاوية مطالبين بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، وتعزيز الإجراءات الأمنية في شرق البلاد المضطرب؛ لكن الحكومة اعتبرت هذه الاحتجاجات “غير مقبولة”، ومعلوم أن ميناء الزاوية هو المصدر الرئيسي للبنزين في طرابلس وغرب ليبيا.

محتجون يقومون بأعمال شغب أمام عناصر مسلحة

ويبدو أن شرارة الاحتجاجات التي انطلقت قبل نحو أسبوع من مدينة بنغازي (شرق)، مهد ثورة 17 فبراير التي أطاحت بنظام العقيد القذافي، لتنتقل مباشرة إلى العاصمة طرابلس، في إطار “عصيان مدني” أعلنته بعض الفعاليات للمطالبة برحيل المؤتمر الوطني العام (برلمان) وإجراء انتخابات عاجلة، يبدو أنها (الاحتجاجات) آخذة في التوسع أكثر لتشمل مدنًا ومناطق أخرى، ما يجعل ساسة طرابلس الذين يجرون اتصالات حاليًا لتشكيل حكومة جديدة بقيادة رئيس الوزراء عبد الله الثني، أمام محك حقيقي فيما إذا كانوا قادرين على استتباب الأمن أم أن الأمر سيسير في طريق الانفلات، وهو ما سبق أن حذرت منه تقارير غربية.

أعمال الشغب والاحتجاجات تصاعدت يومي الجمعة والسبت وبالإضافة إلى طرابلس العاصمة فقد أدت احتجاجات إلى إغلاق مدينة “سرت”، وأسفرت عن إحراق عدد من السيارات، فيما ذكرت تقارير محلية قيام مسلحين بتهريب عدد من السجناء في العاصمة طرابلس.

كما قام محتجون بمنطقتي “الزعفران”، والمنطقة السكنية الثانية بسرت، بإغلاق الطرق على خلفية نزاعات على أراضي مملوكة للدولة، وهو ما أدى إلى توقف حركة السير من وإلى تلك المناطق.

أما في مدينة “الزاوية”، فقد قام مسلحون بالسيطرة على إحدى الطرق الحيوية في المدينة وهي الطريق الساحلي، ومنعوا المارة من العبور، فتدخل الأهالي لمواجهة المجموعة المسلحة، التي سرعان ما غادر أفرادها المكان، وكادت المواجهة أن تؤدي إلى عواقب وخيمة.

وفي طرابلس هاجم مسلحون سيارة لنقل السجناء، وتمكنوا من تحرير عشرة سجناء بعدما أطلق المسلحون النار في الهواء ليحذروا الحراس ثم لاذوا بالفرار.

ضعف الدولة

الدولة في ظل هذه النماذج من الانفلات الأمني، وكما أبانت عن ذلك تجارب شبيهة، تقف عاجزة غير قادرة على فعل شيء، وأقصى ما تفعله بعدما تلوح باستعمال القوة، هو جنوحها إلى التفاوض مع المحتجين، سواء كانوا مدنيين مسالمين أو مسلحين يهددون باستعمال سلاحهم.

فوضى انتشار السلاح في ليبيا

ولعل ضعف السلطات المركزية بالإضافة إلى أنه يعتبر واحدًا من بين المطالب التي يرفعها المحتجون ويدعون إلى ضرورة التعجيل بإجراء انتخابات وتشكيل حكومة قوية، فإنه يبقى هو النتيجة الحتمية والطبيعية أيضًا لتزايد أعداد المجموعات المسلحة واتساع نفوذها إلى درجة سيطرتها على بعض الأماكن الإستراتيجية كموانئ النفط وبعض الإدارات.

الحالة الأمنية غير المطمئنة بالبلاد لم تعد تقلق فقط الليبيين بل حتى القوى الغربية التي يبدو أنها تتابع عن كثب ما يجري في “جماهيرية القذافي سابقًا”، والتي لم تستطع بعد أكثر من ثلاث سنوات أن تؤسس لدولة ديمقراطية بها مؤسسات، وما تزال حتى الساعة بدون رئيس للدولة.

الغرب متوجس

بعد التقارير والتصريحات التي أصدرتها دول أوروبية والولايات المتحدة، يأتي الدور هذه المرة على بريطانيا، التي أصدرت نهاية الأسبوع، بالموازاة مع موجة الاحتجاجات الجديدة في ليبيا، تقريرًا بعنوان “ليبيا- دولة مثيرة للقلق”، اعتبرت فيه أن سقوط نظام القذافي لم يكن سوى البداية؛ حيث سيحتاج الشعب الليبي إلى الوقت لإعادة بناء بلاده وفقًا لنظام سياسي جديد وارتكازًا إلى سيادة القانون.

التقرير الذي أنجزته وزارة الخارجية البريطانية أشار إلى أن الأمن والاستقرار في ليبيا يشكلان مصدر قلق شديد، لأن الميليشيات المسلحة تواصل التصرف خارج نطاق سيطرة الحكومة، وكانت طرفًا في عدد من الاشتباكات العنيفة.

عبد الحكيم بلحاج مع السفيرة الأمريكية

التقرير البريطاني اعتبر أن الانقسامات السياسية في ليبيا تعيق التقدم بشكل عام، ولذلك دعا الليبيين إلى حوار وطني بمشاركة الأطياف كلها، والامتناع عن زعزعة الاستقرار وعرقلة الانتقال السياسي.

ويبدو أن الغرب بات ينظر إلى الأوضاع في ليبيا بمزيد من القلق، ولذلك فإن بعض القوى الغربية لم تعد تكتفي فقط بإصدار البيانات المعبرة عن التنديد بغياب الأمن والاستقرار، بل أرادت أن تقوم حتى بدور الوسيط في حل النزاعات بين مختلف الأطياف المسلحة وغيرها؛ وفي هذا الصدد يأتي – في خضم هذه التطورات – لقاء عبد الحكيم بلحاج رئيس حزب الوطن وقائد ما يسمى غرفة ثوار طرابلس، بسفيرة الولايات المتحدة في طرابلس ديبرا جونز، وهو اللقاء الذي يدخل ضمن مساعي للحوار الوطني تقوده السفيرة الأمريكية بين الفصائل السياسية والقبلية المتصارعة في ليبيا، وإن كانت هناك قبائل ترفض أي دور أجنبي في العملية السياسية في ليبيا، وهو ما يقلق بعض القوى المسلحة ومنها بلحاج الذي هدد في وقت سابق باستعمال السلاح ضد بعض تلك القبائل والمجموعات الرافضة لمثل هذه الوساطات، متهمًا إياها بمحاولة عرقلة قيام الدولة وإجهاض ثورة 17 فبراير.

عرض التعليقات
تحميل المزيد