7,078

الدبابات في الشوارع والضباط في مقر التلفزيون الرسمي، الكثير من الهرج والمرج ولا أحد لديه القول الفصل فيما يجري، قبل أن تتكشف الأمور شيئًا فشيئًا، الجيش يعلن سيطرته على مقاليد الأمور، ويتحفظ على الرئيس، المفارقة أن الرئيس يحكم البلاد من قبل أن يولد أغلب هؤلاء الضباط والجنود، عمره سابق على عمر الدولة نفسها، كان هو زعيم استقلالها، ثم رائد انهيارها، قبل أن يطيح به جموح فاتنة سمراء تطمح إلى العرش. نتحدث هنا عن زعيم زيمبابوي «روبرت موجابي».

ابن أمه.. ابن يسوع.. ابن ماركس

ولد موجابي عام 1924 لأب يعمل نجارًا وأم تُدرس التعاليم المسيحية لأبناء القرية، أبدى نبوغًا في دراسته، لكنه كان يميل إلى العزلة والكتمان، ويفضل القراءة وحيدًا عن التفاعل مع زملائه أو مشاركتهم اللعب، ما جعله مثارًا لسخرية أقرانه حتى وُصف أحيانًا بأنه «ابن أمه». سافر موجابي إلى جنوب أفريقيا للدراسة، حيث التقى ببعض اليهود وتعرف على التعاليم الماركسية من خلالهم.

عاد موجابي إلى بلاده -كانت تُسمّى حينها باسم روديسيا الجنوبية ولا تحظى بعد باعتراف دولي-، وحين نعلم أن زيمبابوي الواقعة جنوب القارة الأفريقية، والمحدودة بكل من موزمبيق وناميبيا وبوتسوانا وجنوب أفريقيا، والتي يبلغ عدد سكانها اليوم قرابة 16 مليون نسمة، هي بلد ذات أغلبية سمراء كاسحة، وتشكل الأقلية البيضاء أقل من 1% من مجموع سكانها، يصير من المفهوم إذًا لماذا وجد  الشاب الأسمر المتأثر بتعاليم يسوع وماركس، نفسه منجذبًا إلى حلبة الصراع، ليعارض حُكم الأقلية البيضاء للبلاد، ويطالب بالمساواة العرقية، تلك المعارضة التي كلفته 10 سنوات من السجن بدءًا من عام 1964.

يخرج موجابي من السجن عام 1974 ليلتحق بموزمبيق، وينخرط في حرب عصابات ضد نظام روديسيا العنصري، هو الآن زعيم حزب «الاتحاد الوطني الأفريقي بزيمبابوي -زانو-» الذي تغلب عليه مجموعة «الشونا» العرقية التي ينتمي إليها موجابي، فيما ينتمي المناضلون السود الآخرون إلى مجموعة «إنديبيلي» العرقية مشكلين حزب اتحاد شعب زيمبابوي الأفريقي (زابو).

يُؤتي كفاح السود بقيادة موجابي أُكله أخيرًا، يترنح النظام العُنصري في البلاد، يُشارك حزبه في انتخابات مارس (آذار) 1980 ليحصد أغلبية المقاعد، فيُعين موجابي رئيسًا للوزراء من حينها، ورُغم أن منصب الرئاسة كان في حوزة «كنعان سوديندو» صديقه ورفيق نضاله، إلا أن موجابي كان المتحكم الفعلي في مقاليد الأمور في البلد، وحين تُوفي سوديندو عام 1987، حل موجابي محلّه في منصب الرئيس.

أول القصيدة.. أنهار من الدماء

دعونا نتعلم من دروس الماضي، لا يجب أن يكون للقمع والعنصرية مكان في نظامنا السياسي أو الاجتماعي، ليس لأن البيض قمعوا السود بالأمس، أن يحدث العكس اليوم حين أصبحنا نحن في موقع السلطة، الشر يظل شرًا سواء مارسه البيض ضد السود أو مارسه السود ضد البيض.. من خطبة روبرت موجابي احتفالًا  بالنصر في انتخابات 1980.

لم تطابق أحاديث موجابي الوقائع على الأرض، سُرعان ما تعمّق الشقاق بين المجموعتين العرقيتين الأكبر في البلاد، الشونا وإنديبيلي، خطابات عدائية بين قادة الحزبين، مصادمات على الأرض، يليها طرد موجابي لزعيم الإنديبيلي من الحكومة  بعد أن شبهه بالـ«كوبرا في المنزل».

يتصاعد الصراع، فيؤسس موجابي «اللواء الخامس» بدعم من نظام كوريا الشمالية، ويجعل الانضمام إليه حصرًا على أبناء الشونا، كما يجعل تبعيته إليه بشكل مباشر، في 1983 يَدفع موجابي بجنود اللواء إلى ماتابيلاند حيث خصومه، وهناك يعيث الجنود في الأرض فسادًا بغير ضابط أو رابط على الإطلاق وبإشراف من موجابي شخصيًا. عُرفت تلك العمليات باسم «مذابح جوكو راهوندي»، ويدور الحديث فيها حول 20 ألف قتيل، في أحداث شكلت البقعة الأكثر قتامة في تاريخ البلاد الحديث.

رفض موجابي الاتهامات في حينها، واتهم مروجيها بخيانة البلاد، ذلك الرفض الذي وصفته منظمة الدولية بالـ«كومة من الأكاذيب»، لكن موجابي قد اعترف لاحقًا بالأحداث قائلًا: «كان ذلك ضربًا من الجنون، قتلنا بعضنا البعض ودمّرنا ممتلكات بعضنا البعض، كان الأمر خطأ وكلا الطرفين يتحمل مسؤولية ذلك».

حين يوفر الناس المأوى والغذاء للمنشقين، فإننا نذهب هناك ونقتلعهم من جذورهم، نحن ببساطة لا نُفرّق أثناء القتال، لأننا لا نميز المنشقين من غيرهم.. روبرت موجابي مفسرًا أفعال حكومته العنيفة تجاه المعارضين.

عدّل موجابي الدستور عام 1987، ليصبح «الرئيس التنفيذي»، وهو منصب يجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة والقيادة العُليا للجيش، السيد «كل شيء» لو شئنا دقة الوصف، ترشح موجابي وفاز ست مرات آخرها عام 2013، تخللها محاولات فاشلة للمعارضة للولوج إلى السلطة والإطاحة بموجابي عبر الانتخابات، بتأثير ووساطة من الجا أبرزها عام 2008، والتي كان فيها منافس المعارضة «مورغان تسفانغيراي» قاب قوسين من تحقيق الحلم والإطاحة بالديكتاتور  المُعمّر، بعدما تفوق عليه في الجولة الأولى بفارق 5% من الأصوات، قبل أن يُضطر تسفانغيراي إلى الانسحاب من السباق بسبب حملة القمع -والانتقام- العنيفة التي أطلقها موجابي ضد أنصاره، ليظل الأخير متربعًا على عرش السلطة، ويصير أطول الرؤساء حُكمًا في القارة السمراء، وربما العالم أجمع.

همٌ يُبكي وهمٌ يُضحك

إلى جانب الوحشية المفرطة التي اتبعها موجابي سبيلًا للبقاء في السلطة، لا تخلو فترة حكمه الطويلة من لمحات «الكوميديا السوداء»، تلك المآسي التي تنجح في انتزاع الابتسامات من فرط مأساويتها وطرافتها في الوقت ذاته، لا سيما أننا نتحدث عن ديكتاتور قد جاوز التسعين -عمره اليوم 93 عامًا- ولم تعد بالطبع له السيطرة المطلقة على كلماته أو انفعالاته.

لنبدأ من الاقتصاد، ونجرِ اختبارًا بسيطة لقياس سعة خيالك، إذا علمت أن عملة البلاد كانت الدولار الزيمبابوي، فهل يمكنك تخمين كم دولارًا محليًا يساويه دولار أمريكي واحد؟ تخيل رقمًا، أي رقم، وعلى الأغلب سيكون تخمينك خاطئًا ودون القيمة الحقيقة؛ ففي 2009، قررت السلطات في البلاد تعليق التعامل بالدولار المحلي واستبداله بالدولار الأمريكي أو الراند الجنوب أفريقي، بعدما وصل سعر السنت الأمريكي الواحد (الدولار = 100 سنت) إلى 500 مليار دولار زيمبابوي! نعم، أنت لم تقرأ الرقم خطأً، ببساطة لقد فقدت العملة قيمتها تمامًا.

في عام 2000، كان موجابي بطلًا لحدث طريف، حين قرر مصرف تعود ملكيته جزئيًا للدولة إقامة سحب على يانصيب قومي لمن تزيد حساباتهم على  خمسة آلاف دولار، على أن تبلغ قيمة الجائزة 100 ألف دولار، وحين تم سحب الورقة الفائزة، أعلن القائم على المسابقة أنه لا يكاد يصدق عينيه، فالاسم المكتوب أمامه هو «روبرت موجابي»، ويبدو أن الرئيس قد راق له أن يكون صاحب الحظ السعيد الفائز، فكانت كل الأوراق في الصندوق تحمل اسم موجابي ولا أحد غيره.

لا تتوقف تعليقات موجابي وتصريحاته عن إثارة الجدل كذلك، فقد سبق له أن قال إنه يفكر في «طلب الزواج من أوباما» ساخرًا من قرار المحكمة العليا الأمريكية بالسماح بزواج المثليين وترحيب أوباما بذلك، كما وعد ساخرًا بإطلاق سراح رجلين مثليين محبوسين بعد أن يتمكن أحدهما من الإنجاب من الآخر، كما رفض في 2015 الإدلاء بتصريحات لصحافيين لأنهم بيض اللون، قائلًا: «لا أريد رؤية رجل أبيض»، والمفارقة أن ذلك التصريح كان في سويتو في جنوب أفريقيا، قلب النضال ضد التمييز العنصري، كما انتقد معارضيه بعد فوزه في الانتخابات للمرة السادسة مخاطبًا إياهم: «يمكنكم أن تذهبوا وتشنقوا أنفسكم».

فتش عن المرأة

بعكس المثل الشائع بأن «وراء كل عظيم امرأة»، عاصر موجابي في نهاية حياته العكس تمامًا، فقد كانت زوجته سببًا في نهاية مسيرته السياسية، وتدمير إرثه الطويل من الحكم باعتباره قائدًا مطلق السيطرة في البلاد.

«غريس موجابي»، فتاة على قدر من الجمال والأناقة، تنحدر من أصول فقيرة، تتمكن من تأمين وظيفة في وحدة الطباعة التابعة لرئاسة الجمهورية، يفتتن الرئيس موجابي بها رغم فارق السن الكبير -أكثر من 40 عامًا- ويطلب منها الزواج عام 1996 بعد وفاة زوجته الأولى بسبب السرطان، وهنا تتبدل حياتها رأسًا على عقب، تسافر كثيرًا للتسوق في الخارج، تنفق ببذخ غير عابئة باقتصاد بلادها المنهار، تتورط في حوادث وأزمات عدة منها الاعتداء على عارضة أزياء شابة في فندق بجنوب أفريقيا، كما تمتلك مزارع بيض وشركات تعدين.

Embed from Getty Images
غريس موجابي مع زوجها

شيئًا قشيئًا تكشّف طموح غريس السياسي، تندرت ذات مرة بأن زوجها «سيواصل حكم البلاد من القبر»، ويبدو أنها أرادت أن تلمح إلى نفسها من حيث مدحت زوجها. أصبحت في عام 2014 رئيسة المكتب السياسي بالحزب الحاكم، ونقل عنها أنها مستعدة لخلافة زوجها حيث قالت: «أقول للسيد موجابي يمكنك أن تتركني آخذ مكانك.. لا تخف إذا أردت منحي منصبك.. امنحني إياه بكل حرية».

طموح غريس اللامحدود، وسعيها في سبيل ذلك للإطاحة بنائب الرئيس «منانغاغوا»، الرجل القوي في البلاد وأبرز المرشحين لخلافة موجابي، والمدعوم من رابطة المحاربين القدامى والجيش، كل ذلك أثار قادة الجيش، وقد أدت قرارات موجابي بإقالة نائبه وبعض المقربين منه إلى اعتراض الجيش علانية، قبل أن تتحرك الدبابات للسيطرة على العاصمة، معلنة استهداف «مجرمين» محيطين بالرئيس، في إشارة واضحة إلى غريس والمقربين منها، لتنهي بذلك تلك المرأة حياة زوجها السياسية.