يدرس العلماء حاليًّا إمكانية أن يتطور الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستقل عن البشر، الأمر أشبه بأفلام الخيال العلمي، تلك التي تكتسب فيها الـ«روبوتات» والآلات معرفة ذاتية خاصة تمكنها من السيطرة على العالم، إلا أن الواقع يختلف عن ذلك بعض الشيء؛ إذ يعمل العلماء على تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة يمكن تسميتها بـ«الداروينية» بشكلٍ يمكنه في النهاية من التكيف على الحياة في الكواكب البعيدة، بهدف استخدامه في برامج الفضاء، لكن ما الذي يعنيه أن يتطور الذكاء الاصطناعي ذاتيًا؟ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

لهذا يريد العلماء للروبوتات أن تطور نفسها بنفسها

يبدو أن حُلم استعمار الفضاء ما زال يداعب أذهان العلماء، لكن قبل أن يصل البشر إلى الفضاء ليكونوا مستعمراتهم، هناك خطوة أولى يجب أن تتخذ، وهي تهيئة الظروف على الكواكب الأخرى لتصبح مواتية للبشر، وهو ما يطمح العلماء في أن يحققوه باستخدام الروبوتات وبرامج الذكاء الاصطناعي.

من أجل ذلك، على الروبوتات أن تصبح متقدمة ومتطورة كفاية لأن تعالج مشكلاتها التقنية ذاتيًا دون الحاجة للإشراف البشري، فمن أجل أن يتمكن العلماء من إرسال الروبوتات إلى الفضاء، عليهم أن يضمنوا ليس فقط قدرة تلك الآلات على الصمود في المناخات القاسية للكواكب البعيدة، ولكن قدرتها أيضًا على إعادة تدوير ذاتها والتكيف مع البيئة المحيطة حتى تتمكن من البقاء وإتمام مهمتها بنجاح، وكل ذلك يعني أن تصبح الروبوتات مثل الأنواع في «نظرية التطور» الداروينية، أي تمتلك المقومات التي تجعلها قادرة على تطوير ذاتها للتكيف مع البيئة. 

تكنولوجيا

منذ 10 شهور
أول نسخة منه كانت قبل الميلاد! القصة الكاملة لظهور «الروبوتات» وتطورها

تقول إيما هارت وهي باحثة في جامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة، أنها وفريقها من علماء الكمبيوتر والروبوتات تمكنوا من إنتاج مجموعة متقدمة من الروبوتات عبر طابعة ثلاثية الأبعاد، كانت قادرة على تجميع وتركيب ذاتها بشكلٍ مستقل أثناء عملية الصناعة، وكانت تلك المجموعة من الروبوتات قادرة أيضًا على تحسين نفسها ذاتيًا وفقًا للظروف البيئية التي وضعت بها.

تطمح إيما وزملاؤها إلى الوصول لمرحلة تتمكن فيها الروبوتات من التخلص من الإشراف البشري بشكلٍ كامل، حتى تتمكن في المستقبل من صنع منازل للبشر في مستعمرات الفضاء بلا تدخلٍ من البشر، وعلى مدار العقود الفائتة أصبحت الروبوتات وبرامج الذكاء الاصطناعي قادرة على القيام بمهامٍ كان يعتقد سابقًا أنها حصرية على البشر وحدهم. على سبيل المثال، تصنع شركة «بوسطن دينامكس» روبوتات فائقة الكفاءة بإمكانها تحميل الشاحنات بالبضائع ونقل الصناديق من المصانع وغير ذلك من المهام التي كانت مقتصرة على المجهود البشري.

Embed from Getty Images

يسعى العلماء اليوم إلى الاتجاه بصناعة الروبوتات إلى بعدٍ آخر وهو العمل في الكواكب البعيدة أو أعماق المحيط؛ تلك المناطق التي تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي كي تتكيف معها، إلى تحمل أقصى معدلات الضغط وتغيرات درجة الحرارة والتآكل الكيميائي، وبالتالي يجب تزويدها بكل ما قد تحتاج إليه للتكيف مع البيئة المحيطة وتطوير ذاتها. 

الذكاء الاصطناعي يتكاثر مثل البشر!

يشير العلماء إلى أن نظرية التطور البيولوجي كانت ملهمة بالنسبة إليهم لتطبيقها على الحواسب الآلية منذ بداية عصر الكمبيوتر، وإذا كان التطور بالفهم الدارويني يستغرق ملايين السنين حتى تتمكن الأنواع من التطور وبالتالي التأقلم مع البيئات المحيطة؛ فإن تطور الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحدث في غضون ساعات، عن طريق نمذجة العمليات التطورية داخل أجهزة الحاسوب، وهو ما يعني تزويد الأجهزة بالخوارزميات المناسبة وقواعد البيانات التي تمكنها من التطور ذاتيًا.

الفكرة في حدّ ذاتها تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأ إدخال أنظمة الحوسبة التطورية، وهي عبارة عن تطبيقات تحتوي على خوارزميات مختلفة بإمكانها التحسين والتصميم، ولعمل خوارزمية تطورية، يجب أن يكون لديك في البدء قاعدة بيانات مناسبة تحتوي على مختلف الاحتمالات الممكنة، تلك الاحتمالات تمثل حجر الأساس الذي يمكن أنظمة الحاسوب من اختبارها وإيجاد الاحتمال المناسب عند مواجهة مشكلة ما، وبالتالي تستطيع حينها برامج الذكاء الاصطناعي العمل ذاتيًا على حل المشكلات التي تواجهها.

تعمل الخوارزميات التطورية على مستويين، الأول هو قياس مدى ملائمة الحلول المرشحة -ويقصد بها اختبار الاحتمالات الممكنة كما أشرنا في الجزء السابق، والثاني هو استخدام آليات الاختيار التي تمكن الروبوتات من إيجاد الاحتمال المناسب بعد اختبار كافة الاحتمالات عند مواجهة مشكلة، والتي تمكنها في النهاية من حل المشكلات، وكل هذا يجري اعتمادًا على مجموعة من هياكل البيانات المدخلة مسبقًا.

كانت تلك هي البداية لما نشهده اليوم من ثورة في عالم صناعة الروبوتات، ففي عام 2019، أعلن مجموعة من مهندسي جامعة كولومبيا في نيويورك تمكنهم من اختراع ذراع ميكانيكي، بإمكانه برمجة نفسه آليًا حتى بعد تعطله، وهو ما شبهه العلماء بأن يمتلك الروبوت وعيًا ذاتيًا تمامًا كالبشر يمكنه من التأقلم مع الوضع الجديد، وهو الأمر الذي جعل الذراع الميكانيكي قادرًا على اكتشاف العطل وتكييف ميكانيكيته لمواصلة مهامه.

Embed from Getty Images

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد اخترع أربعة باحثين من «Google» عام 2020 برنامجًا جديدًا للذكاء الاصطناعي يسمى «AutoML-Zero»، قادر على توليد برامج جديدة أخرى للذكاء الاصطناعي ذاتيًا، وهو ما يجعل الأمر أشبه بعملية التكاثر لدى البشر.

أراد الباحثون محاكاة التكاثر البشري بالفعل من أجل تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التوالد ذاتيًا، وقد اعتمد الباحثون على مفاهيم رياضية بدائية جرى دمجها بطريقة عشوائية في تصميم البرنامج ليكون قادرًا على تطوير شريحة سكانية من 100 خوارزمية. 

في النهاية يشير الباحثين إلى أن برنامج «AutoML-Zero» سيتمكن من صنع مئات الشرائح السكانية من الخوارزميات -تشبيهًا بالشرائح السكانية للبشر- التي تتبادل البيانات مع بعضها البعض، وذلك لجعل عملية التوالد والتطور تجري بشكلٍ أسهل.

بمعنى أن الروبوتات سيحدث بينهم ما يشبه عملية التزاوج والتوالد، بأن تتداخل مجموعة بيانات من برنامج ذكاء اصطناعي مع آخر، بما يخلق ما يشبه شفرتين جينيتين، يعملان على خلق جيل جديد من برامج الذكاء الاصطناعي، وهو ما يشبه سلالة جديدة تكتسب المعرفة الأولى من الخوارزميات الأم أو الأب، وتصبح في النهاية قادرة على تغيير شكلها وسلوكها والتطور ذاتيًا، تمامًا مثل البشر.

البقاء للأصلح

في الورقة البحثية الخاصة ببرنامج «AutoML-Zero» أشار الباحثون إلى أن عملية تكاثر الخوارزميات ذاتيًا، لن تتوقف عند هذا الحد، بل سيعمل البرنامج أيضًا على اختبار الخوارزميات المتوالدة كلٌ على حدة، وتدمير نسخ الخوارزميات التي تتطابق مع بعضها أو مع الخوارزمية الأم، وذلك لتسهيل عملية التطور وليضمن النسل الجديد من الخوارزميات صلاحية البقاء.

تعد تلك الدراسة هي الأكثر شبهًا بالنظرية الداروينية؛ إذ إنها تتخذ من الانتقاء الطبيعي الذي كان سببًا رئيسيًا لبقاء الإنسان على الأرض كل هذا الوقت مثالًا لتطور الخوارزميات، ويشير الباحثون إلى أنه لا يوجد فرد متطابق مع فرد آخر داخل نفس النوع، وهو ما يخلق التميز، ولذلك على الخوارزميات أيضًا ألا تتطابق مع بعضها البعض.

نجد الانتقاء الاصطناعي حاضرًا في «AutoML-Zero»، إذ يعمل البرنامج على اختبار الخوارزميات وتدمير النسخ المكررة حتى لا تعوق عملية التطور وبالتالي الاحتفاظ بالنسخ غير المتطابقة فقط، وهو ما قد يتيح للبرنامج تطوير نظم ذكاء اصطناعي متقدم ومعقد.

Embed from Getty Images

لا تزال خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على التطور الذاتي بسيطة، لكن بعض الاقتراحات المقدمة تشير إلى أنه إذا جرى تزويد الجيل الأول من برامج الذكاء الاصطناعي بالمعرفة البشرية الأساسية عن طريق هياكل البيانات، قد يمكنها ذلك من التطور بشكلٍ أسرع؛ إلا أن الأمر بالطبع قد يستغرق وقتًا طويلًا.

تشير إيما هارت إلى أن تلك التقنيات الحديثة ستتيح للروبوتات أن تتوالد عن طريق تصميم وصنع نفسها ذاتيًا من خلال الطابعات ثلاثية الأبعاد، كما أن الجيل الثاني من برامج الذكاء الاصطناعي -والذي يشبه الأطفال- سيتمكن من تعليم نفسه ذاتيًا، وذلك من خلال قواعد البيانات المدخلة مسبقًا على الخوارزميات الأم والأب والتي تمثل المعرفة المكتسبة كما أشرنا سابقًا.

وعن طريق خاصيات الانتقاء الخاصة بالذكاء الاصطناعي والتي تعمل على اختيار الخوارزميات الجديدة المناسبة للتطور، ستتمكن الخوارزميات من تدمير الأجيال التالفة والنسخ المكررة، بما يتيح الفرصة للشرائح المختارة المحسنة لأن تتكاثر بما يتيح توفير ما يشبه «الشفرة الجينية» القادرة على خلق أجيال جديدة من الروبوتات المُحسنة.

ستؤدي تلك العملية في النهاية إلى تغيير عملية تصميم الأشياء وتصنيعها في المستقبل، وهو ما سيغير مفهوم الآلات بشكلٍ نهائي؛ إذ تصبح قادرة على إعادة إنتاج ذاتها والتطوير، وكل نسخة من الروبوتات المادية التي يعمل عليها الباحثون حاليًا، لها نسخة رقمية، فبإمكان الباحثين في الوقت الذي يجري فيه اختبار الروبوتات الفعلية في بيئات العالم الحقيقي، عمل محاكاة من خلال النسخ الرقمية تساعد تلك الروبوتات المادية على التطور، وفي الوقت ذاته بعدما يجري اختيار النسخ المحسنة من الروبوتات الهجينة للأجيال الجديدة، تخضع الروبوتات الأقل لياقة إلى إعادة التدوير ذاتيًا باعتبار ذلك جزءًا من دورة التطور المستمرة.

علوم

منذ 3 سنوات
عصر الصحافي «الروبوت».. هكذا ستتحكم البرمجيات في غرف الأخبار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد