منذ ثلاثة أعوام؛ فاق النمو في رومانيا جميع الدول الأوروبية. لكن منذ عدة شهور بدأت رومانيا محاولات قوية لفرض مزيد من الضرائب على البنوك والاتصالات والطاقة. ارتباك اعتادت رومانيا أن تصاب به كل حين، واللوم يتقاذفه السياسيّون ورجال الاقتصاد. ففي خلال الاثني عشر عامًا التي دخلت فيهم رومانيا إلى الاتحاد الأوروبي تضاعف إنتاج الفرد فيها وارتفعت الأجور، لكن في البلد نفسه يعيش 30% من السكان تحت خط الفقر، ويفتقر معظم السكان إلى خدمات الرعاية الصحية، ونقص المرافق الأساسية، على رأسها الصرف الصحي.

كذلك يتقلص عدد سكانها من الشباب والشيوخ على حدٍ سواء. والسكان الموجودن فيها يقطنون الشوارع؛ إما فقرًا، وإما اعتراضًا على الفساد المزمن وسياسات التقشف التي لا يبدو أن لها نهاية. المفوضيّة الأوروبية قالت إن ثقة المستثمرين في رومانيا تتآكل يومًا بعد الآخر؛ بسبب اتخاذ قادتها قرارات لا يمكن التنبؤ بها، وضعف مؤسساتها وانتشار الفساد فيها.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
هل يورطها «صندوق النقد الدولي»؟ لهذا تفشل برامج الإصلاح الاقتصادي في الأرجنتين

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 افتتح أحد رجال الأعمال طريقًا سريعًا بناه على نفقته الخاصة؛ اعتراضًا على الفساد في إنشاء الطرق داخل البلاد. الفساد الذي جعل رومانيا تمتلك 800 كيلومتر من الطرق السريعة، أقل من نصف ما تملكه جارتها المجر. رغم أن رومانيا ضعف المجر من حيث المساحة وعدد السكان. الطرق في رومانيا يستخدمها المتظاهرون حجة للاعتراض على الدولة، وتستخدمها الدولة حجة أمام المجتمع الدولي لتبرير ضعف أحوالها الاقتصادية، وطلبًا للمزيد من القروض.

وقد نجحت القيادات السياسية في مسعاها وحصلت على عدد ضخم من القروض من صندوق النقد الدولي، بدايةً من عام 2009 وحتى عام 2015. تلك القروض أعطت رومانيا انتعاشًا لحظيًّا فقلّصت عجز ميزانها التجاري، واستعادت تصنيفها الاستثماري. لكن تلك المزايا تتلاشى سريعًا، وبدأ العجز يرتفع مرةً أخرى، خاصةً بعد قرارات بتخفيض الضرائب ورفع الأجور. لم يكن الارتفاع هذه المرة كسابقيه، بل أضخم ما رأته رومانيا خلال العقد الماضي.

أوامر الصندوق.. تقشف إلى ما لا نهاية

في سبيلها لمعالجة العجز في الأرقام أمرها صندوق النقد بمزيد من التقشف. شروط صندوق النقد خفض نسبة 25% من الرواتب، و15% من المعاشات. وفي مقابل تنفيذ هذه الشروط سوف يمنح الصندوق رومانيا ملياريّ دولار. الحكومة الرومانية تخوض معركةً صعبة مع القضاء الذي حكم بأن خفض الرواتب والمعاشات بهذه النسب الكبيرة أمر غير قانوني. أعدت الحكومة خطةً أخرى لعرضها على القضاء المختلف فيها أنها تقلل من نسبة الخفض في رواتب القضاة أنفسهم، لكنّها لا تخرج كثيرًا عن فلك الخطة السابقة.

ليست هذه المرة الأولى التي يتدخل صندوق النقد في أزمات رومانيا؛ المرة الأولى كانت منذ أكثر من عقد في مارس (آذار) 2009. في المرة الأولى قدم الصندوق مبلغ 27 مليار دولار على هيئة قروض طارئة. بذلك انضمت رومانيا إلى جانب قائمة جيرانها المدينيين لصندوق النقد ومن ضمنهم أيسلندا، وأوكرانيا، وصربيا، وبيلاروسيا، والمجر، ولاتفيا. وفي تلك المرة أيضًا كانت شروط الصندوق هي خفض الإنفاق.

ما جعل قروض رومانيا طارئةً، رغم عدم استعدادها للوفاء بشروط الصندوق؛ أن وحدة البحوث الاقتصادية (شركة أبحاث بريطانية)، حذّرت المجتمع الأوروبي من أن رومانيا موطن الـ23 مليون نسمة قد تكون بؤرة لزعزعة الاستقرار السياسي في أوروبا إذا استمر وضعها الاقتصادي في التدهور. شهور قليلة ويتحقق ما تنبأت به شركة الأبحاث تلك، لكن ليس لعدم تدخل صندوق النقد بل بسبب تدخله السريع وشروطه المجحفه.

عشرات الآلاف من العمال والمتقاعدين خرجوا إلى الشوارع في مظاهرات هي الأكبر منذ عام 1989 (عام إطاحة الديكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو). ففي 19 مايو (آيار) 2010، نزل 60 ألف مواطن لشوارع العاصمة وحدها مطالبين الحكومة بالاستقالة ووقف تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي. من تلك الشروط كان تسريح 80 ألف موظف، من بينهم 15 ألف مُعلّم، ما يعني إغلاق العديد من المدارس لأجل غير مسمى.

الحكومات تتغير وشروط الصندوق ثابتة

الصدمة للجهات السيادية أن الشرطة قيادةً وضباطًا، انضموا منذ اللحظات الأولى لصفوف المتظاهرين. حاولت الحكومة عبثًا الالتفاف حول مطلب المتظاهرين الوحيد. لكن لم يعد أمام رئيس الوزراء سوى الاستقالة في فبراير (شباط) 2012. ما بين 2010 و2012 كانت الأرقام الاقتصادية مُرضية لصندوق النقد، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة للشعب. فانخفضت نسبة تأييد الحكومة لأقل من 20%.

بتلك الاستقالة صار إميل بوك، رئيس الوزراء المستقيل، فردًا جديدًا في قائمة القادة الذين تركوا مناصبهم بعد تلقيهم إعانات من صندوق النقد. القائمة تشمل قادة كل من البرتغال، واليونان، وإيرلندا، وإسبانيا، وإيطاليا. بجانب دولٍ لم تتوقع أن يكون مصيرها مشابه للدول الفقيرة السابقة، مثل فنلندا، والدنمارك، وسلوفاكيا.

لكن تصريحات مدير بعثة الصندوق أكدّت أن تغيير الحكومة لن يُغير من شروط الصندوق شيئًا. مؤكدًا أن دولة فقيرة مثل رومانيا لن تستطيع الصمود بدون الصندوق الدولي، ولا بدون القروض الدولية. لكن على الجهة المقابلة دفع المتظاهرون 60 مصابًا ليقولوا لصندوق النقد والحكومة إنهم لا يريدون خطتهم. لم تستجب الحكومة لصوت مواطنيها ورضخت لقرارات صندوق النقد، لكن لم يصمت المتظاهرون.

في فبراير 2017 دعت قوى وتيارات شبابية ومدنية للتظاهر مجددًا في تظاهرات بلغت أعدادها قرابة 300 ألف متظاهر. في الأيام الأولى لتلك المظاهرات استقال وزير العدل فلورين يورداش، فقد كان المُفجرّ الأساسي لتلك التظاهرات. يورداش أصدر قرارًا للعفو عن المتهمين بقضايا فساد من أجل التخفيف من اكتظاظ السجون. لكن لحظة صدوره انفجرت المظاهرات فسُحب المرسوم فورًا وقدّم استقالته. أما المظاهرات فلم تهدأ؛ فقد ارتفع سقفها للمطالبة بإقالة الحكومة بسبب الموضوع القديم الجديد، التقشف.

الحكومة لا ترى ما يراه الشعب

الحكومة لم تستجب إلا بعد 500 يوم كاملة من التظاهرات السلمية، التي دائمًا ما تُقابل بالعنف. ففي أحدها أصيب 450 مواطنًا، واعتُقل 30 شخصًا. واستخدمت الشرطة مدافع المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين. وفي 10 أغسطس (آب) 2019 اشتعلت التظاهرات مرةً أخرى بسبب مقتل فتاة عمرها 15 عامًا، الفتاة اتصلت بالنجدة ثلاث مرات، وتباطأت الجهات في الاستجابة لها حتى تعرضت للقتل.

الأوضاع المعيشية في رومانيا تؤكد للمواطنين أن إجراءات التقشف التي يتحملون مراراتها لا تخدم أحدًا، ولا وجود لأي تحسن في حياتهم اليومية أو في الخدمات الرسمية، مثل التعليم، والنجدة، والصحة. بل شهدت البلاد موجةً من الهجرة جعلت 5 مليون روماني ينقلون حياتهم لخارج البلاد، ما يساوي ربع سكان رومانيا تقريبًا. ضعف الرعاية الصحية، ومستوى المعيشة أيضًا يودي بحياة كبار السن وذوي الأمراض الحادة. الأمر الذي دّق ناقوس خطر في الداخل الروماني بأن استمرار اتباع شروط صندوق النقد قد يؤدي في النهاية لجعل رومانيا وطنًا بلا مواطنين.

ليس الرومانيون وحدهم من يعاني من تبعات صندوق النقد، فغالبية الدول التي دخلها الصندوق لمحاربة الفقر تصبح أفقر مما كانت تتخيل. فتصبح الدولة كأنها ضحية حرب عالمية جديدة، لكنها ليست حربًا تقليديةً بمفهوم العصور القديمة بل حربًا استعمارية جديدة بمفهوم اقتصادي جديد. كما يقول عنه جوزيف ستيجلز، نائب رئيس البنك الدولي السابق، أن صندوق النقد هو «أحد الأدوات التي تستعملها الدول الصناعية المتقدمة لجعل حياة الدول النامية أو المضطربة أكثر صعوبة».

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
الهروب الكبير.. هكذا بدأت البرازيل عصرها الاقتصادي الذهبي حين طلّقت «صندوق النقد»

المصادر

تحميل المزيد