على عجالة، عاد وزير الخارجية الإيطالي الشاب لويجي دي مايو، الزعيم السياسي لحركة خمس نجوم، من زيارة إلى ليبيا التقى فيها رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج في طرابلس، والضابط العسكري خليفة حفتر قائد الجيش؛ الذي يسميه الوطني الليبي في مدينة طبرق، وما إن حطت طائرته على مهبط المطار في مدينة روما؛ حتى أعلن في مؤتمر صحفي على أرضية المدرج، في مساء باردٍ وعاصفٍ أن «إيطاليا قد تكون خسرت مكانتها في ليبيا، وربما دورها كذلك»، لتجد روما نفسها عاصمةً، بلا وزن سياسي في خِضم صراعٍ يخوضه العديد من الأطراف في ليبيا؛ إذ ليس لها من السلطة ولا التحالفات ما يمكِّنها من فرض احترامها على الجميع؛ خصوصًا أنَّ حرب الوكالة هذه تدور على أرضٍ، كان لها فيها وضع تاريخيٌ مميزٌ.

لم يمر وقتٌ طويلٌ حتى تمكنت روما من امتصاص الصدمة، ولتخرج أصوات هنا وهناك تطالب بفعل شيء على عجل قبل فوات الأوان؛ لذا فقد خرج وزير الخارجية للتصريح مرّةً أخرى بأن «الوقت قد حان لتأخذ إيطاليا زمام الأمور مرة أخرى»، ويشدد على أنه لا «حل عسكري» في ليبيا، وللبت في ذلك؛ فقد أعلنت روما أنها ستستضيف الطرفين الليبيين المتصارعين في بحر الأسبوع القادم؛ لإيجاد مخرج من هذه الأزمة. لكن يبقى السؤال المهم هو: إلى أي مدى حقيقة استطاعة إيطاليا فرض رؤيتها على الوضع الليبي داخليًّا، وتحييد الفاعلين الخارجيين؟ ثم ما الذي ستخسره روما من الوضع الجديد؛ الذي قد ينتج من ذلك؟ رافقنا في هذا التقرير لنتعرف إلى الرؤية الإيطالية للوضع الحالي في ليبيا.

دولي

منذ 11 شهر
رحلة في عقل فرنسا وإيطاليا.. كيف يتصارعان على ليبيا الآن؟

نهج روما الفريد.. انتظر وراقب حتى تخسر كلَّ شيء

أدرك وزير الخارجية الإيطالي بُعيد زيارته الأخيرة إلى ليبيا، أن بلاده خارج صورة جيوسياسية فسيفسائية معقدة، قد تشكلت في الجوار أثناء انشغالها بصرعات الأطراف السياسية فيها؛ ليصرّح أن بلاده ربمّا لم يعد لها ذلك الوضع التاريخي في ليبيا؛ بل الأخطر أنه شكك في قدرة بلاده على استعادة الملف الليبي؛ الذي عالجته في العشرين عامًا الأخيرة فقط من زاوية الحد من الهجرة، ومن زاوية الحرب على الإرهاب.

ولم تسعَ إيطاليا حقيقةً منذ سقوط نظام القذافي تحديدًا، للحضور في الشأن الليبي وقيادته إلى انتقال ديمقراطي سلس، أو الفشل وهي تحاول ذلك على الأقل؛ بل اكتفت سياستها الخارجية في الشأن الليبي بالتركيز على تأمين مناطق عمل شركاتها العملاقة، والحصول على امتيازات التنقيب عن النفط والغاز، والدفع للميليشيات، والقبائل على الحدود الجنوبية مقابل كبح جماح تدفق المهاجرين، ومحاولة إبقاء الوضع ثابتًا على ما هو عليه من تقسيم للبلاد طالما لا يؤثر فيها؛ بل يخدم مصالحها الآنية. 

 

لذا انتقد الكاتب والخبير في السياسة الخارجية الإيطالية الباحث أليساندرو أورسيني سياسة بلاده «قاصرة النظر» في ليبيا ومنطقة حوض المتوسط عمومًا؛ والتي أدت إلى تراجع مكانتها خلال العقدين الفائتين، ورأى أن بلاده، كانت ستخسر كل شيء في ليبيا لولا التدخل التركي الأخير الذي أربك حسابات الجميع هناك، بما فيهم إيطاليا، وأجَّل حسم المعركة؛ ما يعني بقاء الوضع القائم على حاله في فرصة لروما لالتقاط الأنفاس، وكسب الوقت للتحرك السريع قبل عقد مؤتمر برلين في يناير (كانون الثاني) القادم. 

لكن هل يكفي روما سياسة عقد المؤتمرات الدولية، واللقاءات الثنائية، والمطالبة بالتهدئة لتجنب خروجها من المشهد برمتّه، فضلًا عن قدرتها على استعادة الملف الليبي وقيادته؟

 يشكك أورسيني في قدرة التحرك الناعم لبلاده على احتواء الموقف في الوقت الذي يقوم فيه آخرون هناك بخطوات عملية؛ إذ يشير إلى أنه بالرغم من امتعاض الحكومة الإيطالية من الاتفاق الليبي التركي؛ فإنه لم يخالف الأعراف والقوانين الدولية؛ فقبل أعوام قليلة، يقول الكاتب، استعان نظام بشار الأسد رسميًّا بالروس والإيرانيين عام 2015م؛ لمواجهة مَن أسماهم بـ«المتطرفين والمقاتلين الأجانب» في بلاده، عندما كان نظامه على وشك الانهيار، وقبل ذلك استعان النظام الكويتي عام 1990م، بالأمريكان لصد الغزو العراقي بعد أن خسروا دولتهم؛ فما الذي يمنع حكومة السرّاج، المعترف بها أمميًّا، من طلب العون العسكري من تركيا بشكل قانوني، في الوقت الذي تأخرت فيه إيطاليا عن فعل أي شيء هناك بالرغم من استنجاد السرّاج بوزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني في يونيو (حزيران) الماضي دون أن يتلقى أي مساعدة.

هكذا تنبه الإيطاليون أن العديد من اللاعبين الدوليين قد تسللوا إلى حديقتهم الخلفية في ليبيا، ليس دون أن يشعروا، بل على مرأى من أعينهم وكسلهم السياسي، حتى باتوا مهددين، ليس فقط بخسارة ليبيا سياسيًّا، لكن حتى على مستوى الامتيازات والثروات الطبيعية. لكن كيف دفعت روما هذا الثمن الباهظ في ليبيا، وربما في حوض البحر الأبيض المتوسط بتبنيها سياسة «انتظر وراقب» الكسولة هذه، حتى سحب البساط من تحتها دون أن تتنبه لذلك؟

سياسة

منذ 3 شهور
بعيدًا عن حفتر والسراج.. 9 دول تتقاتل في ليبيا

كيف أصبح موقف إيطاليا ضعيفًا في البحر المتوسط؟

أصيح بالخليج: يا خليجْ

يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!

فيرجعٍُ الصّدى

كأنه النشيجْ:

يا خليج

            يا واهب المحار والردى..            

بدر شاكر السيّاب

انفجر سكان حوض البحر المتوسط في نهاية العام 2010 في وجه الأنظمة الشهيرة بسياسات القمع والإفقار، وفي رقعة قريبة للغاية من نقاط اشتعال الاحتجاجات، تحديدًا في صحراء سيناء، كان يتم تفجير خط الغاز المصري المزود لإسرائيل بـ 40% من احتياجاتها السنوية من الغاز بشكل متكرر. لتقرر إسرائيل التحرك لإيجاد حل لهذا التذبذب في التزويد، والذي يشكل خطرًا استراتيجيًّا عليها. لذلك باشرت بالشراكة مع شركات أمريكية في التنقيب عن الغاز قبالة سواحل مدينة حيفا الفلسطينية، ولم يكد عام 2011 ينتهي حتى أعلنت دولة الاحتلال عن اكتشافها حقلي تمار وليفاثان للغاز، اللذين يتوفران على 26 تريليون متر مكعب من الغاز. عنى ذلك عمليًّا تأمين احتياجات إسرائيل من الغاز لـ30 عامًا قادمة، وتحولها من مستورد إلى مصدّر، وألغت اتفاقية الغاز مع مصر بذريعة عجز الجانب المصري عن إمكانية إيفائه بالتزاماته. 

من ذلك الحين تتابعت إبهارات هذا البحر العتيق الذي لا يكفّ عن النجاح في إسالة لعاب عمالقة الطاقة بكشفه عن مكنوناته  من حقول الغاز واحتياطاته. إذ توالت إعلانات دول حوض شرق المتوسط عن اكتشاف حقول غاز عديدة مثل قبرص، واليونان، ومصر، ولبنان، وحتى فلسطين. إذ تقدّر الأرقام مخزون المتوسط من الغاز بـ122 تريليون متر مكعب، وتقريبًا بـ223 ترليون أخرى في دلتا النيل، ما يعني أن المنطقة ستكون من أهم مناطق مستقبل الكوكب من حيث مصادر الطاقة والثروة. 

لكن لم يحالف التوفيق كل دول حوض شرق المتوسط في هدايا الغاز هذه. فالوضع بالنسبة لدولة مثل تركيا تعبّر عنه المقولة الشعبية العربية «العين بصيرة، واليد قصيرة» خير تعبير. إذ إن حقول الذهب الأزرق ربما تكون هناك في زاوية ما من مياهها، لكنّها تأبى بعد الإفصاح عن مكانها. والحال كذلك فلسان حال الأتراك يقول: «إذن لنساعدها نحن على الخروج»، وهكذا لم تتأخر سفن التنقيب التركية في مغادرة موانئها، ولم تتأخر حفّاراتها في شق قلب الماء بحثًا عن الغاز تحميها القطع البحرية التركية المختلفة، على وقع معارضة الجيران وتهديداتهم.

 

واحة الغاز المتوسطية هذه ليست واحة سعيدة كما تبدو، فالصراعات بين الجيران المتوسطيين على أشدها في أشبه ما يكون بوضع سينمائي مكسيكي، إذ يشهر كل واحد في المشهد مسدسًا في وجه الآخر. فهناك خلاف بين إسرائيل من جهة وبين السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، والمقاومة الفلسطينية في غزة من جهة أخرى على حقوق التنقيب والاستفادة المالية. وآخر بين إسرائيل ولبنان الذي يتكئ على سلاح حزب الله وتهديداته لأي محاولة تنقيب إسرائيلية، وصراع آخر أطرافه  مصر وقبرص واليونان وإسرائيل من جهة، وتركيا في الجهة الأخرى. 

هناك أيضًا المتفرجون ذوو المصلحة المباشرة، فمن على السواحل السورية يراقب الروس ومن ورائهم شركة جازبروم الوضع بحذر. كما يراقب الأمريكيون سير عمليات شركاتهم العاملة ومصالحهم هناك بكسل، معتمدين على ناقلاتهم الحربية المتموقعة على مدخل جبل طارق من جهة الغرب، وبالقرب من باب المندب من جهة الجنوب، وهناك عرب الخليج القادمون من بعيد بحكم الأخوة والعروبة لاقتطاع نصيبهم من هذه الثروة الهائلة، عبر شراكاتهم مع عمالقة صنّاع الطاقة العالميين. وأخيرًا هناك الاتحاد الأوروبي ودوله، فهم الأكثر قلقًا مما يحدث قريبًا من سواحلهم من تقسيم لكعكة هائلة لا ينولهم منها سوى الفتات، بل لربما يخسرون قسمًا كبيرًا منه كذلك. 

لذلك لا يمكن لرؤية ما تخصّ الوضع الليبي أن تكتمل دون النظر جهة البحر؛ فمياه البحر الأبيض المتوسط فيها سر كل ما يحدث بخيره وشرّه. ومن يؤمن الآن أكثر من روما بقول الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب في أن البحر واهب محار الغاز والثروة، وأنه واهب ردى الهجرة غير الشرعية، والعناصر التي تعتبرها إيطاليا إسلامية متطرّفة أيضًا، وازعاج المنافسين على حقول الغاز فيه. ولا بدّ لها حتى تتدارك الوضع في ليبيا، أن تأخذ بعين الاعتبار انعكاس الصراع المتوسطي المزعج على آبار الغاز، على وضعها ومصالحها في ليبيا أولًا، ثم على مصالحها وحصتها من غاز المتوسط ثانيًا.

السراج وحيدًا مع تركيا.. وإيطاليا ما زالت تشاهد من بعيد

بالرغم من محاولات الجنرال حفتر الفاشلة حتى الآن في اقتحام طرابلس، لكن يبدو أن هذه المرّة قد تكون مختلفة على ضوء الاعتبارات أعلاه في الطاقة والثروة. إذ تأتي حملته هذه المرّة على عاصمة حكومة الوفاق الوطني في ظل مستجدات لم تكن قد نضجت بعد، كما كان الوضع في حملاته السابقة. إذ قاد سباق الغاز المحموم ذلك أنقرة إلى الالتفاف على الوضع المتشابك بين الشركاء الأعداء في حقول الغاز، بتعزيز وضعها الجيوسياسي من خلال توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع حكومة السرّاج المعترف بها دوليًّا. 

جاءت الخطوة كصاعقة برق في سماء صافية بالنسبة للجميع، فمن جهة أعطى الاتفاق شرعية قانونية لعمليات التنقيب التركية عن الغاز في حوض المتوسط، وبذلك أغلق الباب على جميع حجج الجيران في هذا الموضوع. ومن جهة أخرى يعني الاتفاق أن لا مشروع تعديل على الحدود البحرية يمكن أن تقوم به ليبيا دون موافقة تركيا، وبكلمة أخرى حتى كل المشروعات المستقبلية التي ستنقل الغاز من حوض المتوسط إلى أوروبا، يجب أن تنال موافقة الأتراك في حال مرّت حتى من المياه الليبية. وكأن الخطوة التركية فجأة نبّهت العالم على وجود ليبيا، وأهميتها في هذا الموضوع. وهكذا تحولت الساحة الليبية معركة كل الأطراف أكثر من أي وقت سابق. فالمسألة تبدو زحام وتدافع على عدد قليل من المقاعد لا يكفي الجميع، وحتى تتسع يجب على أحدهم الخروج من اللعبة برمّتها من خلال الساحة الليبية. 

 

ليتفاجأ الليبيون أن همومهم الخاصة وحربهم الصغيرة على السلطة، صارت سلاحًا يريد كل الأطراف تملّكه بدعم أحد الطرفين المتنازعين، خليفة حفتر، وفايز السرّاج، لمآرب أخرى لها علاقة بكنز البحر الأبيض المتوسط أكثر مما لها علاقة بحياة ومستقبل الدولة والشعب الليبي. وهكذا اصطفت خلف الجنرال خليفة حفتر كل من فرنسا سياسيًّا، والسعودية والإمارات ماليًّا، ومصر عسكريًّا بمباركة دولية روسيّة.

 ووجد رئيس حكومة الوفاق فايز السرّاج نفسه وحيدًا متسلحًا بشرعيته الدولية، ودعوات الأمم المتحدة للتهدئة، وعدد من المدن الليبية التي أعلنت وقوفها إلى جانب طرابلس، ووعد تركي بالدفاع عن المدينة، وتيه سياسي إيطالي لا يقدم ولا يؤخر شيئًا. أمّا الأمريكان، فلا تنتظر منهم شيئًا. ففي الشهور الماضية تخلّوا عن حلفائهم الأكراد الذين قاتلوا معهم تنظيم داعش سنين طويلة، فلذلك لا تعتقد أن ترامب سيقدم شيئًا لمن لم يقدم له شيئًا، خصوصًا أن البيت الأبيض أعلن مرارًا أنه لا مصلحة له في التدخل في الشأن الليبي أكثر مما يفعل الآن.

إمكانيات إيطاليا للعودة للحلبة.. أحلاها مرّ

أين تقع روما على هذه الخريطة المعقدة من الاصطفافات والمصالح المتشابكة. وما الذي يمكنها فعله؟ أشارت التقارير الصحفية إلى أن وزير الخارجية الإيطالي دي مايو كان قدد مرّر رسائل واضحة للطرفين في ليبيا. ففي لقائه مع فايز السرّاج، عبّر الوزير عن امتعاض روما من الاتفاق الأخير الموقع مع أنقرة بخصوص ترسيم الحدود البحرية في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ إنه يزيد التعقيد في واقع هو أصلًا مرتبك ومعقّد بما فيه الكفاية. وعلى الجهة الأخرى في لقائه مع الجنرال خليفة حفتر، طالبه بالتخلّي عن الحلول العسكرية، وضرورة الحفاظ على الوحدة والسيادة الليبية. 

تأمل روما بذلك في أن تتمكن من الوصول بالملف الليبي آمنًا حتى موعد مؤتمر برلين مطلع العام الجديد قبل أن ينفجر، وتضيع الفرصة الأخيرة في تسوية الأمور وإنقاذ الموقف، إذ إنها تعمل على مشروع إشراك كل من باريس، وبرلين، ولندن، والاتحاد الأوروبي لحلّ هذا الصراع. لذا يمكن وضع اليد على الخطوط العامة للسياسة الإيطالية في هذا الملف التي ترتكز على أربعة محاور أساسية هي: إيفاد مبعوث إيطالي خاص لمتابعة الوضع الليبي عن قرب كما أُعلِن. وتعزيز دور الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء الذين لهم مصالح مباشرة هناك، ودفعهم للانخراط أكثر في الشأن الليبي. ومن ثم الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة مع اللاعبين الرئيسيين في الساحة الليبية (الأمريكان، والروس والأتراك). وأخيرًا تفكر روما جدّيًّا بإشراك دول الجوار الليبي العربي في مؤتمر برلين.

إلا أن العين تلمح سريعًا صعوبة المهمة، والتحديّات الجمّة التي على الدبلوماسية الإيطالية مواجهتها حتى تنجح. فعلى مبعوثها أولًا أن ينجح في إقناع خليفة حفتر بالعدول عن فكرة الحل العسكري، خصوصًا وأنه بالرغم من فقدانه للشرعية خارجيًّا، فإن الدعم له في تزايد داخليًّا على الأرض، ومن ثمّ في حال وقوع المواجهة العسكرية عليه أن يجد مخرجًا لمنع انهيار حكومة الوفاق الوطني، التي بالرغم من الاعتراف بها خارجيًّا، فإنها لا تلقى إجماعًا داخليًّا. 

أمّا أخوة الاتحاد الأوروبي فمن الصعب على إيطاليا أن توحدهم على مطلب ومصلحة واحدة. كيف وفرنسا منافسها الأوروبي الأول على الساحة الليبية، وشركة توتال الفرنسية منافس شركة إيني الإيطالية في مياه البحر المتوسط تدعم الجنرال حفتر، كما تتهمها هي وحكومة الوفاق الوطني، وبالوقت نفسه تعجز إيطاليا ومن خلفها الاتحاد الأوروبي عن إدانة الدعم الروسي من خلال مرتزقة فاغنر لقوات حفتر، وكيف تجد مخرجًا لذريعة مصر والإمارات والسعودية بدعم حفتر بدعوى حربها على الإرهاب الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين. وأخيرًا كيف ستتعامل مع الوجود التركي المفاجئ، ودخولها بقوة على خط الملف الليبي من حيث لا تحتسب. 

هكذا تجد روما في موقف لا تحسد عليه. فهل تتمسك بحكومة السراج «الإخوانية» من وجهة نظرها، وتراهن على حصان آيل للسقوط؟ أم تتخلى عن طرابلس وتسارع للقاء حفتر والتفاهم معه على وضع روما في ليبيا ما بعد الحسم العسكري. في الحالة الأولى ستجد روما نفسها مضطرّة للتنسيق مع الأتراك مجبرة، وهذا يزعج إيطاليا مجرد التفكير فيه، خصوصًا أن القطع البحرية التركية كانت قد اعترضت ومنعت إحدى سفن التنقيب الإيطالية من العمل بالقرب من السواحل القبرصية الجنوبية. لكن ربما تأخذ في عين الاعتبار تكلفة ذلك في مقابل الحفاظ على مصالحها. وستقبل تقاسم كل شيء مع أنقرة سواء في ليبيا أو في حوض المتوسط. ما يعني تصادمها مع باقي أعضاء الاتحاد الأوروبي المتضررين من السياسات التركية في المتوسط، مثل قبرص، واليونان، وفرنسا.

وفي حال قبلت دعم حفتر، سيكون عليها كذلك قبول التنازل عن جزء كبير من حصتها، فمن جهة لم تكن روما أبدًا من داعمي حفتر، وفي الوضع الذي سينشأ بعد الحسم، ستعاقب على سياسة الحياد التي اتبعتها بحرمانها من بعض الامتيازات في حقول النفط والغاز الليبيين. ومن جهة أخرى هناك داعمون كثر لحفتر، كل منهم ينتظر نصيبه من التركة الليبية بعد إغلاق هذا الملف.

 وهناك من يتربصون بروما على كل حال مثل الفرنسيين، الذين يضعون نصب أعينهم خلافتها في الوصاية على الثروات الليبية. وعليها أخيرًا مواجهة احتمال التوافق الروسي التركي، وإعادة تطبيق تجربة التعاون بينهما في سوريا على الأراضي الليبية. فبعد الصدام في الشمال السوري، تحولت العلاقات بين البلدين لتنظيم شؤون مصالحهما المشتركة، وتحقيق الاستفادة المتبادلة. لذا ما المانع من التعاون في ليبيا، خصوصًا في ظل الغياب الأوروبي والأمريكي، الحقيقة التي ستخلط الأوراق إلى حدّه الأقصى، وقد تجبر روما على تقاسم الكعكة الليبية مع الأتراك والروس.

 

المصادر

تحميل المزيد