لم يكن روح الله زم، الذي وقف وهو طفل، يصلي العشاء وراء المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، آية الله علي خامنئي، بصحبة والده، رجل الدين البارز، محمد علي زم، يعلم أن الحال سينتهي بإعدامه، بعد سنوات من معارضة الجمهورية الإسلامية، والشتات والهرب من بلاده!

وبالتأكيد لم يكن يعلم، أن الجمهورية الإسلامية التي أسسها روح الله آية الله الخميني، أستاذ والده، والذي أسماه على اسمه من شدة حبه لأستاذه، أنها الجمهورية نفسها التي بموجب قوانينها، سيُعدم فيها وهو في سن الثانية والأربعين عامًا.

في خريف عام 2019، سافر روح الله زم من فرنسا، منفاه الاختياري، إلى العراق، ومن هناك ألقى الحرس الثوري الإيراني القبض عليه، ورُحِّل إلى إيران، ليُعدم فيها قبل عدة أيام.

ما بين إعدام روح الله زم، وسنوات حياته في إيران، ومعارضته فيما بعد للجمهورية الإسلامية، الكثير من الأمور، سنتحدث عنها في السطور القادمة.

النشأة في أسرة ثورية.. ولكن

ولد روح الله زم، في يوليو (تموز) 1978، أي قبل الثورة الإسلامية بقيادة آية الله روح الله الخميني بعدة أشهر، والد روح الله زم، هو رجل الدين المعروف محمد علي زم، الذي كان مولعًا بالخميني، وأفكاره الثورية، وينعكس هذا الحب الشديد، في اختيار محمد علي زم لاسم «روح الله» لطفله.

بعد انتصار الثورة في إيران، وصل والده إلى أعلى المناصب الإدارية في الجمهورية الحديثة، كما جرت العادة وسط رجال الدين المؤيدين للثورة، والمقربين من الخميني، فتولى محمد علي زم مسئولية مركز الفنون في مؤسسة الدعاية الإسلامية.

روح الله الخميني

ذاعت شهرة محمد علي زم، حتى إن البعض حينها قد طرح اسمه ليجري ترشيحه في الانتخابات الرئاسية، فكان للرجل سمعة جيدة في مجال الثقافة آنذاك، لكن الأمر لم يتخط كونه مجرد ترشيح من بعض محبيه المؤمنين بقدراته وإيمانه بمبادئ الثورة.

نشأ روح الله زم، في أسرة ثورية، مؤمنة بالمبادئ الثورية الجديدة للجمهورية الإسلامية، ووجد نفسه ابنًا لأحد كبار المسئولين في الدولة الجديدة، لم يهتم كثيرًا بالتعليم، وفي الوقت نفسه تولى منصبًا مهمًّا وهو في العشرينيات من عمره، بواسطة نفوذ والده أصبح رئيس العلاقات العامة لشركة تحسين استهلاك الوقود، التي كان يترأسها آنذاك مهدي هاشمي، نجل الراحل آية الله هاشمي رفسنجاني أحد أهم رجال الجمهورية الإسلامية.

لكن بالرغم من النشأة الثورية، والحصول على منصب رفيع، لشاب في عمر روح الله، كانت هناك بوادر تمرد على أحكام وتحكمات الجمهورية الإسلامية.

ففي أحد المرات، وفي خلال رئاسة والده لمركز الفنون، أُلقي القبض عليه وهو يوزيع شرائط فيديو لمطربين غربيين، في وقت كانت هذه الأمور محظورة داخل إيران.

يقول أحد الأشخاص المقربين من روح الله زم لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: «في سنوات شبابه، لم يَرُق اسم روح الله له، فأطلق على نفسه اسم «نيما» بدلًا من روح الله، وأصبح أصدقاؤه ينادونه بهذا الاسم، كان مستاء من المحظورات والممنوعات بعد الثورة».

نقطة التحول الأولى.. انهيار نفوذ الأب وتجربة الاعتقال لأول مرة

إلى هنا كانت تسير الأمور بشكل معقول، ابن لرجل يتمتع بنفوذ واسع وسلطة كبيرة، وبالرغم من تمرد الابن فإنه يستطيع الحصول على أي منصب يريده إلى حد ما، دون الحاجة إلى شهادات علمية، أو بذل الكثير من الجهد.

إلى أن انهارت كل تلك الأحلام، وضاع نفوذ والد روح الله زم وسلطته في عام 2001؛ بسبب خلافات داخلية بين والده وعدد من المسؤولين المقربين من الزعيم الأعلى، آية الله علي خامنئي، فأقيل محمد علي زم، من منصبه، مديرًا لمركز الفنون.

لكن محمد علي زم، ظل محتفظًا بمنصبه، رئيسًا للمنظمة الثقافية والفنية لبلدية طهران، إلى أن وصل الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، إلى منصب الرئاسة في عام 2004، وأزاحه من منصبه، وحل محله أحد أقرب المقربين من أحمدي نجاد، وهو إسفنديار رحيم مشائي.

جانب من تظاهرات الحركة الخضراء في إيران

هنا انهارت مكانة محمد علي زم وسلطته، وبدأ في البحث عن وظيفة أخرى بعيدًا عن الدوائر الحكومية، فأسس مكتبًا لإنتاج الأفلام الوثائقية، ساعده فيه روح الله زم، وأنتج له عددًا قليلًا من الأفلام، بجانب عمل روح الله زم في متجره الخاص لبيع المثلجات في إحدى المدن الإيرانية.

في عام 2009، اختار روح الله زم، طريق الإصلاحيين، فانضم إلى الحملة الانتخابية لمهدي كروبي، المرشح الرئاسي الإصلاحي حينها، والقابع تحت الإقامة الجبرية منذ عام 2011 إلى يومنا هذا، وبعد نتيجة انتخابات عام 2009 المتنازع عليها، وإعلان فوز أحمدي نجاد بفترة ولاية ثانية، أُلقي القبض على روح الله زم، واعتُقل لعدة شهور.

يقول أحد المقربين من روح الله زم، في حديثه لـ«ساسة بوست»: «لم يشارك روح الله في احتجاجات الحركة الخضراء بشكل كبير، فقد اعتُقل على الفور كونه أحد أعضاء الحملة الانتخابية لمهدي كروبي».

كانت تلك هي المرة الأولى التي يُعتقل فيها روح الله زم، وبمعنى أدق، فإنها نقطة التحول الأساسية في حياته، التي انتهت بإعدامه مؤخرًا.

الهروب من الجمهورية الإسلامية وكشف تفاصيل اعتقاله وتعذيبه

في الأشهر التي أعقبت المظاهرات الكبيرة التي عرفت باسم «الحركة الخضراء»، عام 2009، جرت حملات اعتقالات واسعة النطاق، لعدد كبير من المشاركين في الاحتجاجات، والنشطاء السياسيين المنتمين للمعسكر الإصلاحي.

فهرب العديد من الشباب، بطرق غير مشروعة إلى خارج إيران، وكذلك فعل روح الله زم الأمر نفسه، لكنه خرج خروجًا شرعيًّا مستخدمًا ما تبقى من نفوذ والده، فذهب أولًا إلى ماليزيا، ومن هناك قرر أن يروي في رسالة مفتوحة موجهة إلى الرئيس أحمدي نجاد في عام 2011، تجربة اعتقاله، وتعذيبه لانتزاع اعترافات قسرية منه ضد بعض الشخصيات الإصلاحية وعلى رأسهم مهدي كروبي.

بعد رسالة روح الله زم، كتب إليه والده المقيم بطهران، رسالة مفتوحة يدعوه فيها للعودة إلى بلاده، وإعلان توبته، وإظهار ولائه للجمهورية الإسلامية مرة ثانية.

يقول صحافي إيراني متابع لقضية روح الله زم منذ البداية في حديثه لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته، لأسباب أمنية: «كانت رسالة والد روح الله زم، بالطبع تحت التهديد والضغط، وكان يعلم روح الله زم وقتها أنه إذا وافق على طلب والده، فسيجري اعتقاله بمجرد وصوله إلى مطار طهران».

لم يمكث روح الله زم في ماليزيا كثيرًا، فقد تزوج من زوجته الثانية هناك، وسافر معها بصحبة ابنته – ثمرة زواجه الأول وهو شاب في إيران – إلى فرنسا، ليبدأ مرحلة جديدة مليئة بالكثير من الأحداث، لكن قبل ذهابه إلى فرنسا، سافر إلى تركيا، لبعض الوقت، وهناك انخرط مع مجموعات النشطاء السياسيين الإيرانيين المعارضين.

فرنسا وقناة «آمد نيوز» والأخبار المثيرة للجدل!

ذهب روح الله زم إلى فرنسا واستقر في مدينة تولوز، وهناك تواصل مع عدد من النشطاء الإيرانيين المؤيدين للمعسكر الإصلاحي، وكانت تربطه بهم علاقة ودية، في حوالي عام 2015 أنشأ روح الله زم، قناة «آمد نيوز»، على تطبيق «تليجرام»، لنشر الأخبار الحصرية من داخل إيران.

اشتهرت قناة «آمد نيوز»، وذاع صيتها بين الإيرانيين، لنقلها أخبارًا كثيرة عن الفساد وتورط شخصيات مهمة داخل المؤسسة السياسية الإيرانية في الكثير من القضايا.

لا يمكن القول إن قناة روح الله زم، كانت تنشر أخبارًا كاذبة، كما يشاع عنها بين وسائل الإعلام الإيرانية الحكومية، وفي الوقت نفسه لا يمكن الجزم بصحة جميع أخبارها.

سياسة

منذ 3 سنوات
آخرها إيران.. لماذا تخشى الحكومات حول العالم تطبيق «تيليجرام»؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر، نشرت قناة «آمدنيوز»، أخبارًا عن وجود 63 حسابًا بنكيًّا تابعًا للسلطة القضائية الإيرانية، وهو ما أكده النائب البرلماني الإصلاحي السابق، والمعروف بمعارضته، محمود صادقي، في مناسبات مختلفة، كادت أن تفضي إلى اعتقاله.

بعدها بفترة وجيزة، أعلن إبراهيم رئيسي، رئيس السلطة القضائية الحالية، عن حقيقة وجود مثل هذه الحسابات البنكية، لكنه علل وجودها بأنها خاصة بنفقات القضاء، وأنه أحال للتحقيق عددًا من الفاسدين داخل مؤسسة القضاء.

نشرت القناة أيضًا أخبارًا، عن تورط ابنة رئيس القضاء السابق، صادق لاريجاني، في قضية تجسس لصالح المملكة المتحدة، وهو ما ردده كثيرًا بشكل ضمني، الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد والمقربون منه، في خضم معركته مع صادق لاريجاني، لكن السلطات الإيرانية، نفت هذا الأمر على لسان وزير المخابرات الإيراني، محمود علوي.

كما نشرت قناة «آمدنيوز»، تقارير حصرية، عن عمل وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في إدارة حسن روحاني، محمد جواد آذري جهرمي، وعمله في وزارة المخابرات، مما دفع الوزير الشاب للتعليق متهمًا روح الله زم بأنه يردد أوهامًا لا وجود لها.

يقول الصحافي الإيراني الذي تحدث لـ«ساسة بوست»، معلقًا على الأخبار التي نُشرت على قناة «آمدنيوز»: «بالتأكيد هناك عدد كبير من الأخبار لا يمكن إنكارها، وأعتقد أن روح الله زم حصل عليها من مسؤولين داخل المؤسسة السياسية، وهناك بعض المسئولين السابقين اعتقلوا بتهم التعاون مع روح الله زم، منهم مقربون من الرئيس السابق أحمدي نجاد».

لكن في الوقت نفسه، نشر روح الله زم، عددًا لا بأس به من الأخبار الكاذبة، وكان أشهرها هو وجود بديل لآية الله علي خامنئي، وهو شخص يدعى مير طاهر، يشبهه في الملامح، ويظهر بدلًا منه في العديد من المناسبات.

بعد نشر خبر مير طاهر البديل لخامنئي، أذاع التلفزيون الرسمي الإيراني، فيلمًا وثائقيًّا بعنوان «نهاية الأكاذيب»، وهو عبارة عن مكالمة هاتفية بين شخص ما يدعي أنه مسئول داخل الحكومة الإيرانية، يتحدث مع روح الله زم، ويمده ببعض المعلومات الخاطئة، التي نشرها روح الله زم على قناته على تطبيق «تليجرام» فيما بعد.

في إحدى المقابلات الصحفية مع روح الله زم، وبسؤاله عن هذه الواقعة، وخبر وجود بديل لخامنئي، أجاب بأنه ليس صحافيًّا بالمعنى المعروف، ويحق له نشر معلومات بالطريقة التي يجدها مناسبة، كما أنه كان على علم بأمر المكالمة الهاتفية الفخ، وبالرغم من ذلك نشر الأخبار المزيفة.

احتجاجات (2017 – 2018).. «آمدنيوز» و«صداي مردم»

شهدت الجمهورية الإسلامية في ديسمبر (كانون الأول) 2017، ويناير (كانون الثاني) 2018، مظاهرات واسعة النطاق، احتجاجًا على سوء الأحوال المعيشية، هذه الاحتجاجات كانت نقطة تحول كبيرة في تاريخ روح الله زم، وقناة «آمدنيوز».

خلال هذه الفترة، كانت القناة تغطي باستمرار أخبار الاحتجاجات، وأماكنها، ووصل عدد المشتركين في القناة إلى أكثر من مليون مشترك، يقول الصحافي الإيراني: «كانت القناة نشطة للغاية، لكنها لم تكن فقط معنية بنقل الأخبار، وإنما كانت تنشر معلومات للمتظاهرين لكيفية الاشتباك مع قوات الأمن».

جانب من احتجاجات 2017/2018 – مصدر الصورة: Fars News

في يناير 2018، خاطب وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، آذري جهرمي، القائمين على تطبيق «تليجرام»، طالبًا منهم إغلاق القناة التي تحرض المتظاهرين على استخدام العنف ضد أفراد المؤسسات الأمنية.

حينها كانت قناة «آمد نيوز»، تنشر طرق صنع الزجاجات الحارقة (المولوتوف)، وتشجع المتظاهرين على استخدامها ضد قوات الأمن، وكانت النتيجة حجب تطبيق «تليجرام» للقناة، لانتهاكها السياسيات الخاصة بالتطبيق، وعلى الفور أنشأ روح الله زم قناة أخرى بديلة لـ«آمدنيوز»، باسم «صداى مردم»، أو صوت الشعب بالعربية.

يقول أحد المقربين من روح الله زم في حديثه لـ«ساسة بوست»: «استخدمت الأجهزة الأمنية روح الله زم في بعض الأحيان لصالحها، فقد أمدته بالعديد من الأخبار الكاذبة في الكثير من الأحيان، وللأسف كان روح الله زم يبلع الطعم في كل مرة، بحجة أنه ليس صحافيًّا، بل ينشر الأخبار الحصرية والأسرار».

فخ السيستاني والذهاب إلى العراق

في عام 2019، تواصل شخص ما مع روح الله زم، للاتفاق على إنشاء قناة تلفزيونية، وكان الوسيط بين زم وهذا الشخص، شيرين نجفي، التي كانت تشغل منصب المدير العام لقناة وموقع «آمد نيوز»، والصديقة المقربة من روح الله زم.

بحسب الروايات المنتشرة نقلًا عن مقربين من روح الله زم، فإن شيرين نجفي، هي من أقنعته بالذهاب إلى العراق، لمقابلة هذا الشخص، الذي أخبر روح الله زم بأن القناة ستكون مدعومة من آية الله العظمى علي السيستاني، أعلى سلطة دينية في العراق. أرسل هذا الشخص لروح الله دعوة للقاء السيستاني، بتوقيع من مكتبه شخصيًّا.

يروي حسين فرشتيان، رجل دين إيراني، يعيش في فرنسا، ومقرب من روح الله زم، لـ«ساسة بوست»، كيف أنه حذر زم مرارًا وتكرارًا من الذهاب إلى العراق، محذرًا إياه بأنه معرض لخطر الاعتقال هناك.

يقول السيد فرشتيان لـ«ساسة بوست»: «أخبرته بأنه من الجنون الذهاب إلى العراق، الفكرة بأكملها تبدو وكأنها فخ نصب لكي يتم الإيقاع بروح الله، لكنه لم يصغ لتحذيرات أصدقائه».

حاول «ساسة بوست» التواصل مع السيدة شيرين نجفي، لنسمع شهادتها بخصوص هذا الأمر، خاصة وأنها كانت موجودة في العراق وقت اعتقال روح الله زم، لكنها لم ترد، كما حاولنا التواصل مع مكتب آية الله السيستاني في مدينة النجف، لكن لم يجبنا أحد.

في الوقت نفسه، استطعنا التواصل مع مصدر مقرب من مكتب السيستاني، وافق على التحدث لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته، للتعليق على شائعة تورط مكتب السيستاني في اعتقال روح الله زم، فقال «محاولة خبيثة للزج باسم آية الله العظمى، في عملية أمنية لا شأن لنا بها، هل يعقل أن يتورط السيستاني في مثل هذه الأمور لاعتقال أي شخص، وليس روح الله زم».

لكن لماذا لم يصدر السيستاني أو ممثلوه أي بيان ينفي تورطه في قصة اعتقال روح الله زم؟ أجاب المصدر ذاته قائلًا: «لا علم لي بعدم رد السيستاني، ولا أستطيع التعليق على هذا الأمر».

محمد علي زم: إعدام ابني يفتقر إلى العدالة الإسلامية

بعد اعتقال، روح الله زم، ونشر اعترافات له على التلفزيون الحكومي، يعترف فيها بأنه كان يعمل لحساب عدد من أجهزة المخابرات للدول المعادية لإيران مثل الولايات المتحدة، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية.

صدر الحكم الأول على زم بالإعدام، حينها صرح والده محمد علي زم بأن هذا الحكم على ابنه، ظالم ويفتقر إلى العدالة الإسلامية، وطالب رئيس السلطة القضائية، إبراهيم رئيسي، بالتدخل، لكن لم يجبه أحد.

محمد علي زم – مصدر الصورة: Tasnim News Agency

وفقًا لأحد أقارب روح الله زم، الذي تحدث لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته، لأسباب أمنية، فإن تأكيد حكم الإعدام على روح الله زم، قد أُعلن قبل يومين من تنفيذ الحكم، لكن لم يخبر أحد روح الله زم بتأكيد الحكم ضده.

يقول قريب روح الله زم: «سمح لنا بزيارته قبل ليلة واحدة من تنفيذ حكم الإعدام، الذي كان يوم السبت، وأخبرونا بأنه لا يجب أن نخبره بتأييد الحكم ضده، لكنه كان يشعر بذلك، وسألني عما إذا كانت المحكمة أيدت الحكم، فأجبنا لا، لكنه قال، لا يوجد ما يقلقني بعد».

بالرغم من الكثير من الأسئلة التي تحاوط قصة روح الله زم، والكثير من الأسئلة حول كيفية الإيقاع به، وظروف اعتقاله، فلا توجد إجابات واضحة في الوقت الحالي، لكن الأكيد أن روح الله زم لم يكن الشخص الأول أو الأخير الذي أُعدم بموجب قوانين الجمهورية الإسلامية، بتهمة «الفساد في الأرض»، التي عقوبتها الإعدام.

ولن يكون روح الله زم، الذي كما وصف نفسه في أحد اللقاءات بأنه «نتاج الجمهورية الإسلامية بكل ما فيها»، الأخير الذي يعلن تمرده العلني، ضد نشأته الثورية، وحياته التي بدأت ببداية الجمهورية الإسلامية، وانتهت على أراضيها، كما لم يكن الأول أيضًا، بل هناك من سبق وأن تمرد من أبناء الجمهورية الإسلامية عليها.

لكن روح الله زم ليس الوحيد.. أبناء «الجمهورية الإسلامية» يتمردون

لعل الدهشة قد تصيب القارئ الآن، كيف لشخص ولد ونشأ في أسرة ثورية، ووالده رجل دين ومن أهم المسؤولين في الجمهورية الإسلامية، حتى وإن كان قد انتهى هذا البريق بعد سنوات، أن ينتهي به المطاف إلى حبل المشنقة؟ وكيف تتبدل به السبل من شاب يستطيع الحصول على ما يريده استنادًا إلى سلطة والده ونفوذه، إلى معارض يدخل في حرب مع النظام، ويكرس حياته لنشر الأخبار سواء الصحيحة أو الخطأ، عن هذا النظام الذي نشأ بين أروقته؟

لكن روح الله زم ليس الوحيد من أبناء جيله، الذي عارض الجمهورية الإسلامية، وليس الوحيد الذي نشأ في أسرة ثورية بامتياز، ثم أعلن تمرده على الجميع، ودخل في حرب انتهت بإعدامه، فهناك عدد لا بأس به من رجال الدين البارزين في وقت الثورة، كان لديهم أبناء تمردوا على الجمهورية الإسلامية التي حارب آباؤهم من أجل تأسيسها، وإنهاء حكم الملكية في إيران.

فعلى سبيل المثال، أحمد جنتي، رجل الدين البارز، والمسئول البارز في النظام الإيراني، والذي يترأس مجلس صيانة الدستور، المؤسسة القوية التي تمنح وتمنع المناصب عمن تشاء، كان ابنه حسين جنتي من أهم قادة منظمة «مجاهدي خلق»، المعارضة، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
مترجم: 40 عامًا على الثورة الإسلامية.. كيف أصبحت إيران على ما هي عليه الآن؟

حتى بعد إعلان «مجاهدي خلق»، الكفاح المسلح ضد الجمهورية الإسلامية في عام 1981، ظل حسين جنتي من أهم أعضاء المنظمة، ولم يمنعه منصب والده ولا قيمته داخل النظام الجديد، من التخلي عن مواقفه، أو حمايته من الاعتقال. ويقال إن الحرس الثوري الإيراني هاجم منزل حسين جنتي، بعد إعلان «مجاهدي خلق» الكفاح المسلح والانشقاق عن النظام الإيراني الجديد حينها، واعتقله وأعدمه.

وبجانب حسين جنتي، فكان مجتبي طالقاني، أحد أبناء محمود طالقاني، رجل الدين البارز في الجمهورية الإسلامية، وعضو المجلس الثوري الذي تأسس بعد الثورة الإسلامية مباشرة، عضوًا بارزًا في «مجاهدي خلق» من قبل الثورة الإسلامية، واستمر في عمله في المنظمة حتى بعد نجاح الثورة، ووصول والده إلى منصب حساس داخل النظام الإيراني. وقد اعتقلته عناصر الحرس الثوري هو الآخر بتهمة الانضمام إلى «مجاهدي خلق»، والعمل ضد النظام.

حسين الخميني، حفيد آية الله روح الله الخميني، نفسه كان معارضًا للجمهورية الإسلامية، وداعمًا لأول رئيس إيراني بعد الثورة الإسلامية، أبو الحسن بني صدر، بعد إطاحته، ودخل صراع مع الأجهزة الأمنية وجده آيه الله الخميني وقتها، نتيجة لدعمه أبو الحسن، وإلى الآن، ما يزال حسين الخميني معارضًا للجمهورية الإسلامية، وينتقد أوضاعها في عهد آية الله علي خامنئي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد