قبل عشرين عامًا، في فبراير 1994، نشرتُ قصة غلاف مطولة في شهرية ذي أتلانتيك، بعنوان “الفوضى القادمة: كيف تدمر الندرة والجريمة والزيادة السكانية والقبلية والأمراض نسيج كوكبنا الاجتماعي بسرعة”؛ حاولتُ فيها البرهنة على أن نضوب الموارد (مثل الماء) وتضخم الديموجرافيا الشبابية، وانتشار مدن الصفيح في أنحاء العالم النامي، سوف تؤجج الانقسامات العرقية والطائفية، وتخلق مناخًا مواتيًا لانهيار السياسة الداخلية، وتحويل الحرب إلى أنماط غير منتظمة على نحو متزايد – مما يجعل تمييزها عن الإرهاب صعبًا في كثير من الأحيان -، وكتبتُ أيضًا عن تآكل الحدود الوطنية، وصعود البيئة كأحد القضايا الرئيسية في القرن الحادي والعشرين، وبدقةٍ تنبأتُ بانهيار دول إفريقية بعينها في أواخر التسعينيات، وصعود الإسلام السياسي في تركيا وأماكن أخرى، كما تحدثتُ عن أشياء لم يحالفني فيها التوفيق، مثل: الكثافة المحتملة للانقسامات العرقية في الولايات المتحدة، في حين أثبت الواقع أن هذه الانقسامات تحسنت بشكل لافت.

لكن ثمة إجماع على أن أجزاء كبيرة من الكوكب ضربت عرض الحائط بما يمليه التقدم والعقلانية، وأصبحت عصيَّة على الحكم، في ظل خفوت الصوت الفاعل للمجتمع المدني، الذي لا يزال في أماكن كثيرة مقتصرًا على القلة النخبوية، التي تسكن العواصم، ويشعر الصحفيون الغربيون بالراحة أكثر لمصادقتهم وإجراء مقابلات معهم؛ ما أسفر عن تضخيم هذه الفئة/ الأقلية في وسائل الإعلام.

بيدَ أن الفوضى التي أُطلِقت من عقالها في العالم العربي، على وجه الخصوص، لها جذور أخرى، لم أذكرها في مقالي الأصلي:

نهاية الاستعمار

صحيحٌ أن الأوروبيين قسَّموا الكوكب لشبكة من الكيانات، بشكل غير عادل ويتنافي تمامًا مع المدنية، لكن الاستعمار قدَّم الأمن والنظام الإداري لكثير من دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وها قد ذهب الاستعمار، الذي ظلَّ الدعامة الأساسية لاستقرار المجتمعات البشرية لآلاف السنين.

نهاية أقوياء ما بعد الاستعمار

لم ينتهِ الاستعمار تمامًا مع رحيل المستعمرين الأوروبيين، بل استمر لعقود مرتديًا قناع ورثته من الطغاة الأقوياء، الذين لطالما اعتبروا أنفسهم مقاتلين مناهضين للغرب من أجل الحرية؛ ومن ثمَّ اعتقدوا أنهم يمتلكون المبرر الأخلاقي للحكم بالطريقة التي تحلو لهم، وكما لم يكن المستعمرون الأوروبيون ديمقراطيين في حكمهم للشرق الأوسط، كانت الفئة الجديدة من الحكام، التي ينتمي إليها: حافظ الأسد، وصدام حسين، وعلي عبد الله صالح، ومعمر القذافي، والفراعنة الناصريون في مصر وصولاً إلى حسني مبارك، وهما الفريقان اللذان كان مصيرهما التراجع سريعًا عن مشهد الأحداث (رغم عودة الأخير في مصر).

غياب المؤسسات

ها قد وصلنا إلى العنصر الرئيسي/ فالطغاة العرب ما بعد الاستعمار أداروا دولاً مخابراتية؛ تعتمد على الشرطة السرية والخدمات الأمنية الأخرى ذات الصلة، بينما وقف ضعف التطور المؤسسي والبيروقراطية عاجزًا أمام احتياجات الشعب، من خدمات اجتماعية وبنية تحتية معقدة، وهذه الفجوة بين الحاكم والأسرة/ القبيلة الممتدة لا يُجَسِّرها إلا المؤسسات، لكن نتيجة لعدم تطوَّرها بما يكفي؛ أصبح المناخ أكثر خصوبة للطغاة والفوضى، وفي الوسط بينهما وقف المجتمع المدني مُكَبَّلاً، غير قادر على الازدهار دون المؤسسات والبيروقراطيات الأساسية.

الهُويات الضعيفة

أفرزت هذه المؤسسات الضعيفة، هُويات تتسم بالصفة ذاتها في دول ما بعد الاستعمار، فإذا كانت الدولة لا تعني إلا القمع، فإنها تتكون من رعايا وليس مواطنين، ورعايا الأنظمة الدكتاتورية يعرفون فقط الخوف، وليس الولاء، وإذا كانت الدولة لا تمتلك في جعبتها سوى الخوف، فإن الهويات غير الحكومية هي التي تملأ الفراغ اللاحق لانهيار أركان الدكتاتورية أو ضعفها.

المعارك المذهبية

يحتل الدين مكانة يومية في العالم الإسلامي، لم يعرفها الغرب منذ ما كان يسمى “الغرب المسيحي”، قبل ألف عامٍ؛ وهذا يعني أن الهوية غير الحكومية في الشرق الأوسط خلال القرن الحادي والعشرين تعني عموما الهوية الدينية، ونظرًا لوجود اختلافات حتى داخل دين كبير مثل الإسلام، فإن صعود الهوية الدينية، وما يترتب عليه من تراجع الهوية الحكومية، يعني إشعال الخلافات المذهبية، التي يمكن أن تتخذ شكلاً غير نظامي، أو حتى عسكري، كما حدث في أوائل العصور الوسطى في الدولة البيزنطية، ويحدث اليوم في العالم الإسلامي.

تكنولوجيا المعلومات

صحيح أن مختلف أشكال الاتصالات الإلكترونية قد تمثل مصدر قوة للجماهير ضد النظام المكروه، وتساعد في إسقاط الحكومات؛ بتجميع المحتجين عبر فيس بوك أو تويتر، ووسائل الإعلام الاجتماعية الأخرى، من غير سابق معرفة، إلا أنها غير قادرة على توفير بديل متماسك ومنظم للسلطة البيروقراطية، بهدف الحفاظ على الاستقرار السياسي لاحقًا. من هذه الزاوية، تمثل التكنولوجيا أحد روافد الفوضى، خاصة في عصر ما بعد الصناعة؛ حيث يمكن لمجموعات صغيرة مضطهدة أن تتحدى الدولة. ولأننا نتحدث هنا عن عمليات طويلة الأمد، أكثر من تركيزنا على أحداث بعينها، فإن الفوضى ستلازمنا، بشكل أو بآخر، لبعض الوقت، حتى تنشأ تكوينات سياسية جديدة، توفر النظام المطلوب، لكنها لا تحتاج أن تكون ديمقراطية بالضرورة.

؟

وتبقى علامات الاستفهام الحقيقية متناثرة على أعتاب روسيا والصين؛ حيث يمكن أن تكون مرحلة ما بعد بوتين أسوأ، وهو الأمر ذاته التي يصدق على النظام المستبد الواهن في الصين.

أما مستقبل السياسة العالمية فسيُحَدَّد بناء على أي المجتمعات ستستطيع تطوير مؤسساتها بإيجابية لتحكم مساحة جغرافية واسعة، وأيها لن يستطيع.

علامات

عربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد