يحكي الأجداد في مدينة ريميني على الساحل الإيطالي قصة مشهورة للصغار، عن دولة بحرية أو جزيرة أنشأها مهندس إيطالي يُدعى جورجيا روزا  في ستينيات القرن الماضي، بجوار سواحل ريميني في إيطاليا وأعلنها دولةً مستقلةً تحت اسم دولة جزيرة روز لمدة 55 يومًا فقط، صارت فيهم حديث الصحافة ووسائل الإعلام، ووجهةً سياحية عالمية، ولقبت بـ«الدولة الحرة» و«يوتيوبيا»، وأعلنتها الحكومة الإيطالية تهديدًا وعدوًّا مباشرًا، وطلبت من صاحبها التخلي عن مدينته، لكن دون جدوى، وفي النهاية قام الجيش الإيطالي بطمس آثارها وتفجير مبانيها.

هذه القصة لم تكن مشهورة خارج إيطاليا حتى قامت منصة «نيتفلكس» بإصدار فيلم سينمائي إيطالي عام 2018 لتخليد ذكرى جزيرة روز، فعرف  عنها العالم، أما عن حقيقة قيام دولة جزيرة روز عام 1967، وطريقة بنائها الفريدة، فهذا ما سنتعرف إليه في السطور القادمة.

جورجيا روزا: مهندس عبقري عشق الحرية فأنشأ دولته الخاصة

ولد جورجيا روزا في مدينة بولونيا بإيطاليا عام 1925، ونشأ متمردًا لم يكن يعترف بالقواعد والقوانين، حاول والده كثيرًا إخضاعه لنظام القوانين والمجتمع، فزاد ذلك من تمرده. كان دقيقًا ومنظمًا للغاية، درس الهندسة الميكانيكية وعمل مستشارًا ومحاضرًا فيها، ونتيجة تأثره بالخلفية الدولية لحرب فيتنام واحتجاجات الحقوق المدنية الأمريكية وموجة الحرية العالمية، وغضبه من القواعد المفروضة على المجتمع الإيطالي، وعشقه وسعيه لفكرة الحرية وإظهار أهمية الحرية الفردية؛ راودته فكرة مجنونة عام 1958 وهي بناء منصته الخاصة في وسط البحر وجعلها دولةً مستقلةً تتمتع بكامل الحريات الفردية، وعين نفسه رئيسًا لها!

 

قرر روزا بناء عالمه الخاص، جزيرة في وسط البحر، ترمز إلى الحرية والاستقلال الذاتي دون قوانين يمليها أحد على الآخر، في تعبير حقيقي عن الحرية. بعد التحدث إلى أستاذ في القانون الدولي بجامعة «بولونيا»، أدرك روزا أنه يمكنه بسهولة تحقيق مشروعه وفقًا للقواعد والقوانين، فقد وجد بعض القوانين التي تجعل أي شيء على بعد 6 أميال خارج المياه الإقليمية الإيطالية لا يخضع إلى الولاية القضائية الإيطالية أو القانون الإيطالي.

عقب جمع البيانات وإجراء الأبحاث اللازمة، وقع اختيار جورجيا روزا على منطقة لا تخضع لقوانين أي دولة، على بُعد 11.5 كيلومترات من شاطئ ريميني الإيطالي خارج المياه الإقليمية لإيطاليا، عرض روزا فكرته وما توصل له على أحد أصدقائه، وطلب روزا مساعدته في أعمال البناء، وتجنيد فريق صغير للمهمة، وافق صديقه على الفور، فقام روزا بشراء الأدوات المطلوبة للبناء وتوجه للمنطقة الواقعة وسط الماء، وشرع في بناء جنته الخاصة عام 1958.

جزيرة روز: دولة مستقلة على حدود إيطاليا لمدة 55 يومًا

بدأ المهندس جورجيا روزا برفقة فريق بناء صغير، العمل على منصة دولة روزا وسط أمواج البحر الأدرياتيكي عام 1958، واكتمل البناء عام 1967 وافتتحت الجزيرة أمام الجمهور للمرة الأولى في 20 أغسطس (آب) عام 1967، بعد 10 سنوات من العمل الشاق، وأُعلنت الجزيرة دولة مستقلة عام 1968، وعلى الفور أصبحت منطقة جذب سياحي لآلاف الأشخاص من حول العالم.

سجل روزا براءة اختراع بإنشاء مبنى هندسي فريد، وهو منصة جزيرة دولة روز، لأنها سلطت الضوء على طريقة أرخص بكثير لبناء قاعدة في الماء مقارنةً بمنصات النفط، فقد استخدم روز الخرسانة والخشب والفولاذ لبناء منصة تطفو على المياه بمساحة 400 متر.

اتبع جورجيا نظامًا معياريًّا في البناء، فقد استخدم تسعة أنابيب فولاذية ضخمة مجوفة من الداخل بطول 26 مترًا، هذه الأنابيب تمثل الركائز المتينة التى ستحمل المنصة الخرسانية بمساحة 40 مترًا، كانت الأسطوانات فارغة من الداخل فقاموا بحقن الخرسانة فيها، مما يجعلها مستقرة وقوية جدًّا لتثبيتها على الجزيرة، وتحمل الأمواج والمنصة، وقد كانت الأسطوانات المجوفة مثالية وجعلت من نقل المعدات أمرًا بسيطًا ورخيصًا.

أنشأ روز نقطة هبوط واستقبال تسمى بورتو فيردي مجهزةً برصيف وسلالم وصول لأرض المنصة الخرسانية. وقد كانت الخطة الأولية هي إنشاء خمسة طوابق، لكن في النهاية جرى الانتهاء من طابقٍ واحدٍ فقط، كما جلب تقنية حفر مكررة لتوفير إمدادات المياه العذبة إلى الجزيرة بأكملها. على جانب آخر، كان للجزيرة لغتها الخاصة، وكذلك شعار وعلم وعملة خاصة، وقد تكونت المنصة من مجموعة غرف للإقامة ومطعم وبار ومكتب بريد، وما يشبه حلبة رقص ضخمة، وكانت الحفلات الصاخبة والانتشاء بالمخدرات ولعب الورق والحرية الكاملة هي حياة الجزيرة، مما أدَّى إلى توافد السياح والأجانب إليها من كل مكان.

وإعلان الجزيرة دولةً مستقلةً! رد فعل الحكومة الإيطالية والعالم

انتبهت الحكومة الإيطالية لما يحدث. فمنذ أن شرع جورجيا روزا في بناء دولته الخاصة، وجهت الحكومة الإيطالية له العديد من التحذيرات، وحاولت كثيرًا منعه طوال السنوات العشر مدة البناء، فعلى سبيل المثال أمرت السلطات الإيطالية أمن الموانئ عام 1962 بإزالة جميع العوائق أمام الملاحة بجوار ساحل ريميني، لكن لم يتراجع روزا وقام بشراء مساحة على رصيف الميناء، وحصل على إمدادات الإذن ببناء الهيكل، ونشر إشعارًا للبحارة يحذر من وجود الهياكل المعدنية والجزيرة، وفي النهاية تمكن من إعادة البناء في عام 1964.

وقعت محاولة منع أخرى من السلطات الإيطالية عام 1966، وأمر مكتب ميناء ريميني مرةً أخرى بوقف البناء بحجة عدم وجود تراخيص بناء، إلى جانب وجود امتياز استغلال للمنطقة لصالح شركة الطاقة الإيطالية، لكن جورجيا لم ينفذ الأمر، وأكمل بناء الجزيرة.

علم دولة جزيرة روز المستقلة

عقب الانتهاء من بناء الجزيرة وإعلانها دولةً مستقلةً، تهافت الزوار على الجزيرة الجديدة، وسعى العديد منهم للحصول على جنسية الأمة الجديدة، مما أثار استياء السلطات الإيطالية، وزاد من عزمها على التخلص من الدولة الحديثة.

حاولت السلطات الإيطالية تشويه سمعة الجزيرة بوصفها مكانًا للرذيلة، ونشاطًا تجاريًّا أُقيم خارج المياه الإقليمية الإيطالية بهدف التهرب الضريبي، لكن على الجانب الآخر ظل جورجيا روزا يصارع من أجل جنته الخاصة، فقدم طلبًا للمجلس الأوروبي للاعتراف بها دولةً مستقلةً ذات سيادة. وعندما قوبل طلبه بالرفض، لم ييأس روزا وقدم طلبًا للأمم المتحدة للاعتراف بجزيرة روز دولةً مستقلةً، فقررت الحكومة الإيطالية حينها أن جزيرة روز هي العدو الأول لإيطاليا وبناءً عليه، يجب القضاء عليها بأي شكل.

تفجير «جزيرة روز».. قصة الحرب الوحيدة التي خاضتها إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية

أرسلت الحكومة الإيطالية تحذير إخلاء أخير لسكان الجزيرة بعد 50 يومًا من قيامها، لكن سكان الجزيرة اعترضوا ولم يستجيبوا لأوامر السلطات، فعدت الحكومة الإيطالية أنشطة المنصة شكلًا من أشكال التهرب الضريبي، إلى جانب اقتراح بعض السياسيين القول بأن الجزيرة تشكل تهديدًا للأمن القومي الإيطالى، ويمكن أن توفر غطاءً للغواصات النووية السوفيتية، في محاولة الإضرار بسمعتها والسماح للجيش بالإجهاز عليها.

جزيرة روز

وبالفعل أرسلت الحكومة، البحرية الإيطالية في مهمة رسمية للهجوم على الجزيرة والتخلص منها. استخدم الجيش مادة «تي إن تي» المتفجرة، واضطرت البحرية إلى القيام بعمليتين تفجير للمنصة من أجل تدميرها بالكامل يوم 11 فبراير (شباط) 1968، وتفككت المنصة وسقطت للقاع بفعل عاصفة هوائية يوم 26 فبراير عام 1968.

عُثر على بعض بقايا هيكل وجدران خاص بالجزيرة في قاع البحر عام 2009، ومن الجدير بالذكر أن حادثة تدمير جزيرة روز هي الحرب العدوانية الوحيدة للجمهورية الإيطالية من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبسبب تلك الحادثة اتخذت الأمم المتحدة خطوات سريعة لمنع أي تكرار محتمل لمثل تلك القصة، فأجرت تعديلات قانونية جديدة على أساسها يجري توسيع منطقة حدود المياه الإقليمية للدول من ستة أميال إلى 11 ميلًا بحريًّا. 

تأثر جورجيا روزا كثيرًا بتدمير دولته، لكنه كان مرنًا وراضيًا عن التجربة لأنه كان مهووسًا بحقيقة أن الأمم المتحدة يجب أن تعترف بأن جزيرة روز دولة حقيقية، ومع هذا القصف والتفجير اعترفت إيطاليا بأنها «دولة معادية» ويجب محاربتها، لذا كانت هذه نتيجة جيدة من وجهة نظره، تركت لنا مثالًا للتحرر من القوانين والأنظمة والعيش بحرية، كما قدمت لنا أيضًا تحفة هندسية وفكرة بناء هندسي فريد من نوعه، يُستخدم حاليًا لبناء منصات النفط البحرية.

سياحة وسفر

منذ شهرين
«جزيرة الرؤوس الكبيرة».. سر يحير العلماء ومقصد سياحي غامض مهدد بالخطر!

المصادر

تحميل المزيد