لطالما اعتقد غالبية العلماء أن أصل المياه على كوكب الأرض المذنبات، فجاءت روزيتا لتعصف بكل تلك المعتقدات. إذ أظهرت نتائج الأبحاث التي أجريت على العينات التي جمعها مسبار “فايلاي” مؤخرًا، أن المياه على الأرض مصدرها النيازك. بعد رحلةٍ استغرقت عشر سنوات خلال النظام الشمسي، وبعد النجاح الملحمي لهبوط أول مسبار فضائي “فايلاي” على سطح مذنب بعد انفصاله عن المركبة الأم “روزيتا”، والدراما المحيطة بهبوطه الثلاثي، بدأت رسميًّا المهمة العلمية لروزيتا.

نشرت مجلة ساينس الأمريكية دراسة أجراها الباحثون في مشروع روزيتا. إذ خَلُصَت الأبحاث حتى الآن إلى أن البصمة الكيميائية للمياه على الأرض تختلف عنها في مذنب “تشوريوموف-غيراسيمنكو” Churyumov-Gerasimenko، ومن ثم فالمياه على كوكب الأرض أصلها ليس المذنبات كما اعتقد العلماء من قبل.

ولعل أهم الأسئلة التي يأمل العلماء الإجابة عليها منذ إطلاق المسبار في 2004 هي أصل الحياة على الأرض، ومن أين أتت المياه التي هي أصل الحياة؟ وكيف أصبحت الأرض مغمورة بالمياه؟

تقول كاثرين التويج – باحثة بجامعة برن بسويسرا والمشرف الرئيس على أبحاث روزيتا– إنه عند نشأة الأرض منذ 4.6 مليار سنة كانت ساخنة جدًّا لدرجة تمنع الاحتفاظ بأي مياه سائلة على سطحها. وأنه ربما حُفِظَت بعض المياه الأصلية لكوكب الأرض في قشرتها وفي القطبين، لكن غالبية المياه على الأرجح أتت من مصادر فضائية.

النيازك أم المذنبات؟!

استنتجت الأبحاث أن غالبية المياه على الأرض وصلت بعد 800000 سنة من بداية نشأتها، وتسمى تلك الفترة “القصف المتأخر”. وهي فترة شهدت الأرض فيها ارتطامات كثيرة وعنيفة بأجسام كالنيازك والمذنبات. فالسؤال المثير للجدل هنا “أي تلك الأجسام هو مصدر المياه على الأرض؟”.

تقول التويج إن أحد طرق معرفة ذلك هو إيجاد أجسام أخرى في النظام الشمسي تتشابه الخصائص الكيميائية للمياه عليها مع خصائص المياه على الأرض. وكان اللجوء إلى المذنبات في البحث إذ أنها أجرام قديمة جدًّا تبلغ أعمارها مليارات السنوات، وهي أشبه ما تكون بالثلاجات حيث أمضت معظم عمرها بعيدة عن حرارة الشمس فلم تتغير المواد المكونة لها أو تتأثر بالحرارة.

يوجد على الأرض حوالي ثلاث ذرات “مياه ثقيلة” من كل 10000 ذرة مياه. المياه الثقيلة HDO تتكون من ذرة هيدروجين وذرة أكسجين وذرة ديوتيريوم، أي تختلف عن المياه العادية H2O التي تتكون من ذرتين هيدروجين وذرة أكسجين. الديوتيريوم هو نظير الهيدروجين، فبينما يحتوي الهيدروجين على بروتون واحد وإلكترون واحد، يحتوي الديوتيريوم على بروتون واحد وإلكترون واحد ونيترون واحد، مما يجعله أثقل مرتين من ذرة الهيدروجين.

تقول العالمة التويج: “ربما تكون النيازك هي الناقل الظاهري للمياه إلى الأرض، لاحتوائها على كميات كبيرة من جليد الماء”، لكن بالمقارنة مع المياه على الأرض فإن بصمة العينتين لا تتطابقان، منذ ثلاثين عامًا اكتشف الباحثون أن مذنب هايلي Halley الذي ينحدر من سحابة أورت Oort يحتوي على ضعف كمية الماء الثقيل الموجودة على الأرض.

وتقول العالمة إن ذلك الاكتشاف حينها كان مدهشًا، إذ استُبعِدَت مذنبات سحابة أورت كمصدر محتمل للمياه على الأرض.

Kuiper oort-en.svg

أمَّا في 2011، قارن الباحثون نسب المياه الثقيلةHDO  والمياه العادية H2O على مذنب هارتلي 2 “Hartley 2” الواقع ضمن حزام كايبر Kuiper Belt. واندهشوا من مدى تطابق النتائج مع المياه على الأرض؛ مما أدى إلى طرح فرضية جديدة وهي: ربما تكون مذنبات حزام كايبر هي أصل المياه على الأرض!

وفقًا للمعلومات التي جمعها مطياف الكتلة من مذنب “تشوريوموف- غيراسيمنكو” – أحد مذنبات حزام كايبر- يحتوي المذنب على نسب أعلى من المياه الثقيلة HDO تفوق نسبة المياه العاديةH2O .

وتقول التويج: “على الأرجح تلك هي أعلى النسب التي قيست حتى الآن”.

وأوضحت أن ذلك الاكتشاف له العديد من الدلالات المثيرة. فهو يشير إلى أن المذنبات في حزام كايبر تختلف اختلافًا شديدًا عن بعضها البعض، بالإضافة إلى أن مذنبات الحزام ليست هي مصدر المياه على الأرض.

في ضوء مكتشفات أدوات القياس الموجودة على متن “فايلاي”، تعتقد العالمة أنه على الأغلب الكويكبات هي المسؤولة عن جلب المياه للأرض. فالنيازك تعد جزءًا من الكويكبات التى تقع على الأرض وتحتوي على نسب متشابهة من الديوتيريوم مثل المياه الأرضية.

وخلال المؤتمر الصحفي سأل أحد الحضور التويج عن شعورها تجاه تلك المكتشفات. هل كانت مندهشة أم محبطة من أن روزيتا لم يعثر بعد على المذنب الذي أتى بالماء إلى كوكب الأرض؟

تقول: “على الإطلاق”، فمن الجيد أن نشهد هذا التنوع الموجود في حزام كايبر لندرك أن الأشياء ليست بسيطة كما قد يبدو ظاهريًّا، لكن بالتأكيد اكتشاف شيء جديد تمامًا يختلف في إثارته عن مجرد تأكيد قياسات وفرضيات سابقة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد