مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعقب الأهوال والكوارث البشرية والاقتصادية التي خلفتها، سعى قادة الدول العظمى آنذاك إلى بناء نظام عالمي سياسي واقتصادي جديد، ولأجل هذا الغرض تأسست مجموعة من المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة سنة 1945، وصندوق النقد الدولي سنة 1945، والبنك الدولي سنة 1946.

كانت مهمة صندوق النقد الدولي هي تحسين صحة الاقتصاد العالمي وتيسير حركة التجارة الدولية وضمان الاستقرار المالي، بخاصة وأنه في تلك الفترة كانت العديد من بلدان العالم تتعرض اقتصاداتها إلى انهيار كامل، يقودها نحو الفوضى والحروب الأهلية.

وعلى الرغم من أن الشعوب العربية تنظر إلى المؤسسات الدولية عامة نظرة سلبية، إلا أن صندوق النقد الدولي أسوأها سمعة لدى هذه المجتمعات، لأسباب متعددة منها ربما ترسخ نظريات المؤامرة في العقلية العربية، حيث يُنظر إلى هذه المنظمة المالية الدولية على أنها أداة لنهب ثروات العالم الفقير وتدمير بلدانه، وتروج في هذا الصدد مجموعة من الأساطير الشائعة، المُدينة لصندوق النقد الدولي.

1- صندوق النقد الدولي يسعى للتحكم في الدول

صندوق النقد الدولي هو مؤسسة بنكية دولية، تختلف عن سائر البنوك في كونها تمول من قبل حكومات الدول الأعضاء وليس الأفراد المساهمين، حيث تتكفل الاقتصادات العظمى بالحصة الأوفر في التمويل، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، وتبعًا لحصة التمويل يكون حجم التأثير في سياسات الصندوق.

لكن الانضمام لصندوق النقد الدولي ليس إجباريًا بالنسبة لبلدان العالم، وإنما يأتي بطلب من حكومات الدول الراغبة في عضوية الصندوق، بغرض الاستفادة من خدماته المالية والفنية لحل مشاكلها الاقتصادية، وارتفع حاليًا عدد أعضاء صندوق النقد الدولي إلى 189 بلدًا بعد انضمام دولة «ناورو» في 2016، وتوقع الدول على مجموعة من المواثيق القانونية التي يشتغل بها الصندوق قبل دخولها هذه المؤسسة المالية الدولية.

يروج التصور الشائع أن صندوق النقد الدولي يفرض ديونًا على الدول الفقيرة للسيطرة عليها سياسيًا، بينما الحقيقة أن حكومات الدول هي التي تلجأ إلى المنظمة المالية، بعدما تتسبب في إفلاس اقتصادها نتيجة سوء تدبيرها وفساد نخبها ولا تجد من يقرضها، فتحصل بطلب منها على قروض من صندوق النقد الدولي بمليارات الدولارات.

ولأن صندوق النقد الدولي يدرك هشاشة اقتصادات هذه الدول الراغبة في الاقتراض، فإنه يشترط عليها تطبيق مجموعة من الإجراءات المالية، يراها كفيلة بمعالجة اختلالات السوق لديها، من أجل ضمان استرداد أمواله وإنقاذ اقتصاداتها من الانهيار التام، وكذا من أجل ترسيخ النظام المالي العالمي في أسواقها الداخلية.

ويعيب البعض على صندوق النقد الدولي كونه يفرض فوائد مالية تضخم ديون البلدان المستدانة، وينسى أنه مؤسسة بنكية وليست «منظمة خيرية»، تقدم ديونًا وفق نظام السوق المالي كسائر الأبناك المالية، علمًا أن الصندوق يقدم قروضًا ميسرة لفائدة البلدان الفقيرة، بعضها بفائدة تبلغ صفرًا في ظل الصندوق الاستئماري للنمو والحد من الفقر، التابع له.

2- صندوق النقد الدولي يسعى لإفقار الفقراء

تحصل الحكومة على الأموال من خلال الضرائب ومواردها العمومية، إلا أن حكومات الدول التي تعيش داخل منظومة فساد، عادة ما تعجز عن تحصيل ميزانية كافية بعدما تتفاقم مشاكلها الاقتصادية وتبلغ حافة الإفلاس، فتضطر إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي، كما حصل مع المغرب وتونس ومصر، وتطلب منه التدخل لحل أزمتها الاقتصادية.

يقوم صندوق النقد الدولي بإرسال خبرائه لتقييم الوضع الاقتصادي لذلك البلد الراغب في الاقتراض، ويضع توصيات تصب غالبًا في خطط التقشف وترشيد النفقات، كوصفة مؤلمة لمعالجة المشاكل الاقتصادية التي تهدد اقتصاد تلك البلدان بالانهيار، الممثلة في التضخم وعجز الميزانية واختلال الصادرات والواردات وتراجع العملة المحلية.

وعادة ما تمس هذه الإجراءات قوت المواطنين، كالحال حينما يتم رفع الدعم العمومي عن المواد الاستهلاكية الأساسية، فتشتعل الأسعار ويصبح الفقراء أكثر تضررًا من هذه الإجراءات، التي يوصي بها صندوق النقد الدولي.

لكن ما تهمله الحكومات العربية هو أن صندوق النقد الدولي لا يوصي برفع الدعم بشكل كامل عن جميع المواطنين، وإنما يقترح العمل بـ«الدعم الموجه»، كما تبين وثائق توصياته، إذ يحث على سن نظام دعم مالي يصب في صالح الطبقات الفقيرة، سواء من خلال المساعدة الاجتماعية المباشرة أو استثمار تلك الأموال التي وفرتها الدولة في قطاع الصحة والتعليم.

وفي حين تنفذ الحكومات الشق الأول من توصيات صندوق النقد الدولي وترفع يدها عن الدعم، فإنها في الجانب الآخر تتهرب من دعم الفقراء وتمتنع عن رفع الضرائب على الأغنياء، كما يوصي الصندوق، فتتورط الطبقات الفقيرة وحدها في لُجة اشتعال الأسعار بعد تخلي الدولة عن دعم المواد الاستهلاكية الأساسية، الدعم الذي كانت تستفيد منه النخب الثرية المالكة للشركات بدرجة أولى.

ثم إن مهمة البنك الدولي الأساسية، الذي يعمل بالتكامل مع صندوق النقد الدولي، هي مساعدة البلدان الفقيرة في التخلص من الفقر، حيث يقدم قروضًا مخفضة ويضخ استثمارات في برامج تنموية ويمنح مساعدات مالية للدول منخفضة الدخل سنويًّا، وقد أعلن في بداية 2017 تمويلًا قياسيًا بقيمة 57 مليار دولار لفائدة برامج تنموية في إفريقيا جنوب الصحراء، كما منح البنك الدولي المغرب مساعدات مالية لمكافحة الفقر قدرها 1,5 مليار درهم خلال الشهر المنصرم.

3- صندوق النقد الدولي يسعى لخصخصة الصحة والتعليم

يوصي صندوق النقد الدولي البلدان المقترضة بفتح الأسواق وخصخصة القطاعات العمومية وتشجيع القطاع الخاص، بغرض تخليص الدولة من أعباء الإنفاق دون جدوى إنتاجية، وترك السوق للمستثمرين الداخليين والأجانب، حيث ستتكفل «الأسواق الحرة التنافسية» بتوفير مزيد من فرص الشغل وتقديم منتوجات وخدمات أكثر جودة وأقل سعرًا.

غير أن صندوق النقد الدولي لم يدع يومًا في توصياته إلى خصخصة التعليم والصحة، وذلك لأن مهمة توفير الصحة والتعليم والأمن هي من اختصاص الدولة وليس السوق، كما هو متعارف عليه عالميًا، إذ تمثل تلك الخدمات العقد الاجتماعي الوحيد الذي يربط الدولة بالمواطن، وزوالها يعني أن الدولة لم تعد لها أهمية في الوجود، وبالتالي لا يمكن لمنظمة مالية دولية تتعاون مع الأمم المتحدة لتحقيق أهداف التنمية، أن توصي بتحرير الدولة يدها عن الصحة والتعليم.

علاوة على ذلك، ينفق كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ملايين الدولارات سنويًا من أجل تمويل برامج تنموية في قطاع الصحة والتعليم لصالح البلدان الفقيرة على حسابه، كما أن توصيات الصندوق تؤكد على تعزيز الإنفاق على الصحة والتعليم بعكس المزاعم الشائعة.

غير أن الحكومات غير الكفؤ عندما تعجز عن الإنفاق على الصحة والتعليم تتجه نحو خصخصتها تخلصًا من عبئها، ولأنها تدرك المخاطر الشعبية لمثل هذه السياسات فإنها تتمترس خلف صندوق النقد الدولي، وتوهم شعوبها بعدم مسؤوليتها عن عدم توفيرها الخدمات الصحية والتعليمية الجيدة.

4- صندوق النقد الدولي يشجع الفساد

«بينما التكاليف الاقتصادية المباشرة الناجمة عن الفساد معلومة تمامًا، فربما كانت التكاليف غير المباشرة أكبر وأشد وطأة، فهي تؤدي إلى انخفاض النمو وارتفاع عدم المساواة في الدخل، وللفساد كذلك تأثير أشد ضررًا على المجتمع، إنه يقوض الثقة في الحكومة ويضعف المعايير الأخلاقية للمواطنين والأفراد»، كان هذا تصريح مديرة صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، في دراسة للصندوق بعنوان «ضد الفساد»، صدرت في 2016.

صدرت أيضًا دراسة أخرى لخبراء صندوق النقد الدولي في أوائل 2017، بعنوان «الفساد: تكاليفه واستراتيجيات تخفيف حدته»، ركزت على الفساد الذي ينشأ عن سوء استغلال منصب عام لتحقيق مكسب خاص، سواء من خلال المعاملات كالرشوة أو من خلال شبكات بين الأعمال والحكومة، التي تعمل في الواقع على تحويل السياسات العامة إلى القطاع الخاص، كالحال في العالم العربي حيث تحول النخب المالية والسياسية الدولة إلى أداة لخدمة مشاريعها الخاصة.

ومن ثمة فإن صندوق النقد الدولي يركز في توصياته على مكافحة الفساد وإعطاء أولوية للشفافية وسيادة القانون والمؤسسات الفعالة، ولذلك يضغط على الحكومات العربية من أجل نشر بياناتها المالية وإتاحتها لمواطنيها، امتثالًا لمعايير الشفافية والمساءلة، حيث تحاول هذه الحكومات جاهدة إبعاد الوعي الشعبي عن مسائل الاقتصاد، وإذا ما اضطرت إلى نشر بعض التقارير المالية الخاصة باقتصادها فإنها تتيحها بلغات أجنبية.

ونظرًا لأن هناك تداخلًا بين الدولة والسوق في العالم العربي، حيث النخب السياسية هي نفسها تسيطر على السوق، فإن الإجراءات التي يوصي بها صندوق النقد الدولي تصبح في صالح النخب المتوغلة في السلطة، فهي تمرر لشركاتها الصفقات والشركات العمومية بأثمنة بخسة، وتستعمل أدوات السلطة من قضاء وأمن من أجل احتكار الأسواق لنفسها وإبعاد المنافسين، مما يضعف جدوى هذه الإجراءات في إنعاش الاقتصاد.

5- صندوق النقد الدولي يسعى لتدمير البلدان الفقيرة

ينظر مواطنو البلدان المقترضة نحو صندوق النقد الدولي على أنه المتهم في إغراق بلدانهم بالديون، بينما الواقع هو أن حكوماتهم الفاسدة على الأرجح هي من قادت بلدانهم إلى الإفلاس وفتحت صنبور الاقتراض بدون حدود، بل إنه لولا ديون صندوق النقد الدولي، التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات لكل دولة، لسقطت اقتصادات العديد من بلدان العالم الثالث في حفرة الانهيار التام منذ عقود.

لكن ما يغيب عن معظم الناس هو أن صندوق النقد الدولي لا يقدم فقط السيولة النقدية للدول، بل أيضًا يتيح خدمات خبرائه رهن إشارة الدول الأعضاء، فالبلدان المفلسة اقتصاديًا عادة لا تتوفر على كفاءات متخصصة يمكنها حل مشاكل اقتصاداتها الهشة، فتستدعي الفرق الخبيرة لصندوق النقد الدولي لتقديم المشورة إليها في معالجة الاختلالات المالية لاقتصادها. مثلما يوفر الصندوق مجموعة من البرامج التدريبية تهدف إلى تنمية القدرات الإدارية والبشرية للدول الأعضاء، من أجل تحسين كفاءاتهم المالية.

ويعتبر صندوق النقد الدولي أكبر منجم خبرة في الاقتصاد عالميًا، نظرًا لمسيرته الطويلة التي راكم فيها تجربة ثرية في إصلاح الاقتصادات العالمية، فضلًا عن أنه يملك قاعدة بيانات هائلة تساعد في رصد الاختلالات المالية ووضع السياسات الاقتصادية، إضافة إلى تشغيله أفضل الكوادر الخبيرة بالحقل الاقتصادي، وبعضهم حائز على جائزة نوبل للاقتصاد.

وإذا ما أراد صندوق النقد الدولي تدمير بلد ما، فيكفي فقط أن يمتنع عن إقراضه أو تقديم المشورة له، لينهار بشكل تام تلقائيًا، علاوة على ذلك فإن العديد من دول العالم حققت إقلاعًا اقتصاديًا بفضل سيولته النقدية وتوصياته المالية، مثل الصين وسنغافورة والهند والبرازيل وتركيا، على عكس المغرب ومصر والعراق، البلدان التي تقترض مرة تلو الأخرى حتى تراكمت لحدود مهولة، دون أن تستثمر حكوماتها تلك الديون في تنمية اقتصاداتها.

وربما تستغل الحكومات العربية هذه الأساطير الشائعة لتشويه الصورة الحقيقية لصندوق النقد الدولي أمام شعوبها، وذلك من جهة أولى لرفع مسؤوليتها عن سوء الأوضاع الاقتصادية ببلدانها، فتوهم مواطنيها بمسؤولية الصندوق، ومن جهة أخرى من أجل تنفيذ سياسات اقتصادية قاسية، فتختبئ خلف المؤسسات الدولية، بينما في الحقيقة هي التي تتحمل المسؤولية في إفلاس اقتصادها على الأرجح، بسبب رعايتها لمنظومة الفساد المستشرية، التي تستنزف جيوب المواطنين وتكبح أي فرصة إصلاح.

المصادر

التقرير السنوي لصندوق النقد الدولي
التقرير السنوي لـلبنك الدولي سنة 2016
عرض التعليقات
تحميل المزيد