شهدت الفترة السابقة عدة زيارات لمسئولين بدول عربية – تحسب على تيار حلفاء الولايات المتحدة – إلى روسيا والصين، وقد تُقرأ هذه الزيارات كمحاولات فتح مجالات تعاون بين هذه البلدان وقوى صاعدة أخرى كالصين وروسيا، إلا أن القراءة المتأنية تعتبر مثل هذه الخطوات خطوات تكتيكية أو أوراق ضغط وتلويح بتحالفات مختلفة.

الحقيقة أن تغيير خط التعاون والارتباط السياسي والعسكري من معسكر إلى معسكر آخر على النقيض يعد خطوة كبيرة لا تستطيع الدول الصغيرة القيام بها بسهولة، فالدول العربية ترتبط بشكلٍ كبير بالنظام العسكري الأمريكي وتعتبر المستورد الأهم والأكبر للسلاح الأمريكي، وبالتالي نظم التسليح.

السعودية مناورة للحليف الأهم!

تأتي محاولات السعودية الأخيرة على رأس هذه المحاولات؛ حيث زار ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز الصين ضمن جولة آسيوية، وهو ما اعتبرهُ مراقبون للشأن السعودي محاولة المملكة “البحث الحثيث” عن تحالفات جديدة تحل محل حلفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، أو على الأقل تمثل تحالفًا موازيًا لتحالفها مع الولايات المتحدة.

الخلاف مع الولايات المتحدة

تُعتبر السعودية الحليف العربي الأهم للولايات المتحدة إلا أن بوادر خلاف بدأت تظهر على السطح مع تغير السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه المنطقة، وتمثلت مشاكل السعودية مع الولايات المتحدة في ملفين:

الملف السوري:

رغم اتفاق الرؤية في بداية الأزمة السورية بين السعودية والولايات المتحدة إلا أنَّ انفصالاً في الرؤى بدأ مع إحجام الولايات المتحدة عن الضربة العسكرية التي كانت تتحدث عنها بالاتفاق مع السعودية وبعض القوى الإقليمية الأخرى، ويعتبر مراقبون سقوط نظام الأسد أمنًا إستراتيجيًّا للسعودية.

اتفاق النووي مع طهران:

مع بداية التقارب بين إيران والغرب كانت بداية التقهقر في العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة، فقد اتخذت الولايات المتحدة خطوات تعاونية مع إيران في محاولة منها – حسب محللين – لاتخاذها حليفًا في الشرق الأوسط بدل الحليف التقليدي “السعودية”، وعلى عكس غيرها من الدول العربية كانت السعودية الأقلّ ترحيبًا باتفاق النووي الإيراني.

كانت السعودية أقل الدول العربية ترحيبًا بالاتفاق النووي الإيراني


هل تبحث السعودية عن حليف غير الولايات المتحدة؟

مع تصاعد الخلاف بين المملكة والولايات المتحدة يذهب بعض المحللين إلى أن زيارة السعودية للصين تعتبر محاولة منها للبحث عن حليف إستراتيجي آخر غير الولايات المتحدة، على اعتبار أن سياسات روسيا ليست متطابقة مع السياسة الخارجية السعودية خصوصًا في ما يتعلق بالأزمة السورية وباكستان؛ حيث تعتبر السعودية الحليف الأهم لباكستان، وفي ظلّ الحديث عن شراء السعودية أسلحة من باكستان للمعارضة السورية، يبدو أن السعودية قد قررت خوض معركتها في سوريا وحيدة.

يظل السؤال معلقًا، هل فعلاً تبحث السعودية عن حليف آخر غير الولايات المتحدة؟ خصوصًا أن السعودية تعتبر الحليف الأهم والمستورد الأكبر للسلاح الأمريكي في المنطقة

يذكر أن أزمة دول الخليج مع إيران دفعت السعودية في 2010 لطلب مقاتلات وأنظمة دفاع جوي بقيمة 122 مليار دولار من الولايات المتحدة، لكن المفارقة أن عدد الطيارين في الجيش السعودي يقل عن عدد طائرات الجيش المقاتلة من طراز إف – 15 .

عبدالفتاح السيسي يبحث عن شرعية في روسيا؟

جاءت زيارة وزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي لموسكو في فبراير الماضي لتثير العديد من نقاط الاستفهام والعديد من التحليلات والتكهنات بمستقبل الشرق الأوسط، كانت الزيارة من قبل وزير الدفاع ووزير خارجيته لموسكو وقد أعلنت وسائل إعلام أنَّ الزيارة كانت موفقة للغاية وأن اتفاقات عسكرية وتجارية وُقِّعت بين البلدين.

السيسي في اجتماعه مع الرئيس الروسي بوتين


إلا أنَّ الأداء المرتبك لوزير الخارجية المصري وكذلك استقبال بوتين الفاتر للوفد وضع العديد من علامات الاستفهام الأخرى، فبينما كان واضحًا أن الوفد المصري يهتم بشدة بهذه الزيارة إلا أنَّ الشكل العام للزيارة والاستقبال لم يعطِ حيزًا للحديث عن اهتمام أو ترحيب روسي بالزيارة.

حسب محللين كان لجوء القاهرة لموسكو جاء ردًّا على التطور الحادث في العلاقات المصرية الأمريكية عقب تعليق المساعدات العسكرية والتي كان من بينها قطع غيار مهمة للطائرات التي كانت القوات المسلحة المصرية تستخدمها في حملتها العسكرية لمكافحة الإرهاب في سيناء، وجاء هذا التطور في العلاقات بين البلدين بعد تحرك الجيش التي أطاح بالرئيس السابق محمد مرسي.


وأشارت تحليلات أخرى إلى أن هدف زيارة وزير الدفاع المصري عبدالفتاح السيسي لموسكو هو مجرد إعطاء رسالة للولايات المتحدة بأنها ليست اللاعب الوحيد في المنطقة وأن هناك مجال لتحالفات أخرى قد تنشا بعيدًا عنها.

وحسب تقارير فإن روسيا لا تستطيع أن تجاري سخاء الولايات المتحدة على مصر؛ حيث تعاني روسيا من بعض المشكلات في اقتصادها، كما أنَّ الداعم الأكبر للسلطات المصرية الجديدة في المنطقة – السعودية بالتحديد – لا تفضل أن تنقطع العلاقات بين القاهرة وواشنطن تمامًا.

زيارة الرئيس السابق محمد مرسي للصين وموسكو 2013

بعد توليه الحكم بشهرين كانت زيارته الأولى للصين، واعتبر العديد من المحللين زيارة محمد مرسي للصين اختلافًا جوهريًّا في السياسة الخارجية المصرية؛ حيث قام الرئيس المصري بجولة آسيوية مر خلالها على الهند وعدة دول أخرى، وتوجه الرئيس المصري إلى بكين بصحبة وفد من رجال الأعمال المصريين الذين وصل عددهم إلى 80 رجل أعمال ليقابلوا 200 من نظرائهم الصينيين.

الرئيس المصري السابق محمد مرسي مع الرئيس الصيني جينتاو


وتشير بعض التقارير إلى أن بكين منحت قرضًا ائتمانيًّا للبنك الأهلي المصري بقيمة 200 مليون دولار، ويعتبر القرض الصيني لمصر أحد أهم ثمار لقاءات مرسي مع المسئولين الصينيين.

الرئيس الروسي بوتين مع الرئيس المصري محمد مرسي


وجاءت زيارته لروسيا بعدها بأشهر لتؤكد لدى العديد من المحللين أن السياسة الخارجية المصرية تشهد تغيرًا، بينما ذهب العديد من المحللين إلى أن السياسة الخارجية المصرية لا تشهد تغيرًا وإنما هي مناورة فقط من الرئيس الجديد لإرسال رسالة للولايات المتحدة مفادها أن مصر ربما يكون لديها تحالف جديد مع دول كبرى غيرها.

حسب محللين، تظل الزيارات الرسمية المتكررة من بعض قادة الدول العربية لروسيا والصين محاولة لمناورة الولايات المتحدة الأمريكية والضغط عليها، وعلى صعيدٍ آخر يبدو أن روسيا لن تستطيع أن تكون حليفًا قويًّا في مواجهة الولايات المتحدة أمام الصعوبات الاقتصادية التي تواجه موسكو، كما أنَّ الصين ليست بالقوة العسكرية للولايات المتحدة وليس لها ثقل دولي مثلها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد