بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وصعود الولايات المتحدة الأمريكية بنظام عالميّ أحادي القطب، كانت سياسة أمريكا الخارجية بأن يكون لروسيا صوتٌ وحضور في أهم الاتفاقات الدولية، وهي الاستراتيجية التي أكدَّ عليها هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، ومهندسها، في كتابه «هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية؟»، بأنّ على أمريكا وحلفائها التأكد من إعطاء روسيا ثقلها في النظام العالمي الجديد.

وكانت صفقة القرن أو ما سمي بـ«صفقة ترامب للسلام» إشارة واضحة لتخلي دونالد ترامب عن هذه السياسية، ولم يعطِ ترامب ولا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أي اعتبارٍ لأيّ لاعب دولي آخر في الصفقة الأخيرة. فقد جاءت الصفقة بمعزلٍ عن حضور أهم لاعب حاليّ في الشرق الأوسط، وهي روسيا، لكن هذا سيفتح أفقًا لمساحة مهمة جديدة بين روسيا وحماس.

وفي يوم الثاني من مارس (آذار) 2020، تصل بعثة من حركة المقاومة الإسلامية «حماس» مكونة من رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، وصالح العاروري، وموسى أبو مرزوق إلى موسكو لنقاش آخر المستجدات التي طرأت على الساحة الفلسطينية وتبعات صفقة القرن، وكيف يمكن لموسكو أنّ تصبح فاعلًا رئيسيًا في الملف الفلسطيني وسط الفراغ الذي أحدثته الصفقة بالنسبة للفلسطينيين.

وتأتي الزيارة وسط تساؤل عن دور روسيا ومستقبلها في الملف الفلسطيني، ومحاولاتها المستمرة منذ عقد لبناء علاقات مع السلطة الفلسطينية، وحركات المقاومة الفلسطينية، على رأسها حركة حماس، والتي إلى اليوم لا تصنفها موسكو «حركة إرهابية». يُحاول التقرير تركيب الصورة الكبيرة للعلاقة التاريخية والحالية لروسيا مع فلسطين، والإجابة عن ما يمكن لحماس وروسيا الاستفادة منه من هذه العلاقة.

من لينين إلى ستالين.. تاريخ الاتحاد السوفيتي مع القضية الفلسطينية

بعد قيام الاتحاد السوفيتي عام 1922؛ ظهر ميل فلاديمير لينين لدعم الفلسطينيين في مقابل «المشروع الصهيوني» الذي وصفه بأنّ يُمثل مشروع طبقة «البرجوازية اليهودية». الدعم الذي كان متسقًا مع حلم لينين في تصدير الثورة الشيوعية في مختلف أنحاء العالم، وكان الدعم يُقدم للمكونات الفلسطينية المختلفة، وسط محاولات أخرى لتشكيلِ جبهة فلسطينية موالية للاتحاد السوفيتي، ليتم تشكيل الحزب الشيوعي في فلسطين عام 1922، أيام الاستعمار البريطاني في فلسطين، والذي قام الحزب بمعارضة ومقاومة ما أسماه بالمشروع «الإمبريالي» البريطاني.

شهد الاتحاد السوفيتي في بداياته توترات داخلية كثيرة، مما لم يسمح له بالتركيز على تمكين وتقوية الجبهات الخارجية، وخاصةً في عهد جوزيف ستالين، وبالتالي لم يستطع الحزب الشيوعي في فلسطين تشكيل قوة سياسية حقيقية، وظل متخذًا منهج التبعية الكاملة للاتحاد السوفيتي، فبعد أن رفض الحزب خطة التقسيم للأمم المتحدة عام 1947، اعترف بها بعد أن صوَّت الاتحاد السوفيتي لصالح الخطة، وكان الاتحاد السوفيتي من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل عام 1948.

ومن بعد الاعتراف، في البداية تبنى ستالين سياسة خارجية تصب في مصلحة المشروع الصهيوني الذي حلم ستالين بضمه إلى صفه وإلى المعسكر الشيوعي، فقد لعبت الشيوعية في إسرائيل دورًا مهمًّا في نشأة الدولة، وخاصة في حرب 1948، وكان أول رئيس وزراء إسرائيلي، ديفيد بن جوريون من أبرز الشخصيات الصهيونية الشيوعية.

سنوات قليلة حتى بدأ يتضح للروس الانحياز الإسرائيلي التام للقوى الغربية، وخاصةً للولايات المتحدة الأمريكية. مما جعل الاتحاد السوفيتي يعيد تقييم موقفه من إسرائيل، وإعادة تقديم الدعم إلى العرب، ودعم كبير إلى منظمة التحرير الفلسطينية على صعيدين؛ الأول المقاومة، من خلال مد المنظمة بالسلاح، والثاني الصعيد الدولي، من خلال التصويت على قراراتٍ دولية منددة بإسرائيل، كقرار جمعية الأمم المتحدة 3379، والذي يساوي الصهيونية بالعنصرية.

العهد الجديد والقضية الفلسطينية.. انهيار الاتحاد السوفيتي

في أثناء الحرب الباردة، بدأ الاتحاد السوفيتي الانسحاب تدريجيًا من الشرق الأوسط، وتقليل دعمه للجماعات المسلحة إلى انهياره عام 1991، وشهدت نهاية فترة الاتحاد السوفيتي إعادة العلاقات مع إسرائيل، متبنيةً بذلك سياسة الوسيط بين الأطراف المتنازعة. ومن هُنا قامت بحثِّ ياسر عرفات على المضي في محادثات السلام.

البداية كانت حين حضر ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس دولة في الاتحاد السوفيتي، مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، مؤكدًا على حق إسرائيل في الوجود، وتبع ذلك حضور أول رئيس خارجية لروسيا الاتحادية أندريه كوزيريف اتفاقية أوسلو في واشنطن عام 1993، وكانت في فترة يحاول فيها كوزيريف الحفاظ على دعم اللوبي الإسرائيلي له.

والأهم من ذلك كله، تلقت روسيا دعوةً من الرئيس جورج بوش الابن للمشاركة في اللجنة الرباعية الدولية، والتي هي لجنة مكونة من الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة. لتطلق ما أسمته بخريطة الطريق إلى السلام، والتي تهدف إلى قيام دولة فلسطينية بجانب إسرائيل في نهاية 2005. وكان ممثل روسيا آنذاك هو رئيس الخارجية الحالي سيرجي لافروف.

اجتماع اللجنة الرباعية الدولية – مصدر الصورة

واستمرت علاقة منظمة التحرير بروسيا بعد وفاة ياسر عرفات، فقد قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتوطيد وتعزيز علاقته مع موسكو، الذي نال من عندها سابقًا درجة الدكتوراه من الجامعة الروسية لصداقة الشعوب «باتريس لومومبا»، وفي الوقت نفسه بدأت علاقة روسيا بحركة حماس، بعد صعودها للسلطة عام 2006، إذ انطلقت محادثات في الثالث من مارس 2006، بين الطرفين بلقاء رئيس الحركة خالد مشعل ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف للتباحث حول مستقبل محادثات السلام مع إسرائيل. وقدمت روسيا مساعدات غذائية وطبية لقطاع غزة، خلال الغزو الإسرائيلي على غزة عام 2008.

صفقة القرن.. مفتاح روسيا الجديد في فلسطين

«الغرقان بتعلق في قشة»، هذا ما وصف به مواطن فلسطيني زيارة الرئيس محمود عباس إلى موسكو، في يوليو (تموز) 2018. فبعد شهرين من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتوترات في العلاقة بين السلطة الفلسطينية وإدارة الرئيس دونالد ترامب. خلقَت هذه الأحداث فراغًا سياسيًا في المشهد الفلسطيني، استغلته موسكو لتصبح جزءًا من الصراع الأهم والأكبر في الشرق الأوسط.

وفي يونيو (حزيران) 2018، وصل وفدٌ من حركة حماس إلى موسكو، لبحث قضية المصالحة الفلسطينية، وإنهاء الانقسام الحاد الذي تعيشه مكونات الداخل الفلسطيني. تبعت هذه الزيارة بشهر زيارتين للسلطة الفلسطينية؛ الأولى في 12 يوليو من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والثانية يوم 27 يوليو لرئيس جهاز المخابرات، ماجد فرج إلى موسكو لبحث تعزيز التنسيق بين الطرفين، وزيارتان من «الجبهة الشعبية»، وحركة «الجهاد الإسلامي».

ومن خلال هذه الزيارات، تهدف روسيا إلى تبني سياسة الحوار مع الأطراف الفلسطينية المختلفة. وكلُّ ما تحاول روسيا فعله في هذا السياق تقليل الهيمنة الأمريكية في المنطقة، من خلال التواصل مع الأطراف المختلفة، بما فيها حركتي فتح وحماس.

في البداية اتخذت موسكو موقف المعارض الناعم من صفقة القرن. فقط صرح نائب وزير الخارجية الورسي، ميخائيل بوجدانوف بأنّ خطة ترامب للسلام من غير المرجح أنّ تخلق استقرارًا في منطقة الشرق الأوسط. الصفقة التي وضعت اتفاق أوسلو على حافة الطريق، وقدمت للفلسطينيين دولة «كالجبنة السويسرية» على حدِّ تعبير الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وقد ذكر وزير الخارجية الروسي، لافروف لاحقًا في لقاءٍ له مع وكالة الأنباء الكويتية بأنّ ترامب تخلى عن مؤتمر اللجنة الرباعية، وأنّ روسيا لا تزال مؤمنة بمبادئه.

روسيا وحماس.. ما الذي تريده الحركة من موسكو؟

ومن بعد الزيارة الأخيرة لحركة حماس؛ صرّح لافروف، بأنّ روسيا ترفض صفقة «السلام»، وأنّه لا يظنّ بأنّها ستجلب السلام والأمن في الشرق الأوسط، كما أكدَّ أهمية الوحدة الفلسطينية، وأنّ روسيا على أتم الاستعداد لمساعدة الفلسطينيين على الوحدة ومواجهة صفقة القرن.

وجاءت بعد ذلك تصريحات لهنية تشكر وتثني على جهود موسكو في دعم الفلسطينيين في مختلف المنصات الإقليمية والدولية، ومثنيًا على موقفها من صفقة القرن. ولكنّ السؤال الحقيقي ما الذي يمكن أنّ تستفيده حماس من روسيا؟

توجد عدة ملفات يمكن لحماس الاستفادة منها من موسكو داخليًا وخارجيًا، فداخليًا لدى موسكو علاقات جيدة مع السلطة الفلسطينية، ومعظم الفصائل الفلسطينية، وبالتالي يمكنها أن تصبح مظلة لملف المصالحة، والتي من خلالها تستطيع موسكو بالإضافة إلى التوغل في الشأن الفلسطيني وكسب أرض جديدة تكون فيها مركز قوة في الشرق الأوسط، إعادة تسويق نفسها في العالم العربي، خاصةً بعد الصورة السلبية لروسيا في الملف السوري عند قطاع من الشعوب العربية.

زيارة موسى أبو مرزوق لموسكو في 16 يناير (كانون الثاني) 2017  

بالإضافة إلى أنّ تواصل حماس مع قوة دولية مثل روسيا، قد يكون حلًا لإشكالية الشرعية الدولية للحركة، وإن لم يكن الآن، فممكن على المدى البعيد. فكما سبق الذكر بأنّ موسكو لا تصنف حماس «حركة إرهابية».

ويذكر المحلل في الشأن الإسرائيلي والفلسطيني في مجموعة الأزمات العالمية طارق باقوني، ومؤلف كتاب «Hamas Contained» لـ«ساسة بوست»: «استفادت حماس من دعم روسيا باعتبارها قوة عالمية أساسية، فروسيا يمكنها موازنة الهيمنة الأمريكية في المنطقة، ووجود روسيا وسيطًا دبلوماسيًّا دوليًّا في المنطقة قد يكون الاستفادة الحقيقية لحماس»، ويضيف باقوني: «يمكن لروسيا موازنة الموقف الأمريكي من خلال مراجعة شروط اللجنة الرباعية مع الاتحاد الأوروبي، وإعادة النظر فيها وتقييم نقاط الضعف والفشل منها».

وفي سياق إذا ما كانت حماس ستتأثر بعد مقتل قاسم سليماني، صرح باقوني لـ«ساسة بوست»: «لا أعتقد بأنّ العلاقة ستتأثر، ولكن لا يمكن لأحد التوقع كيف ستكون العلاقة، وأعتقد أنّ الدعم الإيراني لحماس يتجاوز الأشخاص، فهو جزءٌ من دعم النظام لمشاريع المقاومة الفلسطينية، وغالبًا فالدعم مستمر مع احتمال وجود ضغوطات بسبب عوامل أخرى، كالتي شهدناها في سوريا عام 2012».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد