يجلس لاجئ سوري في الثلاثين من عمره شارد الذهن أمام خيمة أقيمت على أرض بلدة المحمرة بقضاء عكار في لبنان، ثم ينظر إلى أبنائه الذين يلهون حوله وإلى وعاء بلاستيكي تركته زوجته في الخارج لضيق مساحة الخيمة.

كيف سيعود الرجل إلى بيته بعد أن فقد الكثير خلال سبع سنوات من عمر الثورة السورية، وكيف سيبدأ من جديد تحت حكم النظام السوري؟ تحاول روسيا و«حزب الله» اللبناني حلفاء النظام أن يبسطا الأمر كما سنرى في السطور التالية.

مباركة أمريكية وجهد روسي لإعادة اللاجئين السوريين

في العشرين من يوليو (تموز) 2018 أعلنت موسكو أنها أرسلت مقترحًا لواشنطن خاصًا بتنظيم مشترك لعودة اللاجئين لسوريا، وجاءت هذه الخطوة الروسية – التي ستنطوي حتمًا على إعادة هؤلاء إلى مدنهم وقراهم الواقعة تحت حكم النظام السوري – بعد اتفاقات توصل إليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الأمريكي دونالد ترمب.

فقد قال المسؤول بالوزارة الدفاع الروسية، ميخائيل ميزينتسيف أن «عودة اللاجئين والنازحين إلى أماكن إقامة دائمة أو مؤقتة أصبح هدفًا مهمًا لتوفير حياة هادئة، واستعادة الدولة ككل في أقرب وقت ممكن»، مضيفًا: «ساعدت اتفاقات توصل إليها رئيسا روسيا والولايات المتحدة خلال القمة في هلسنكي على تحقيق تقدم فعال في هذا الاتجاه».

وترتكز خطة العودة المقترحة على إعادة اللاجئين إلى الأماكن التي كانوا يعيشون فيها قبل الحرب، وتستهدف بداية السوريين الذين لجوا إلى الأردن ولبنان، حيث سيتم تشكيل مجموعة عمل مشتركة روسية – أمريكية – أردنية برعاية مركز عمان للمراقبة، وأخرى مماثلة في لبنان، وقد كانت حكومة لبنان أول من أعلنت تأييد المقترح الروسي بإعادة اللاجئين. وقالت الحكومة اللبنانية إنها تأمل أن تؤسس هذه الخطوة لمعالجة أزمة النازحين السوريين في لبنان، و«تضع حدًا لمعاناتهم الإنسانية، وارتداداتها الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة على البلدان المضيفة، وفي مقدّمتها لبنان» كما قال مستشار الرئيس اللبناني للشؤون الروسية، جورج شعبان.

فقد بلغ عدد اللاجئين السوريين في لبنان 997 ألف لاجئ، حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، يضاف إليهم لاجئون غير مسجلين لدى المفوضية، فيما تشير الحكومة اللبنانية إلى أن العدد وصل 1.5 مليون لاجئ، كما يتوقع أن تنتهج الأردن نفس المنوال؛ فقد أخذت عمان تطالب بإعادة اللاجئين السوريين من أراضيها إلى الجنوب السوري بعد ساعات من التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، ويعيش في الأردن نحو 650 ألف لاجئ سوري مسجلين لدى الأمم المتحدة، فيما تتحدث الحكومة الأردنية عن وجود مليون لاجئ.

ولم تكن تلك الخطوة الأولى التي تقوم بها روسيا في هذا الملف؛ ففي الثامن عشر من الشهر الجاري أعلنت موسكو عن إنشاء مركز خاص في سوريا لاستقبال وتوزيع وإيواء النازحين واللاجئين السوريين، وقالت إن من مهام المركز مراقبة عملية إعادة السوريين من الدول الأجنبية إلى مواقع إقامتهم الدائمة، وحل القضايا الأخرى المتعلقة بمساعدة عودة اللاجئين وضمان تلبية احتياجاتهم الأساسية.

ويضم المقر مسؤولين من وزارتي الدفاع والخارجية الروسيتين، ويدير عمله «المركز الوطني لإدارة شؤون الدفاع الروسي»، وله فروع على الحدود السورية مع الأردن ولبنان، كما أنه – وضمن سعيها لوضع يدها على ملف اللاجئين بعد هيمنتها العسكرية والسياسية في سوريا – تقدمت وزارة الخارجية الروسية بطلب إلى سفارات 45 دولة للحصول على أرقام دقيقة عن اللاجئين السوريين في كل دولة، وذكر مندوب وزارة الخارجية الروسية، أندريه بانوف، أن «البيانات الأولية عن اللاجئين السوريين تشير إلى تطابق الأرقام مع إحصاءات مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، بالإضافة إلى تطابقها مع بيانات الاتحاد الأوروبي بشأن السوريين على أراضيه».

الرئيسان اللبناني والروسي ( المصدر: عربي 21)

وفيما ترى روسيا أن المساعدة في إعادة ملايين اللاجئين السوريين يعني فتح صفحة جديدة تساهم في إيجاد تسوية سريعة على أساس جماعي، يظهر قبول واضح من قبل واشنطن بتسليم ملف عودة اللاجئين إلى روسيا؛ وذلك بعد أن تخلت واشنطن عن شرطها السابق بإزاحة الأسد، فإحدى أعمال قمة هلسنكي التي جرت في 16 يوليو 2018، بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب كانت بحث كيفية إعادة السوريين، ويعقب على ذلك وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو بالقول: «كانت هناك مناقشة بين الرئيس ترامب والرئيس بوتين بشأن الحل في سوريا، وكيف يمكننا أن نعيد اللاجئين.. من المهم للعالم أن يتمكن هؤلاء اللاجئون من العودة لبلادهم في الوقت الصحيح، وبآلية طوعية».

 

ليست ثورة «داعشية».. مي سكاف التي فضلت أهوال الثورة على حياة الترف

نجاح روسيا بإعادة اللاجئين ليس مضمونًا

روسيا مع حزب الله – المعني جدًا بعودة اللاجئين – يريدون القول إن الأوضاع في سوريا قد وصلت إلى خواتيمها السعيدة، وبأن أوضاع النظام مستقرة تمامًا وهو جاهز لعودة الناس إلى مناطقهم مما يعني مؤشرًا كبيرًا على أن مهمة الحزب في سوريا قد أنجزت بشكل كامل* الكاتب اللبناني الشيعي عماد قمحية.

يرى محللون أن سعي روسيا الحثيث لإعادة اللاجئين نابع من حرصها على تثبيت النظام السوري بعد إعلانها «النصر» في سوريا، وأملها في تحقيق حل سياسي يرضى المجتمع الدولي، وكذلك إظهار الثورة السورية كحالة تمرد ترتب عليها أمور باطلة.

لكن هذا القرار الذي قد ينجح في إعادة مجموع من اللاجئين طوعًا سيصطدم بما يدركه جل اللاجئين من أن النظام هو الذي ارتكب في حقهم العديد من الجرائم، فالحاجز النفسي العميق الذي أحدثه النظام بفعل جرائمه ليس من السهل غفرانه، كما أن السوريين لا يثقون بالحليف الأساسي كضامن للنظام، فالروس شركاء النظام الذي أذاقهم الويلات بأسلحته، ودليل ذلك – برأي هؤلاء – أن روسيا، التي ضمت العديد من اتفاقيات وقف إطلاق النار واتفاقيات خفض التصعيد، خرقت هذه الاتفاقيات سواء في درعا أو الغوطة، ونزفت حينها الدماء السورية بأسلحة روسية.

فيما تشكل عودة العديد خطرًا كبيرًا عليهم، خاصة وأن من بينهم مطلوبين للنظام، كما أن إصدار النظام للقانون رقم 10 الذي يسمح له مصادرة منازل اللاجئين في حال لم يثبتوا ملكيتهم لها خلال فترة زمنية محددة، سيمنع أعدادًا كبيرة منهم من العودة لصعوبة إثبات الملكية.

يقول المحلل السياسي عمار القحف: «لا يوجد ثقة بأن الأوضاع ستكون آمنة بعد عودة اللاجئين؛ فالأطروحات الروسية في هذا الاتجاه غير واقعية، ولا تلامس حقيقة المشكلة العميقة الموجودة»، ويبين خلال حديثه لـ«عربي 21» أن «روسيا لا تستطيع أن تقدم ضمانات حقيقة في موضوع عودة اللاجئين، وتنفيذ هذا المقترح صعب، وهناك خوف دائم لدى اللاجئين من تعرضهم للبطش والاعتداء والملاحقة، إضافة إلى أن البنية التحتية غير جاهزة لاستقبال اللاجئين؛ فالدمار ينتشر في كل مكان».

وتابع القحف القول: «لا يوجد حل سياسي حقيقي، وأي طرح في غياب حلول كاملة هي حلول ترقيعيه وتسكين لأزمة ستنفجر لاحقًا، والضمانات الحقيقية لعودة اللاجئين لا تتم إلا في إطار ما أقره قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، والذي ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالي، ودون ذلك لا يوجد عودة حقيقة للاجئين».

لاجئون سوريون

وكانت صحيفة «دي فيلت» الألمانية قد تساءلت: «ما هي قيمة السلام بعد أن فاز ديكتاتورٌ هاجم شعبه بالحرب؟» وتجيب الصحيفة: «إن البلد مليء بنقاط التفتيش، وهناك هجمات وقتل واحتجاز للرهائن. وتعرف السلطات الأمنية السورية بالتعسف والوحشية. وقد اعتقل النظام مئات الآلاف منذ عام 2011».

فإذا ما استشهدنا  على ذلك بمصير السوريين الذين تمت إعادتهم مؤخرًا من لبنان إلى سوريا، فسيتضح أن العائدين لم يكن بإمكانهم الحصول على منازل للعيش فيها عند عودتهم؛ بسبب الدمار، وبسبب القانون رقم 10 الذي أصدره النظام كما أسلفنا.

يقول الباحث الحقوقي اللبناني بسام خواجة: «لم نصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها القول إننا أمام عودة واسعة ومنظمة؛ وذلك ببساطة لأن الظروف غير مواتية» ويتابع القول لموقع «الديلي بيست»: «هناك عنف متواصل، حيث قامت المنظمة (التي يعمل بها) بتوثيق أدلة لعمليات تعذيب جماعي يقوم بها النظام السوري ضد المدنيين السوريين في برامج الاحتجاز الجماعي. كما رأينا قوائم مسربة لأعداد كبيرة من الأشخاص المطلوبين للنظام، ومن الصعب جدًا في هذه الحالة تقديم حجة مفادها أن سوريا آمنة فعليًا أمام الناس الراغبين في العودة».

ينهب ويغتال المعارضين.. من الذي مهد طريق «داعش» إلى إدلب؟ 

لماذا تبنى حزب الله ملف إعادة اللاجئين؟

سنعمل مع الدولة السورية لمساعدة اللاجئين الراغبين في العودة، ونحن نقدم هذه المساعدة الإنسانية الوطنية التي تخدم الشعبين اللبناني والسوري *  زعيم حزب الله حسن نصر الله يعلن عن تشكيل «لجان شعبية» مهمتها تسهيل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

الرجل الذي أطل بدون مناسبة أكد أنه لن يستجيب لأي ضغوط في هذا الإطار بعدما ثبت له أن القائمين على هذا الملف غير جادين في معالجته، وهي خطوة اعتبرت بمثابة تولي الحزب لهذا الملف الاستراتيجي، وقد تمكن الحزب بالفعل من الإمساك بخيوط المبادرة حين وقف وراء أول عملية لإعادة لاجئين من بلدة عرسال إلى سوريا، وهو يعمل الآن على استنساخ التجربة بإعادة آلاف اللاجئين.

ويقرأ المراقبون في خطوات الحزب التي تأتي بعد مرور فترة على الانتخابات النيابية التي فاز فيها الحزب بعد أن قدم الكثير من الوعود، بأنها تأتي كإثبات من نصر الله للبنانيين أن هذه الوعود لن تذهب أدراج الرياح؛ فإعادة اللاجئين السوريين هي المشروع الأهم للبنانيين الذين يرون في الوجود السوري – خاصة في مناطق نفوذ الحزب – أعباء اقتصادية واجتماعية وديمغرافية كبيرة، فعلي سبيل المثال أصبح المشروع الإنمائي الأول لمنطقة بعلبك الهرمل (منطقة نفوذ للحزب) هو «إزاحة السوريين» من مناطقهم.

يقول الصحافي اللبناني منير الربيع: « الانتقال بهذا الملف من مرحلة تنسيق بسيطة مع النظام إلى مرحلة أوسع في ظل ما يحققه النظام السوري وحلفاؤه على الأرض. لذلك يراد للعمل على ملف اللاجئين وإعادتهم أن يكون رافدًا لاستعادة النظام بعض شرعيته، رغم أن النظام حتى اللحظة لم يفقه معنى هذه الخطوة وأهميتها».

ويضيف الربيع في موقع «المدن» اللبناني: «الأهداف التي يسعى الحزب إلى تحقيقها من ذلك لا تتعلق بإعادة حرارة الخطوط السياسية بين لبنان وسوريا وتعبيد طرقات الزيارات الرسمية فحسب، بل تتعدى ذلك، وتتعلق بنظرة استراتيجية تنسجم مع الوقائع على الأرض، وتستفيد من الظروف والتحولات الدولية. يعمل حزب الله وإيران على تقديم نفسيهما كمخّلص للشعب السوري بعد تأمين خلاص النظام، خصوصًا بعد ما يحصل في درعا، ووسط الحديث عن صفقة القرن وعمليات الترانسفير التي ستحصل بموجب هذه الصفقة».

لاجئون سوريون في أوروبا

هناك أيضًا حسابات سياسية خارجية للحزب أولًا مع إسرائيل؛ فاحتمال توجيه ضربة عسكرية له يدفعه نحو تعجيل إخراج اللاجئين السوريين خوفًا من انفلات الوضع في حال حصول أي ضربة إسرائيلية، وكذلك فالحزب لديه تخوف من تبعيات الضغط الدولي الذي ترعاه واشنطن ضده؛ إذ سيطرح ملف سلاحه على طاولة مجلس الأمن أواخر يوليو الحالي، في إطار مناقشة القرار 1559، وهو أمر سيتزامن مع ضغوط سياسية ودبلوماسية ربما ستكون مقرونة مع تنامي الحراك السياسي في لبنان من قبل بعض الأطراف.

«ذي أتلانتك»: لهذه الأسباب ستظل إسرائيل تخشى الوجود الإيراني في سوريا

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!