في أوّل زيارةٍ رسميةٍ خارجية، بعد إعلان الرئيس الجزائري المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة إسقاط العهدة الخامسة وتأجيل الانتخابات الرئاسية في 11 مارس (آذار) الجاري؛ حطت صباح أول أمس الثلاثاء طائرة نائب الوزير الأوّل الجزائري رمطان لعمارة بالعاصمة الروسية موسكو بناءً على دعوةٍ من الكرملين، لمناقشة الأوضاع في الجزائر بعد تأجيل الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة يوم 18 أبريل (نيسان) المقبل، وأمام التجاذبات التي تشهدها الساحة السياسية في الجزائر والتي لم تهدأ طيلة شهرٍ من المظاهرات ضدّ نظام بوتفليقة، تأتي الزيارة لتطرح عدّة أسئلة عن الدور الروسي في الخريطة السياسية الجديدة بعد حكم بوتفليقة.

في هذا التقرير نسلط الضوء على الجهود الروسية في الحفاظ على نفوذها في الجزائر بعد بوتفليقة.

بوتفليقة.. صديق موسكو الحميم الذي أعاد لها نفوذها بالجزائر

كانت العلاقات السوفيتية الجزائرية وثيقة خلال فترات سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، عندما كانت موسكو المورد الرئيسي للأسلحة إلى الجزائر، إذ تقدّر الإحصائيات أن موسكو قدمت ما مبلغه 11 مليار دولار من المعدات العسكرية للجزائر بين عامي 1962 و 1989، أي ما يعادل 70-80% من مخزون الجزائر من الأسلحة؛ تم دفع مبالغ تلك الأسلحة في شكل قروض قدمها الاتحاد السوفيتي إلى الجزائر، لكن خلال التسعينيات ومع دخول الجزائر في أزمة سياسية نتج عنها دخول البلاد في حربٍ أهليةٍ طيلة 10 سنواتٍ خلّفت سقوط 200 ألف قتيل، توقف التعاون الروسي الجزائري، وابتعدت الجزائر تدريجيًا عن المحور الروسي خاصةً مع انضمام الجزائر إلى الحوار المتوسطي لحلف الشمال الأطلسي إلى جانب كلٍ من مصر وإسرائيل والأردن والمغرب وتونس وموريتانيا الذين يُعتبرون دولًا حليفةً للمحور الأمريكي.

في أغسطس (آب) من عام 1999؛ أصبح فلاديمير بوتين رئيسًا لروسيا بعد بضعة أشهر فقط من تولي عبد العزيز بوتفليقة حكم الجزائر في أبريل (نيسان) 1999. وسرعان ما قام الزعيمان الجديدان بمحاولة أولية لإحياء العلاقات الثنائية بين الجزائر وروسيا. من خلال زيارة وزير الخارجية الروسي إيجور إيفانوف إلى الجزائر عام 2000، كما زار بوتفليقة موسكو في عام 2001 وهي الزيارة التي وقع فيها كل من بوتين وبوتفليقة إعلان شراكة استراتيجية بين روسيا والجزائر، وهي أول وثيقة من هذا النوع توقعها موسكو مع دولة عربية، في خطوةٍ قرأها المتابعون على أنّها محاولةٌ من موسكو إعادة الجزائر لصفها بعد أن أصبحت الجزائر عضوًا في الحوار المتوسطي لحلف الناتو، وعلى جانب آخر؛ لم تخل زيارة بوتفليقة تلك من الحديث عن استئناف مبيعات الأسلحة الروسية، والمشاركة الروسية في تحديث مختلف الصناعات الجزائرية، بما في ذلك قطاعات الوقود والطاقة، اختتمت الزيارة بدعوة بوتفليقة بوتين لزيارة الجزائر، ووعد بوتين بأنه سيفعل ذلك.

على الرغم من الصدى الذي خلفته زيارة بوتفليقة تلك إلى روسيا؛ إلّا أن السنوات الثلاث اللاحقة، كما قال السفير الروسي في الجزائر: «فشلت في تحقيق النتائج المتوقعة على الرغم من أن شركتين روسيتين هما «سترويترانسغاز» و «زاروبيزفودستروي»، كانتا تعملان في الجزائر خلال هذه الفترة».

بدايةً من عام 2005، أخذت العلاقات بين روسيا والجزائر في التحسن أكثر؛ من خلال الزيارات رفيعة المستوى التي شهدتها الفترة، مثل زيارة أمين مجلس الأمن إيجور إيفانوف الجزائر في مارس (آذار) 2005 وفبراير (شباط) 2006، بينما زار وزير الخارجية سيرجي لافروف الجزائر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2005. كما زار مسؤولون جزائريون موسكو. وعقد بوتين وبوتفليقة عدة اجتماعات ثنائية أثناء حضورهم الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي 9 مارس 2006، حطت طائرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيرًا بالجزائر كأول زعيم روسي رفيع المستوى يزور الجزائر منذ الرئيس السوفيتي نيكولاي بودغورني في عام 1969؛ وفي تلك الزيارة التاريخية وافقت موسكو على شطب ديون الجزائر والتي حددت بمبلغ 4.7 مليار دولار مقابل موافقة الجزائر على إبرام صفقات أسلحة مع روسيا «بمبلغ يساوي على الأقل مبلغ الديون المشطوبة» بالإضافة إلى ذلك، وافقت الجزائر على شراء 7.5 مليار دولار من المعدات والخدمات العسكرية من روسيا، وهي الصفقة التي تحدّث عنها روسيسكايا جازيتا يالقول «هذا هو أكبر عقد منفرد في مجال التعاون التقني العسكري في تاريخ ما بعد الاتحاد السوفيتي».

بالإضافة إلى 7.5 مليار دولار في عقود الأسلحة، سرّبت قناة «NTV Mir» الروسية صفقةً أخرى تمّ توقيعها في تلك الفترة بين الجزائر وروسيا بقيمة 5 مليار دولار ويتعلّق الأمر بصفقة إنجاز شبكة السكك الحديدية بالجزائر، كما وقّع عملاق الغاز الروسي «غازبروم» مذكرة تفاهم مع العملاق الجزائري «سوناطراك»، والتي بدورها وقعت اتفاقًا للتعاون في مجال النفط مع شركة «لوك أويل» الروسية من أجل التحكم في سوق الغاز بأوروبا بحكم أنّ الجزائر وروسيا أكبر الموردين للغاز للقارة الأوروبية.

تطورت العلاقة الاقتصادية بين روسيا والجزائر سنة 2006، إلى حدّ إبداء أوروبا مخاوفها من هذه العلاقة، بعد ظهور تسريباتٍ تفيد بعزم الجزائر وروسيا تهديد أوروبا برفع أسعار الغاز، وهو ما ظهر في تحذيرات المستشار الاقتصادي السابق لبوتين؛ أندريه إيلاريونوف في مقالٍ نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، إذ حذّر من «شكل جديد من كارتل الغاز.. يتم تطويره من قبل روسيا والجزائر». كما كان لوزير الطاقة الجزائري وقتها شكيب خليل تصريحٌ حول الأزمة الروسية الأوكرانية سنة 2006 بالقول إنّ تلك الأزمة مضرّة بمصالح الجزائر.

وفي سنة 2008؛ وقبل نهاية عهدته الرئاسية الثانية، حطت طائرة بوتفليقة في موسكو في فبراير (شباط) لمناقشة القضايا المتعلقة بالتعاون التجاري والاقتصادي، كما أراد بوتفليقة التأكد من استمرار العلاقة بين البلدين في هذا المستوى في عهد ما بعد بوتين.

عدّل بوتفليقة بعد الزيارة الدستور الجزائري ليتمكن من مواصلة حكمه لعهدةٍ رئاسيةٍ ثالثة، بينما سلّم بوتين مهام الحكم لخلفه ديمتري ميدفيديف، لتحافظ العلاقات بين البلدين على مستوى تطورها في عهد ميدفيديف؛ الذي أكمل على نهج بوتين في تعامله مع الجزائر من خلال توطيد العلاقة أكثر، كان ذلك من خلال زيارة مدفيديف للجزائر في أكتوبر (تشرين الأول) 2010 والتي وقع من خلالها الرئيسان بوتفليقة ومدفيدف على عدّة اتفاقياتٍ كان أبرزها شراء شركة الاتصالات الروسية لأسهم الشركة المصرية «أوراسكوم تليكوم» التي كانت تتحكم في سوق الاتصالات بالجزائر.

بعودة بوتين من جديد إلى حكم روسيا في مايو (أيار) 2012، كان بوتفليقة يلقي آخر خطابٍ له أمام الشعب الجزائري ليدخل بعدها في أزمةٍ صحيةٍ أفقدته القدرة على المشي، غير أنّ العلاقات الروسية الجزائرية لم يمسسها المرض، إذ استمرت رغم عجز الرئيس الجزائري الذي ترشّح لعهدةٍ رئاسيةٍ رابعة، سنة 2014، وهي العهدة التي شهدت حصول الجزائر على منظومة الصواريخ الروسية (إس 400)، بناءً على صفقةٍ أسلحةٍ ضخمة وقعت بين البلدين سنة 2015.

ومع دخول سوريا واليمن وليبيا في نزاعاتٍ مسلحةٍ بعد الربيع العربي، تطورت العلاقات السياسية بين الجزائر وروسيا؛ بعد أن دعمت الجزائر الجهود الروسية في سوريا واليمن، من خلال إعلان الجزائر لمواقفه الداعمة لنظام الأسد.

الجزائر.. ورقة موسكو الرابحة في شمال أفريقيا

الشأن في الجزائر داخلي.. فلماذا ذهب لعمامرة إلى موسكو؟

مع دخول الحراك الشعبي أسبوعه الرابع؛ يسعى النظام في الجزائر إلى مسابقة الزمن لإيجاد حلولٍ للأزمة التي تشهدها البلاد، وفي سبيل ذلك، اتجهت السلطة في الجزائر إلى اللعب على أوتار الخارج بعد قرارات بوتفليقة الأخيرة والتي شهدت رفضًا وسط الشارع المنتفض، ومن بين الجهات التي تعتمد عليها السلطات الجزائرية لدعم خياراتها في الفترة المقبلة؛ كان خيار موسكو الأول لبوتفليقة، بالإعلان عن زيارة نائب الوزير الأوّل رمطان لعمامرة إلى موسكو هذا الثلاثاء.

وتختلف التوقعات عن السبب الرئيسي في الزيارة، ففي الوقت الذي أعلنت فيه الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن لعمامرة سيقوم بإجراء محادثات مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، يأمل الروس من خلال هذه الزيارة الحصول على معلومات من مصدر مباشر حول الوضع الجزائري بعد إلغاء الانتخابات، كما سيحاول رئيس الدبلوماسية الجزائرية رمطان لعمامرة شرح مقاربة شاملة تبنتها الدولة الجزائرية في التغيير الديمقراطي الذي يطالب به الشعب الجزائري للإدارة الروسية.

ويرى البعض في الجزائر أنّ مهمة لعمامرة الجديدة في زيارته إلى موسكو هي التسويق لخطة بوتفليقة للانتقال الديمقراطي التي تضمنتها رسالة إلغائه للانتخابات الصادرة في 11 مارس (آذار) الجاري؛ ومحاولة إقناع الروس بها، وهو الرأي الذي ذهب إليه الدبلوماسي السابق والمعارض الجزائري محمد العربي زيتوت الذي أكّد أنّ مهمة نائب الوزير الأول الجزائري في سفريته إلى موسكو لا تعدو أن تكون مهمة مسوقٍ لخطط النظام المستقبلية وأضاف زيتوت: «إن زيارة لعمامرة أيضًا تأتي لجلب دعم موسكو في حالة لجوء النظام لخطة القمع للمسيرات السلمية؛ مثلما فعل بشار الأسد».

من جهته يرى الدكتور إسماعيل معراف، أن «السلطة الجزائرية تريد الخروج من الأزمة بأيّ طريقة، وهذه آخر ورقة تلعبها. في إشارةٍ منه إلى زيارة لعمامرة لموسكو وأضاف معراف أن الهدف من الزيارة هو إقناع الحليف الروسي بضرورة مباركة ورقة الطريق التي تقترحها السلطة، كما فعل مع الفرنسيين والأمريكيين»، بينما يرى الدكتور محمد جربوعة أن اختيار السلطة في الجزائر للحليف الروسي يأتي من باب أن موسكو «إذا أعطت وعدًا بأن تقف مع أي نظام فهي لا تتخلى عنه، بعكس الولايات المتحدة»، مضيفًا أن ذلك سيغضب فرنسا التي تعتبر استشارة موسكو تجاوزًا لها.

تجدر الإشارة إلى أنّ الخارجية الروسية اعتبرت على لسان المتحدثة الرسمية باسمها ماريا زاخاروفا الأحداث في الجزائر شأنًا داخليًا لدولة صديقة وتأمل بحلِّ المشاكل بنهج بناءٍ ومسؤول.

ويرى مراقبون أنّه على الرغم من أنّ سيناريو انزلاق الوضع إلى العنف في الجزائر غير مستبعد؛ إلّا أن المصالح الروسية بالجزائر التي يلخصها حجم التبادل التجاري الذي وصل إلى 4 مليارات دولار سنويًا ستجعل روسيا أكثرًا حذرًا في تعاملها مع الانتقال الذي تشهده الجزائر للحفاظ على مصالحها، كما أن العلاقات المتينة بين المؤسسة العسكرية الجزائرية وروسيا بحكم التسليح والتدريب تسير في بقاء تلك المصالح بعد رحيل نظام بوتفليقة.

فرنسا وروسيا وأمريكا.. من سيحدد رئيس الجزائر القادم؟

هل ذهب لعمامرة لروسيا من أجل ضرب الحراك في الجزائر ؟

لا يختلف اثنان على الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في الحشد للحراك الشعبي في الجزائر، كما لا يختلف أيضًا الكثير على أن موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، كان السبب في خروج ملايين الجزائريين في 22 فبراير (شباط) الماضي، ضدّ ترشح بوتفليقة لعهدةٍ خامسة، لهذا سعت السلطة في الجزائر إلى الحدّ من تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الحراك، من خلال اعتقال المدونين وحجب الإنترنت في الجمعة الأولى للحراك، غير أنّها فشلت في الأمر، بيد أنّ زيارة لعمامرة هذا الثلاثاء إلى موسكو طرحت العديد من التساؤلات التي يأتي بعضها في سياق ضرب الحراك الشعبي؛ إذ يجمع الكثير على أنّ لموسكو تقنياتٍ إلكترونية عالية في مجال التحكم بمنصات التواصل الاجتماعي.

ولم يخل من الأذهان الدور الذي لعبته روسيا في التأثير في الانتخابات الأمريكية سنة 2016 من خلال إطلاق ملايين الحسابات الوهمية على منصات «تويتر» و«فيسبوك» لإثارة اهتمام الناس والتأثير على خياراتهم، كما ذكرت تقارير إعلامية على إدخال الروس لتقنية «Deep fake» لترويج الأخبار الكاذبة وهي التقنية التي استطاع الروس ابتكارها ومن خلالها يظهر أي مسؤول أو شخصية في مقاطع فيديو وهمية تجعله يقول ويفعل ما يريد الروس بثّه عنه، وأمام التخوفات الأمريكية من تدخل روسي إلكتروني في الانتخابات الرئاسية القادمة سنة 2020، يتخوف الجزائريون من استيراد السلطة الجزائرية لهاته التقنيات من أجل ضرب الحراك الشعبي بها عن طريق زيارة لعمامرة الأخيرة إلى موسكو.

ومع نهاية مليونية الجمعة الماضية الموافق 15 مارس، والتي اعتبرت الأضخم في تاريخ البلاد، ظهرت تحذيرات من ناشطين جزائريين من الأخبار الكاذبة التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي، كما لوحظ إنشاء مئات الصفحات المجهولة في الجزائر تتبنى نشر أخبار مزيفةٍ عن الحراك ونشطائه.

صديقةٌ لواشنطن أم حليفةٌ لموسكو؟ الجزائر تلعب على وتر العلاقات مع البلدين

المصادر

تحميل المزيد