قال الكاتب جورج فريدمان – في مقال له بموقع ستراتفور نشر في الأول من شهر أبريل الماضي – إن وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي كانا قد دأبا على عقد لقاءات ثنائية فيما بينهما للتفاوض حول مستجدات الصراع ومستقبل البلدين خلال الحرب الباردة، وهو ما تجدد خلال لقاء جمع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرجي لافروف لمحاولة نزع فتيل الأزمة التي تدور رحاها في أوكرانيا, مشيرًا إلى تصريحات الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، والتي أكد من خلالها على أن واشنطن لا تسعى من جانبها إلي ممارسة حلف شمال الأطلسي لدور أكبر سواء في جورجيا أو أوكرانيا، في مقابل تصريحات روسية أكدت على عدم المضي قدمًا نحو المزيد من التحركات العسكرية في أوكرانيا, ومضيفًا بأن كلا الطرفين الروسي والأمريكي يمتلكان مواقف خاصة بكل منهما حيال الأزمة الحالية.

الموقف الروسي من الأزمة

أشار فريدمان إلى أن الجانب الروسي على قناعة تامة بأن المظاهرات التي اندلعت في كييف ما كان لها أن تصمد لولا الدعم الذي تلقته من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية، والذي امتد ليشمل المنظمات غير الحكومية وهو ما ساعد على عزل الحكومة الأوكرانية، مضيفًا بأن العقيدة الروسية تؤمن أيضًا بأنه حتى الثورة البرتقالية قد ولدت من رحم الدعم الغربي، وهو ما ألقي بظلال من القلق لدى الجانب الروسي حيال الدور الذي يمكن أن تلعبه القوة الأمريكية وأجهزة الاستخبارات الغربية في زعزعة الاستقرار سواء في أوكرانيا أو على صعيد الدول التي يشملها النفوذ الروسي أو حتي في روسيا ذاتها.

وعلي صعيد الموقف الروسي أيضًا؛ ذكر فريدمان أن الحكومة الروسية أقدمت علي زيادة أسعار الغاز الذي تستورده أوكرانيا بنسبة ثمانين في المائة بالتزامن مع تنامي المخاطر الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها أوكرانيا لعجزها عن سداد الديون السيادية هذا الصيف خاصة مع تراجع الدعم الغربي، ناهيك عن الدور الخفي والعلني الذي تلعبه روسيا لتشكيل الحكومة الأوكرانية ومحاولة الحصول على دعم من المناطق الموالية لروسيا في شرق أوكرانيا.

وعرض فريدمان لبعض التأويلات الأخرى التي تحدثت عن تحركات روسية باتجاه مولدوفا في إشارة إلى منطقة ترانس دينيستر, مشيرًا إلى أن مولدوفا تظل إحدى الخيارات الروسية, غير أنه ألمح في ذات الوقت إلى أنه ومع احتمالية أن تتوغل القوات الروسية باتجاه مولدوفا تظل قضية الإمدادات صداعًا مزمنًا في رأس القيادة الروسية خاصة وأن الطريق نحو مولدوفا يمر نحو البوابة الأوكرانية.

وفي ذات السياق, أضاف فريدمان إلى أنه وبالرغم من أن التحركات والخيارات الروسية تبدو ممكنة في دول البلطيق إذا توفرت الدوافع لدى الكرملين لحث الأقليات الروسية على التظاهر والنزول إلي الشوارع, بيد أن الأمور تبدو مختلفة بعض الشيء مع دول البلطيق التي توجد ضمن نفوذ حلف شمال الأطلسي مما يجعل من ردة الفعل شيئًا غير متوقع في ظل الرغبة الروسية الملحة في الحفاظ على الشراكة الاقتصادية والسياسية مع الدول الأوروبية بشكل عام ومع ألمانيا بشكل خاص، ما يجعل من تحرك القوات الروسية باتجاه دول البلطيق بمثابة التحدي للعلاقات الروسية الأوربية.

وبحسب الكاتب تأتي المفاوضات التي تجري حاليًا لنزع فتيل الأزمة الأوكرانية بمثابة صمام الأمان للجانب الروسي لتخفيف حدة المخاطر التي تكتنف التحركات الروسية جنبًا إلى جنب مع سعي الجانب الروسي لإعادة بسط نفوذه في أوكرانيا خاصة في ظل الأزمة الإقتصادية التي تحيق بها في الوقت الراهن مع إمكانية إمدادها ببعض المساعدات النقدية التي من شأنها أن تقلص من حدة الأزمة.

الموقف الأمريكي من الأزمة

أما على صعيد الموقف الأمريكي؛ فقد أشار فريدمان إلى أن القوات الأمريكية تعتبر ضعيفة على الصعيد العسكري إذا ما قورنت بنظيرتها الروسية في مناطق النفوذ الروسي خاصة في ظل الخيارات العسكرية المعدومة للولايات المتحدة في شبه جزيرة القرم كما هو الحال في جورجيا عام 2008, مضيفًا بأن الولايات المتحدة يستغرق الأمر معها أشهر لتجهيز القوات في حالة نشوب أي صراع في مناطق الاتحاد الروسي، مستدلاً على ذلك بأن الإعداد لعاصفة الصحراء وغزو العراق عام 2003 استغرق ستة أشهر كاملة من التجهيزات العسكرية وهو ما يفسر الرغبة الأمريكية في عدم اللجوء إلى الخيارات العسكرية لأنها ستكشف مدى تأخر الرد الأمريكي من جهة, كما أنها ستكشف الضعف الذي يعتري حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى.

وأضاف الكاتب أيضًا أن الولايات المتحدة لا ترغب من جهتها في التعويل على الموقف الألماني الذي لا تُعرف ماهيته خاصة في ظل تراجع المواقف الألمانية في الوقت الراهن بالتزامن مع انسحاب فيتالي كليتشو الذي تدعمه ألمانيا من سباق الرئاسة الأوكرانية، وذلك بالرغم من الدعم الذي كانت قد قدمته برلين لقادة التظاهرات التي اندلعت في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن ألمانيا تسعى من جهتها أيضًا إلي إعادة الاستقرار للاتحاد الأوروبي في مواجهة التفكك الاقتصادي والظهور المتنامي لليمين المتطرف، كما أنها تخشى من اندلاع ما وصفة الكاتب بحرب باردة صغيرة خاصة إذا ما علمنا بأنها تستورد ثلث احتياجاتها من الطاقة من روسيا وحدها وهو ما يدفعها نحو الحفاظ علي مصالحها المشتركة مع الجانب الروسي.

وخلص الكاتب إلى أن كلاً من روسيا والولايات المتحدة يمتلكان خيارات محدودة وهو ما حدا بروسيا أن تتوجه صوب الولايات المتحدة في مسعىً منها نحو تخفيف حدة الأزمة الأوكرانية في ظل مطالب بإنشاء اتحاد فيدرالي في أوكرانيا.

أهمية المفاوضات

اعتبر فريدمان أن أهم ما يعتري المفاوضات الأمريكية الروسية بشأن الأزمة الأوكرانية هو التواصل الذي تم بين كلا الطرفين, مضيفًا بأنه وبالرغم من أن الجانب الروسي كان قد تواصل مع الدول الأوروبية، إلا أن الأمور استدعت التواصل مع الولايات المتحدة دون غيرها لتحديد الإجراءات المستقبلية ولتبادل الآراء حيال الأزمة خاصة وأن المفاوضات كانت قد كشفت عن حالة الضعف التي يعاني منها كلا البلدين, فمن جهته يدرك الطرف الروسي أنه لن يستطيع الخروج من غياهب تلك الأزمة وحماية مصالحه الخاصة دون تعاون أمريكي خاصة في ظل غياب الدولة الأوروبية التي يمكنها ان تضطلع بمهمة كهذه، فبريطانيا تتحدث عن البريطانيين، وفرنسا عن الفرنسيين، وألمانيا عن الألمانيين، وبولندا عن البولنديين, ومن جهة أخرى تدرك الولايات المتحدة أنه يتوجب عليها التعامل مع الجانب الروسي إذ لم يعد بمقدورها فرض رؤيتها في المنطقة كما كان يحدث في عقد التسعينيات.

وأكد فريدمان على أن روسيا إنما لجأت إلى الولايات المتحدة لقناعتها التامة بأنه مهما كان الضعف الذي تعاني منه واشنطن في الوقت الراهن, تظل القوة المحتملة من ورائها أقوى من القوة التي يمثلها الطرف الروسي الذي يعي جيدًا أن فشل التفاوض مع الولايات المتحدة ينذر بفشل التوصل إلى حلول لتقليص حدة الأزمة الأوكرانية.

وبحسب فريدمان, فإن التوصل إلى اتفاق لنزع فتيل الأزمة الأوكرانية من شأنه أن يشعل حماس بقية الدول لدعم الاتفاقية، وخاصة ألمانيا التي تسعى من جانبها إلى وضع حلول تحافظ من خلالها على علاقاتها الجيدة مع كل من روسيا ودول وسط أوروبا، على النقيض من موقف الولايات المتحدة التي وإن كانت تسعى نحو علاقات جيدة غير أنها لا تبدي شغفًا من جانبها تجاه وسط أوروبا في الوقت الراهن وهو ما يشي بأن الولايات المتحدة ربما تكون أكثر نفعًا للطرف الروسي مقارنة بمواقف الدول الأوربية خاصة وأن الولايات المتحدة تسعى من جانبها نحو الحفاظ على مصالحها الدولية التي يمثل الجانب الروسي طرفًا هامًّا فيها – وما القضية الإيرانية منا ببعيد – وهو ما يشير إلى أن المفاوضات الأمريكية الروسية تتعاطى مع قضايا سياسية وعسكرية بدرجة أكبر من القضايا الاقتصادية.

تباين المخاوف الأمريكية

أشار فريدمان إلى أن الموقف الأمريكي يعتريه الغموض حيال مفاوضاته مع الجانب الروسي، فمن جهة ترغب الولايات المتحدة في إرساء نظام ديمقراطي دستوري في أوكرانيا وهو ما لا تعارضه روسيا غير أنها ترى أن بناء نظام ديمقراطي دستوري في أوكرانيا قد يكون أمرًا غير مجدٍ خاصة وأن الحكومة الحالية نشأت في ظل تحول اقتصادي واجتماعي خطير، مضيفًا بأن بعض الأطراف في الحكومة الأمريكية تبدي قلقها حيال تصاعد الدب الروسي كقوة إقليمية.

وفي ذات السياق, رصد فريدمان لظاهرة التنوع الأيديولوجي في مؤسسات الولايات المتحدة، مدللاً علي ذلك بأن وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع نادراً ما تشاركا نفس وجهات النظر بالإضافة إلي مواقف الكونجرس مما يجعل من الولايات المتحدة طرفًا صعب المراس بدرجة أكبر من نظيره الأوروبي غير أنها – وبحسب الكاتب – تظل الطرف التفاوضي المتاح أمام الجانب الروسي الذي يسعى نحو حلول تفاوضية لتعزيز موقفة الراهن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد