محمد صلاح عبد الجواد 8
محمد صلاح عبد الجواد 8

2,065

في السادس من يناير (كانون الثاني) الجاري، أعلنت صحيفة «ريفورما» المكسيكية في تقرير لها أن الانتخابات المكسيكية المقرر عقدها في يوليو (تموز) من العام الحالي تشهد حملة ضخمة ومعقدة من الجانب الروسي؛ للتأثير عليها، كما فعلت في الانتخابات الأمريكية لترجيح كفة دونالد ترامب، وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي صرح مستشار الأمن القومي في الولايات المُتحدة الأمريكية «جين ماكماستر»، وقال إن الولايات المُتحدة الأمريكية تعبر عن قلقها حيال الحملة التي تحاول من خلالها الحكومة الروسية فرض سطوتها على الانتخابات المكسكية من خلال حملات إلكترونية وإعلامية لتوجيه اختيار الرئيس القادم في المكسيك، بحسبه.

ولكن لماذا تحاول روسيا أن تخترق العمليات الانتخابية في كثير من الدول الديمقراطية؟

من الذي يدعمه بوتين في المكسكيك؟

طبقًا لصحيفة «رويترز» الأمريكية، فإن عمدة العاصمية المكسيكية السابق «لوبيز أوبرادور» هو المرشح المُفضل للحكومة الروسية في الانتخابات الرئاسية القادمة التي تجري على الأراضي المكسيكية، ويذكر أن  «لوبيز أوبرادور» ترشح مرتين للانتخابات في المكسيك، لكنه خسر الانتخابات، وحصل على المركز الثاني في المرتين بفارق ضئيل جدًا، وينتمي  «لوبيز أوبرادور» إلى الأيديولوجية اليسارية التي قد تتشابه مع الفكر الدولتي الاشتراكي القريب من الحكومة الروسية، والمحبذ لديها تاريخيًا.

Embed from Getty Images

لويز أوبرادور المرشح المكسيكي المفضل للحكومة الروسية.

وذكرت «رويترز» أن الحكومة الروسية تحاول توفير الغطاء الإعلامي لتأييد «لوبيز أوبرادور» من خلال شبكتي  «السبوتنيك» و«روسيا اليوم»، وأنه في عام 2016 نشرت قناة روسيا اليوم على قناتها في موقع «يوتيوب» مقطع فيديو قبل أن تحذفه باللغة الإسبانية بعنوان «معركةالمكسيك»، تتحدث فيه عن الانتخابات المكسيكية القادمة، وتتحيز فيه – بشكل واضح – للمرشح «لوبيز أوبرادور».

ويرجح البعض تدخل روسيا في المكسيك لسببين، الأول أن الولايات المتحدة تفقد نفوذها على أمريكا اللاتينية في الوقت الحالي؛ بسبب ضعف أداء سياسة دونالد ترامب الخارجية. والسبب الثاني بسبب تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وبين كوبا منذ أواخر عهد أوباما، التي طالما كانت سلاحًا قويًا للاتحاد السوفيتي وروسيا ضد الولايات المتحدة منذ عقود، وبالتحديد خلال سنوات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

روسيا حاولت تقسيم إسبانيا من أجل الحصول على القرم

في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأثناء اجتماع وزراء الدفاع الأوروبيين في الاتحاد الأوروبي، أعلنت «ماريا دولوريس» وزيرة الدفاع الإسبانية لوسائل الإعلام، وأعلنت أن الحكومة الإسبانية بعد مجموعة من التحقيقات، وجدت أن هناك تدخلًا روسيًا مباشرًا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر»؛ من أجل أرجحة الرأي العام الإسباني وتوجيهه ناحية دعم استفتاء انفصال كتالونيا عن القطر الإسباني.

دروس من موسكو.. كيف تخترق أقوى دول العالم دون أن تطلق رصاصةً واحدةً؟

وقالت دولوريس: «إن مجموعات إلكترونية تابعة للحكومة الروسية، وأيضًا مجموعات أخرى تعمل بشكل منفصل، قامت بإنشاء مجموعة وهمية من الصفحات والحسابات الإلكترونية، ونشر الكثير من الأخبار والخطابات المزيفة من أجل توجيه الرأي العام لمصلحة قضية الانفصاليين في كتالونيا»، وصرحت دولوريس لصحيفة «رويترز»، وقالت: «بعد أن تتبعنا الحسابات والصفحات الوهمية التي كانت توجه الرأي العام بشكل زائف لدعم الانفصاليين في كتالونيا، وجدنا أن 50% من هذه الحسابات تعمل من داخل الأراضي الروسية، و30% من فينزويلا».

ومن ناحية أخرى قدمت جامعة جورج واشنطن تقريرًا يدعم صحة ادعاء الحكومة الإسبانية، ويفيد التقرير أن الباحثين بالجامعة وجدوا أن مجموعة من الحسابات المزيفة نشرت أكثر من 5 ملايين رسالة على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل دعم الانفصاليين في كتالونيا.

ويذكر أن استفتاء كتالونيا خرج بنتيجة ساحقة للاستقلال عن إسبانيا، ووضع إسبانيا، التي تعتبر رابع قوة أوروبية من الناحية الاقتصادية، في أزمة دستورية عميقة لم تشهدها إسبانيا منذ أن سادها الحكم الديمقراطي في سبعينات القرن الماضي، ولكن وعلى الرغم من ذلك استطاعت الحكومة احتواء الأزمة، ومازالت كتالونيا تنطوي داخل الأراضي الإسبانية حتى الآن.

Embed from Getty Images

مظاهرات في كتالونيا لدعم الاستقلال عن إسبانيا

ويرى البعض أن روسيا دعمت استفتاء كتالونيا وأرادت له النجاح حتى تستطيع إقناع الاتحاد الأوروبي  والأمم المتحدة بالاعتراف باستفتاء شبه جزيرة القرم عام 2014، الذي صوت فيه أهل القرم لصالح العودة إلى السيادة الروسية، وقد سيطرت روسيا على الأراضي القرمية حين استطاع ثوار أوكرانيا الإطاحة بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا «فيكتور يانوكوفيتش» في نفس العام عام 2014، ويذكر أن شبه جزيرة القرم كانت تابعة للاتحاد حتى عام 1954 حين قام الرئيس الروسي آنذاك «نيكيتا خروشوف» بإهدائها إلى أوكرانيا من أجل تدعيم العلاقات بين الشعب الروسي والأوكراني.

اخترقت روسيا 39 ولاية أمريكية من أجل دونالد ترامب

قبل نهاية أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، أعلنت لجنة التحقيقات في تدخل روسيا بالانتخابات الأمريكية بشكل رسمي اتهام كلٍّ من «مايكل فلين» مستشار دونالد ترامب السابق للأمن القومي و«بول مانافورت» مدير حملة ترامب الرئاسية السابق بالتواطؤ مع روسيا في الحملة التي شنتها على الانتخابات الأمريكية من أجل التلاعب بنتائج الانتخابات وتوجيه المصوتين الأمريكين.

ويعتقد الكثير من المحللين أن روسيا فعلت ما فعلت من أجل إبعاد هيلاري كلينتون عن البيت الأبيض، ولكي تدعم دونالد ترامب لافتقاده القوة والقدرة السياسية، ولذلك قد تجد روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين الفرصة سانحة من أجل إزاحة الولايات المُتحدة من مكانتها السياسية والاقتصادية القوية في العالم.

Embed from Getty Images

بول مانافورت مدير حملة دونالد ترامب الانتخابية السابق

وتؤمن لجنة التحقيقات الأمريكية أن الحكومة الروسية وراء الاختراق الإلكتروني الذي نُفذ على اللجنة الوطنية التي تدير الحزب الديمقراطي والبريد الإلكتروني الخاص بالمرشحة الأمريكية هيلاري كلينتون، ثم تسريب مجموعة كبيرة من الرسائل الإلكترونية السرية الخاصة بهيلاري كلينتون عندما كانت تدير حقبة الخارجية الأمريكية في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس السابق باراك أوباما، وأدت هذه التسريبات إلى تقليل فرص هيلاري كلينتون في الانتخابات، وكانت سلاحًا قويًا في يد منافسيها، سواء في الحزب الديمقراطي الذي تنتمي إليه، والحزب الجمهوري المنافس.

وفي يونيو(حزيران) الماضي، صرحت لجنة التحقيقات لصحيفة «بلومبرج» الأمريكية، وقالت إن روسيا تمكنت من اختراق أنظمة التصويت الإلكترونية في 39 ولاية أمريكية، وكانت أقوى عمليات الاختراق هذه هي التي تمت على شبكات التصويت في ولاية «إلينوي»، وتمكنت روسيا من الحصول على بيانات 15 مليون مِمَن لهم حق التصويت في الولاية، وضمت هذه البيانات الأسماء الكاملة وتواريخ الميلاد والوظائف ووسائل الاتصال، فضلًا عن إرقام الأمن القومي أو أرقام بطاقات الهوية الشخصية لهؤلاء المصوتين، وصرح أحد المسئولين عن هذه الشبكات في الولاية أنه لاحظ عملية الاختراق، ولاحظ أن هناك مجموعة من البيانات تخرج من الذاكرة الرسمية لأنظمة التصويت، ولاحظ أيضًا أن هناك محاولة لمحو وإزالة هذه البيانات، ولكن المحاولات الأخيرة كانت نتيجتها الفشل، حتى وإن كان هدف المُخترق إزالة البيانات لإرباك وعرقلة الانتخابات بإفقاد الحكومة الأمريكية بيانات المصوتين، فهذا لم ولن ينجح؛ لأن الحكومة تحتفظ بالبيانات على أكثر من نظام آخر. وفي الحقيقة إن روسيا لم تحتج إطلاقًا إلى رجال داخل حكومة الولايات المُتحدة لتسهيل عملية الاختراق؛ بل إن سياسات الحكومة الإمريكية سهلت ومهدت الطريق لروسيا، وذلك لأن الحكومة تحتفظ بكثير من مثل هذه البيانات الهامة على شبكة الإنترنت؛ مما يسهل اختراقها والحصول عليها.

وفي سبتمبر (أيلول) العام الماضي، صرح مسئول عن شبكة التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وقال إن إدارة الموقع تمكنت من ضبط حوالي 470 حسابًا زائفًا تدار من روسيا من أجل نشر منشورات ورسائل متعلقة بالانتخابات الأمريكية، وقال أيضًا إن هذه الحسابات كانت تتم إدارتها من شركة روسية تسمى «the Internet Research Agency»، ومولت هذه الشركة من خلال هذه الحسابات المزيفة 3 آلاف إعلان مدفوع على صفحات في الموقع، ووصلت تكلفة هذه الإعلانات إلى 100 ألف دولار أمريكي.