بعد قرابة 120 يومًا من المعارك الحربية القاسية ضد المعقل الأخير للمعارضة السورية في إدلب، اتبعت موسكو سياسة «الأرض المحروقة» مما مكنها من السيطرة الآن على مدينة خان شيخون وريف حماة الشمالي.

عكف الروس وقوات النظام السوري على قصف شبه يومي، لمناطق إدلب وأجزاء من محافظات مجاورة لها منذ نهاية أبريل (نيسان) الماضي، لتأخذ قوات النظام منذ الثامن من أغسطس (آب) الحالي بالتقدم ميدانيًا في ريف إدلب الجنوبي. ومع استخدام الروس وبشكل غير مسبوق، ترسانة من الطائرات الحربية والمدفعية والقذائف تقدمت قوات النظام السوري في ريف إدلب، وسيطرت على مدينة خان شيخون الاستراتيجية، لتقطع بذلك الطريق الدولي الذي يربط ريف إدلب الجنوبي بريف حماة الشمالي، حيث توجد أكبر نقاط المراقبة التركية في بلدة مورك.

وباعتراف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أمس الثلاثاء، بوجود جنود روس على الأرض في إدلب، من أجل «التصدي لاعتداءات مسلحي «جبهة النصرة» والقضاء على الإرهابيين في إدلب ستتواصل، وتركيا أُبلغت بذلك». وجدير بالذكر أن السيطرة على مدينة خان شيخون التي تقع شرقي مدينة إدلب بنحو 65 كيلومترًا، وجنوبي مدينة حلب بنحو 100 كيلومتر، تمثل نقطة تحول كبيرة في المعركة الدائرة بين عدة أطراف في سوريا.

خان شيخون في جعبة النظام السوري

دفعت شدة القصف الجوي مقاتلي فصائل المعارضة المنهكين في القتال منذ نحو الأربعة أشهر للانسحاب من القسم الأكبر من مدينة خان شيخون خلال الأيام القليلة الماضية، واتخذ قرار الإخلاء الجماعي بعد انقطاع معظم طرق الإمداد إلى ريف حماة، عقب سيطرة قوات النظام وروسيا على نقاط حاكمة في مدينة خان شيخون.

عائلة نازحة سورية  فرت من مسقط رأسها في خان شيخون نحو بلدة بننيش في شمال محافظة إدلب شمال سوريا

«لقد اتخذ قرار الإخلاء لمنع حصار مئات المقاتلين، وتجنبًا  لتعرضهم للأسر أو القتل الجماعي» كما قالت الفصائل، فيما سبق إخلاء المقاتلين نزوح جل المدنيين في المدنية، ومن بينهم المواطن السوري أبو محمد (40 عامًا) الذي تمسك بالإقامة في خان شيخون «حتى آخر نفس» كما قال لـ«ساسة بوست»، لكنه اضطر قبل أيام قليلة لترك كل شيء في المدينة والفرار بأبنائه الأربع وزوجته نحو مناطق ريف إدلب الشمالي.

في منطقة النزوح، يقطن أبو محمد الآن في خيمة من القماش كمئات أهالي المدينة الذين فروا تحت وطأة القصف الذي لم يتوقف أي لحظة، قبل أن تسيطر قوات النظام على خان شيخون، يقول الرجل وهو منهك للغاية: «بدأ القصف بكل أنواع الأسلحة الثقيلة من طيران حربي ومروحي وراجمات الصواريخ، فاضطررت للفرار بأطفالي الأربعة وزوجتي خوفًا من القصف المرعب الذي نال من كل شيء حولي».

يقطن أبو محمد الآن في مخيم أنشئ حديثًا للفارين مناطق ريف حماة وإدلب الجنوبي، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «نزحت من منطقتي ولم أصطحب أي شيء من ممتلكاتي، وكنت على أمل أن أعود، لكن سيطرة النظام على خان شيخون حال حتى دون أن أذهب لجلب أغراضي الضرورية، وأنا لا استطيع أن أعود إلى منطقة أصبحت تحت حكم النظام».

تحدثنا أيضًا إلى الإعلامي السوري المقيم في ريف إدلب الجنوبي، محمد الرفاعي، الذي قال إن النظام وحلفاءه سيطروا على  مدينة خان شيخون الاستراتيجية بعد معارك عنيفة جدًا، دارت مع الفصائل السورية التي كبدت في الأيام الأخيرة النظام وحلفاءه خسائر كبيرة، ويوضح أن: «ما غير نتائج المعركة هو إقدام النظام على التدمير الممنهج في خان شيخون، حيث استخدمت كافة أنواع الأسلحة الثقيلة والبراميل المتفجرة والغارات الجوية وراجمات الصواريخ وقذائف المدفعية ضد المنطقة».

ويبين الرفاعي أن المدنيين تحت وطأة القصف خافوا من تقدم النظام أكثر في هذه المناطق، ونالت منهم حالة هلع وخوف دفعتهم للنزوح من المناطق التي تتعرض للقصف، إلى المناطق الحدودية مع تركيا ويصف الرفاعي لنا حال المدنيين بالقول: «أوضاعهم سيئة جدًا بعد أن خسروا منازلهم وممتلكاتهم ونزحوا إلى المخيمات الواقعة على الحدود السورية التركية، يعيشون في ظروف إنسانية صعبة جدًا ولا أمل لديهم للعودة إلى خان شيخون، بل إنهم متخوفون من أن لا يتوقف النظام ويستمر بتقدمه نحو المناطق المأهولة كمنطقة معرة النعمان وغيرها».

«المونيتور»: غارات الأسد تحرق إدلب.. لماذا لا تتحرك تركيا؟

سوريا مسرح للمقايضات الاستراتيجية بين أنقرة وموسكو

لطالما كانت مدينة خان شيخون نقطة اشتعال في الصراع السوري، وذلك لأهمية المدينة بسبب موقعها الجغرافي على الطريق الدولي السريع الذي يمر بإدلب ويربط حلب ودمشق، وبدخول قوات النظام إلى المدينة وتمشيطها، باتت نقطة المراقبة التركية الموجودة في مورك بحكم المحاصرة، ولم يبق أمام عناصرها إلا الانسحاب عبر طرق تحت سيطرة النظام.

لافتة طرق سورية تظهر موقع خان شيخون

في المحصلة، خالفت روسيا بانقضاضها على إدلب معقل المعارضة السورية الذي تحميه تركيا، بحسب «اتفاق سوتشي» المبرم مع أنقرة في سبتمبر (أيلول) 2018، لإقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل بين مناطق سيطرة قوات النظام والفصائل. ونزعت مدينة خان شيخون التي من المفترض أن تكون محمية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وأرجعت التطورات الميدانية الأخيرة في خان شيخون إلى خلافات «بين عرابي اتفاق سوتشي».

لذا يرى المراقبون أن موسكو تريد جراء العملية العسكرية المستمرة تطبيقًا كاملًا لـ«اتفاق سوتشي»، أي إعادة فتح الطرق الدولية (إم 5، وإم 4) وإعادة بسط النظام سيطرته عليها وصولاً إلى باب الهوى على الحدود التركية.

«ساسة بوست» تحدث إلى المحلل العسكري السوري، العقيد أحمد حمادة، فاعتبر أن التطورات الأخيرة مرتبطة برؤية موسكو في إدارة الحرب بهذه المنطقة، فهي تريد من تركيا أن تقاتل «هيئة تحرير الشام» وربما بعض الفصائل الأخرى وربما كما تسميه روسيا «المنظمات الإرهابية»، ويضيف حمادة: «كذلك تريد روسيا فرض رؤية على الطرق الدولية (إم 5، وإم 4)، حيث لا يوجد حتى الآن أية توافق تركي روسي حولها».

ويشدد العقيد حمادة على أن المعارك القاسية طيلة 120 يومًا كانت من أجل أن تفرض روسيا رؤيتها على الواقع السياسي والمشهد العسكري والميداني في هذه المنطقة،  لكنها فشلت فشلاً ذريعًا –حسب حمادة- في ما تريد تحقيقه خلال المئة يوم الأولى، ولذلك لجأت روسيا لتغيير تكتيكاتها في المعركة، فدربت عناصر جديدة لقوات النظام على القتال الليلي وكذلك زودتها بأجهزة الرؤية الليلة وبأسلحة حديثة من الدبابات وغيرها من وسائط الهجومية للمنطقة، ما مكن قوات النظام أن تصل إلى مسافة قريبة من خان شيخون، فبدأت الاشتباكات خلال الأيام الماضية في محيط هذه المنطقة من أجل قطع الطريق الدولي في خان شيخون (مورك)، وجعل شمال حماة تحت رحمة طرق الإمداد التي يقصفها النظام.

ما الذي تعنيه السيطرة على خان شيخون الاستراتيجية؟

بعد تعرض محيط خان شيخون لغارات روسية وسورية عجلت أنقرة، بتعزيزات إلى ريف إدلب الجنوبي، وكانت أبرز تلك التعزيزات إرسال رتل تركي مؤلف من نحو 40 آلية عسكرية وعشرات الجنود، بهدف التمركز بالقرب من خان شيخون، وإنشاء نقطتي مراقبة لضمان استمرار إمداد النقطة التاسعة في مورك والنقطة العاشرة في شير مغار بريف حماة التي من الممكن أن تقعا تحت الحصار في ظل العمليات العسكرية الحالية.

رتل تركي متجه نحو مدينة خان شيخون في الريف الجنوبي لإدلب

لكن سرعان ما استهدف الرتل التركي وقطع طريقه وقتل ثلاثة مقاتلين معارضين مدعومين من أنقرة، لتفرض الحادثة نتيجة بأن المفاوضات التركية الروسية وصلت لحائط مسدود، وأن قصف الرتل التركي تم بأوامر روسية وهو تحدّ للأتراك.

يصف الصحفي السوري فراس ديبة الحادثة السابقة بأنها بمثابة «إطلاق النار على أسفل القدم»، ويضيف: «روسيا تريد ضمان تطبيق «اتفاق سوتشي» وفتح الطرقات الرئيسية، وأهمها طريق حلب دمشق الدولي، وكذلك طريق حلب اللاذقية وتريد السيطرة على هذين الطريقين، ولا تعارض تركيا فتح هذين الطريقين ولكنها تريد الإشراف عليها وإدارتها في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام».

ويشير  ديبة إلى أن فشل تركيا حتى الآن بتنفيذ ما تعهدت به من ضبط لـ«هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقًا) وحلها باعتبارها «تنظيمًا إرهابيًّا»، دفع روسيا والنظام لانتهاز الفرصة وفرض واقع السيطرة على المزيد من الأراضي والمناطق السورية.

ويبين ديبة خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن السيطرة على خان شيخون تعني السيطرة على جزء هام وجديد من طريق حلب دمشق الدولي، والبلدة باستراتيجيتها أولاً ترصد مسافة كبيرة من الطريق، كما أنها تعد مدخلًا أيضًا لريف إدلب الجنوبي، فهي تمكن من يُسيطر عليها من التوغل أكثر في الأراضي الزراعية، حيث تُصعِّب طبيعة هذه الأراضي فرض التحصينات العسكرية التي تمنع التقدم البري، أي أنها مفتاح جديد لمزيد من التوغل لقوات النظام والقوات الروسية والميليشيات الإيرانية في محافظة إدلب جنوبًا.

ويعتقد ديبة أنه في حال قررت تركيا إبقاء نقطة المراقبة التاسعة في مورك أو غيرها، فيجب أن يحدث ذلك بالتنسيق مع الجانب الروسي وبضمانات روسية بعدم تعرض النظام لهذه النقطة،  ويضيف: «التطورات الأخيرة حققت مصلحة روسية بزيادة المساحة التي يسيطر عليها النظام،  وكذلك بالسيطرة على طرق دولية ستجعل التواصل بين روسيا وسوريا متاحًا لوجستيا بشكل أفضل بكثير».

ويشدد ديبة على أن روسيا منذ بدأت تدخلها المباشر أواخر عام 2015 في سوريا عسكريًا اتجهت نحو سيناريو يناسب القوة العسكرية الروسية التي تتمير بقوة نارية هائلة وقوة تدميرية دون وجود أسلحة ذكية قادرة على إصابة أهداف دقيقة، وبالتالي فإن هذه الاستراتيجية تعتمد على التدمير الكبير، من أجل تحقيق انسحابات للخصم بالمفاوضات، يكون فيها الخصم مهزومًا من خلال استهداف البيئة الحاضنة المدنية له بشكل إجرامي.

ويضيف: «ستواصل روسيا هذه الاستراتيجية وستسعى للمزيد من التدمير لتحقيق أكبر خسائر ممكنة في صفوف المدنيين والمنشآت الحيوية المدنية مثل مشافي ومراكز الدفاع المدني وهو السيناريو ذاته الذي حصل في كل المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام بدعم الروسي منذ عام أواخر 2015 حتى الآن».

بعد 8 سنوات من الثورة.. هل حان موعد اندلاع مواجهة بين الأسد وتركيا؟

المصادر

تحميل المزيد