تغيرت خارطة السيطرة في سوريا عشرات المرات خلال الحرب المستعرة منذ عام 2011، منذ أن كان النظام السوري يسيطر على كل البلاد إلى أن خسر في غضون سنتين عام 2013 أكثر من 70% من مساحة سوريا لتصبح تحت سيطرة المعارضة، ليظهر بعدها تنظيم «داعش» الذي استولى على عشرات المدن ورسم خريطة سوريا الجديدة، تلاها تشكل التحالف الدولي لمكافحة التنظيم عام 2014، ومن ثم تدخل روسيا العسكري المباشر عام 2015، والذي غير خريطة سوريا لصالح النظام بشكل كبير.

كان عام 2018 هو الذي خسرت فيه المعارضة السورية معظم أراضيها لصالح نظام الأسد، وفي العام الذي يليه تبدلت خريطة سوريا بشكل كبير، وبات الأسد يسيطر على أكثر من 62% من مساحة سوريا، بينما تسيطر قوات سوريا الديمقراطية التي يمثل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري أكثر من 25%، وتسيطر المعارضة السورية وهيئة تحرير الشام بالإضافة لمناطق النفوذ التركي في مناطق (نبع السلام، ودرع الفرات، وغصن الزيتون) على أقل من 12% فقط، فهل يكون عام 2020 هو عام الخسائر الفادحة بالنسبة للمعارضة وللثورة السورية؟

تطبيق اتفاق سوتشي بالحديد والنار

بعد فشل تركيا بتطبيق الجزء المتعلق بها من اتفاق سوتشي والذي جاء في 10 نقاط، أهمها إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15- 20 كيلومترًا، وإبعاد جميع الجماعات الموصوفة بـ«الإرهابية» وسحب الأسلحة الثقيلة من هذه المنطقة، وبعد تطبيق هذه الخطوات سيكون هناك دوريات عسكرية مشتركة بين الأتراك والروس وفق الاتفاقية، وأخيرًا والأهم كان فتح الطريقين الدوليين «إم4 وإم5» أمام حركة التجارة والنقل، إلا أن الأتراك لم يتمكنوا من تنفيذ وعودهم بهذا الجانب بسبب رفض فصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام فتح الطرق الدولية، وتسيير دوريات مشتركة في مناطقها.

دولي

منذ 5 شهور
«إم 4» و«إم 5».. سر الطريقين اللذين نفذت روسيا 5 مذابح الشهر الماضي لأجلهما

التصريحات الروسية التي تلت اتفاق سوتشي لم تخل من الانتقاد المتواصل للجانب التركي بعدم التزامه بتعهداته بتنفيذ الاتفاق، ولكن في المقابل لم تلتزم روسيا أيضًا بالجزء المتعلق بها بعدم شن أي هجمات والالتزام بوقف إطلاق النار، وانسحاب النظام من المنطقة العازلة، ومع ذلك كانت تركيا ضعيفة على طاولة التفاوض ولا تملك الأوراق المطلوبة للضغط، بسبب استمرار هيئة تحرير الشام المصنفة على قوائم الإرهاب الدولية بالسيطرة على إدلب، ما كان إيذانًا بفشل الاتفاقية بصيغتها التوافقية، إلا أن روسيا ترغب بتطبيقها بالقوة العسكرية، لتعود أصوات المدافع من جديد، وتتمكن روسيا من بسط سيطرتها على ثالث أكبر المدن الخاضعة لسيطرة المعارضة «خان شيخون» في 20 أغسطس (أب) 2019، لتعيد تغيير خريطة سوريا من حيث طبيعة القوى المسيطرة مرة أخرى.

سياسة

منذ سنة واحدة
0.5 % من سكان إدلب جهاديون.. إيران تنوي تدميرها بينما تأوي آباءهم الروحيين!

ما الذي يحدث في آخر مناطق المعارضة؟

في الحقيقة فإن آخر المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة شمال غرب سوريا لم تشهد يومًا هادئًا على الإطلاق، فمنذ سقوط «خان شيخون» السريع في يد النظام السوري وحتى العام الحالي 2020، كان هناك ثلاث هدن أعلنتها روسيا وتركيا إلا أن جميعها فشلت بسبب خرق النظام السوري لها.

كان آخر هذه الهدن يوم الأحد 12 من الشهر الحالي، ولم تستمر سوى يومين فقط، إذ لم تلتزم روسيا والنظام السوري بوقف إطلاق النار ولا الهدن المعلنة نهائيًّا، بل كانت تخرقها دائمًا ما تسبب بوقوع العديد من المجازر بحق المدنيين العزل عبر استهداف المدن والقرى والبلدات الآمنة، والتي تسببت بطبيعة الحال بنزوح مئات الآلاف قاصدين الحدود السورية التركية.

ما يحدث الآن في شمال غرب سوريا هي حرب واضحة المعالم يشنها النظام السوري بدعم من الطائرات الروسية والميلشيات الإيرانية، والأفغانية، والعراقية، واللبنانية، تهدف للسيطرة على الطرق الدولية بالقوة العسكرية وتهجير كامل المدن والقرى الواقعة جنوبها ومحيطها، حيث تسببت بنزوح أكثر من 1.2 مليون نسمة خلال عام 2019 فقط، أما في الشهر الحالي فقد تجاوزت أعداد النازحين حاجز الـ167 ألف نسمة، مع استمرار النزوح من كامل المناطق التي تتعرض للقصف الروسي.

منذ بداية الشهر الحالي شن النظام السوري هجومًا واسعًا على ريف إدلب الجنوبي والشرقي، وأيضًا ريف حلب الغربي والجنوبي، تمكن فيه من السيطرة على عدة بلدات وقرى، وأهم من ذلك تمكن من السيطرة على ثاني أكبر مدن المعارضة السورية وهي معرة النعمان الاستراتيجية، ومنها سيتوجه بالتأكيد إلى مدينة سراقب إحدى كبريات المدن، والتي تعد مفترق الطرق الدولية.

وقد لوحظ تقدم النظام على جبهات إدلب بسرعة ودون مقاومة حقيقية وفعلية، على عكس ريف حلب فقد كان الأمر مختلفًا تمامًا، إذ لم يتمكن النظام من التقدم سوى في بضعة نقاط صغيرة وخسر في هذا التقدم العديد من الدبابات والآليات والعناصر.

وبات من الواضح أن روسيا تستهدف جميع المناطق الواقعة جنوب الطرق الدولية وفي محيطها، بينما لا تتعرض المناطق البعيدة عن هذه الطرق لأي قصف إلا ما ندر، في مؤشر واضح على النية الروسية لرسم واقع جديد لخريطة سوريا، وخارطة سيطرة بشروط تحددها هي، ولن تتوقف هذه الحملة الشرسة حتى يتحول اتفاق سوتشي إلى واقع على الأرض، ولكن يبقى التساؤل ما دور الأتراك في كل ذلك؟

رفض تركي واضح.. والمصالح أولًا

بالتأكيد لا ترغب تركيا بوجود مئات الآلاف على حدودها الجنوبية، ولا ترغب أيضًا بتسللهم إلى أراضيها عبر طرق التهريب الكثيرة والمنتشرة في إدلب، وما يحدث الآن في الحملة العسكرية الروسية على مناطق المعارضة ترفضها أنقرة بشكل واضح، ولكن تصريحات المسؤولين الأتراك أغلبها تتهم النظام السوري بعرقلة الاتفاقيات المبرمة مع روسيا، ونادرًا ما تتهم تركيا روسيا مباشرة، إلا أن الهجوم الذي تتعرض له إدلب حاليًا، أخرج النظام التركي عن عادته؛ إذ صرح الرئيس التركي، ولأول مرة بهذه النبرة العالية، حين قال «لم يعد هناك شيء اسمه مسار أستانة وعلينا أن نبحث عن طريقة لإعادة إحيائه، وروسيا لم تلتزم باتفاقي أستانة وسوتشي»، وأضاف «أبلغنا روسيا أن صبرنا بدأ ينفد بسبب استمرار القصف في إدلب».

وكانت تركيا بدأت في نوفمبر (تشرين الأول) 2017 إقامة نقاط المراقبة في إدلب، في إطار اتفاق أبرمته مع روسيا وإيران في أستانة عاصمة كازاخستان في سبتمبر (أيلول) 2017، حيث أقامت 12 نقطة مراقبة داخل محافظات إدلب وحماة وحلب بهدف الفصل بين النظام والمعارضة، كما كان أحد بنود اتفاق سوتشي هو تسيير دوريات عسكرية مشتركة بين الروس والأتراك في المنطقة منزوعة السلاح وفي طريقي (إم4 وإم5 ) الدوليين، وعند ربط الاتفاقيات الروسية التركية بعضها ببعض، يظهر أن هناك مصلحة تركية أيضًا في فتح هذه الطرق.

وبقاء نقاط المراقبة التركية في مواقعها داخل مناطق سيطرة النظام دون المساس بها في مورك والصرمان، يظهر الرغبة التركية في الإشراف على الطرق الدولية ومراقبتها، وفي الوقت ذاته هي رسالة للنظام أننا باقون هنا، وكان ذلك واضحًا من خلال تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عندما قال «لن نخرج من سوريا إلا إذا طلب منا ذلك الشعب السوري شاكرًا».

والتصريحات التي نقلها تلفزيون سوريا على لسان الرئيس التركي قوله إن المباحثات مع روسيا لم تحقق نتيجة، وأن الأخيرة ماضية في الحل العسكري، وبالتالي يجب على فصائل المعارضة السورية أن تدافع عن نفسها في وجه الحملة التي تتعرض لها، وقال للفصائل «تجهزوا للمعركة الكبرى»، وأشار الجانب التركي إلى أنه سيزيد من الدعم المقدم للجيش الوطني لمواجهة قوات النظام وروسيا، إذ تشير هذه التصريحات إلى الرغبة التركية في صمود الفصائل في وجه التقدم الروسي لإجباره على العودة الى طاولة المفاوضات، وفي يد أردوغان أوراق جيدة للضغط.

دولي

منذ 8 شهور
تعلمت درس الشيشان.. هذه هي أقوى أساليب الخداع الروسية للسيطرة على إدلب

خريطة سوريا الجديدة.. ما المخطط القادم؟

باستثناء المناطق التابعة للنفوذ التركي، تسيطر فصائل المعارضة السورية على معظم مساحة محافظة إدلب وأيضًا تسيطر على ريف حلب الغربي، وجزء من ريفي حلب الجنوبي والشمالي، كما تسيطر أيضًا على مساحة صغيرة جدًّا من ريف حماة الغربي، بالإضافة لجزء بسيط من جبلي الأكراد والتركمان بريف اللاذقية، وهذه المناطق تشكل «آخر قلاع الثورة السورية»، ولسوء حظها فإن الطريقين الدوليين (إم4 وإم5) يمران من مناطقهم، ويحتاج السيطرة عليهما قضم نصف المساحة الخاضعة لسيطرة المعارضة.

تواصل «ساسة بوست» مع عدد من النشطاء للنقاش في توقعاتهم لما ستؤول إليه الأمور في شمال غرب سوريا، إذ اتفقوا جميعهم على أنه لا مجال للوقوف في وجه الآلة الروسية المدمرة التي تستهدف البشر والحجر، ومن غير الممكن الصمود طويلًا في وجهها على الرغم من أن الفصائل تستطيع الصمود أكثر مما هي عليه الآن، وأشاروا إلى أن هذه المعركة هي حرب استنزاف لعناصر الفصائل وعتادهم ونتيجتها محسومة لصالح الروس، لذلك تُحجم الفصائل عن إرسال قواتها إلى أرض المعركة، وما يجري الآن هو استنزاف لعناصر النظام الذي قتل وجرح العشرات منه، ودُمر العديد من دباباته وعتاده.

وأشار أحد النشطاء في حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن فصائل المعارضة تقدم كل ما تستطيع لمواجهة القصف الروسي العنيف، ولكنها في الوقت ذاته تهتم لعناصرها، ولا تريد أن ترمي بهم في معركة خاسرة، على عكس النظام السوري الذي لا يبدي أي اكتراث لعناصره، خاصةً أن غالبيتهم يكونون من المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام مؤخرًا «درعا والغوطة الشرقية وحمص» وقد زج شبابها في أتون الحرب، وموتهم لا يعني للنظام أي شيء.

وفي توقعاتهم لخارطة السيطرة التي ستكون عليها خريطة سوريا، قال الناشطون لـ«ساسة بوست» أن عام 2020 سيكون العام الذي تخسر فيه الثورة السورية والمعارضة أهم مناطقها، خاصة تلك التي تقع على الطرق الدولية، ولكنها لن تكون معركة سهلة، خاصة أن المعركة ما تزال طويلة أمام النظام وروسيا، وأعطوا تصورهم لشكل خريطة سوريا المتوقعة، حيث ستكون المنطقة كاملة التي تقع جنوب طريقي (إم4 وإم5) ومحيطها تحت سيطرة النظام، ما يعني أن المعارضة ستخسر ريف إدلب الجنوبي والشرقي بالكامل، وستخسر أيضًا ريف حلب الجنوبي والشمالي وسيتبقى لها جزء من ريف حلب الغربي، أما اللاذقية فستسقط بالكامل، وبطبيعة الحال ريف حماة الغربي أيضًا، ويبقى السؤال هل بالفعل ستتوقف روسيا عند هذا الحد أم أن المطامع أوسع من ذلك بكثير؟

خريطة سوريا

شكل خريطة سوريا المتوقعة مع تواصل المعارك في شمال غرب سوريا (الأحمر: مناطق النظام، والأخضر: مناطق المعارضة، الجزء المخطط: المنطقة المتوقع سقوطها)

وذكر أحد النشطاء فيما قاله لـ«ساسة بوست» أن «المنطقة التي ستبقى تحت سيطرة المعارضة ستكون تحت النفوذ التركي المباشر، ما يعني ضرورة إنهاء «هيئة تحرير الشام» وحل نفسها بشكل سلمي أو عسكري، وستكون هذه المناطق خاضعة لسيطرة الجيش الوطني السوري، وستلي هذه الخطوة البدء بعملية سياسية شاملة تحت إشراف تركي روسي، وبالتأكيد أمريكي»، وأضاف أن ما قاله «مجرد توقعات لما ستؤول إليه الأمور وقراءة لمجريات الأحداث، خاصة مع دخول ليبيا على خط الاتفاقات بين روسيا وتركيا».

وفي الحقيقة فإنه يصعب التكهن بما يدور في رأسي «السلطان والقيصر»، وهل بالفعل ستكتفي روسيا بهذه المناطق أم تريد الكعكة السورية بالكامل؟ وهل ستقبل تركيا بالفتات؟ وما حصة واشنطن من كل هذا؟ هذه الأسئلة وعشرات غيرها، الأيام القادم ستكشفها بالتأكيد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد