وصول دونالد ترامب إلى حكم الولايات المتحدة، الذي سيتسلمه في 20 يناير (كانون الثاني) 2017، يمثل تغييرًا كبيرًا في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه دول العالم، وحول العديد من القضايا السياسية الهامة، وأزمات الشرق الأوسط والعالم، ولذلك فإن الموقف الأمريكي الجديد قد يتعارض مع سياسته الخارجية الحالية.

ومنذ إعلان فوز ترامب، وكونه الرئيس الأمريكي المنتخب بدلًا من مرشح الانتخابات الأمريكية، حدثت عدد من الحوادث، على الساحة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وكانت آخر هذه الحوادث ما كشفت عنه صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في تقريرٍ لها، عن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بدعمها ترامب للفوز على منافسته هيلاري كلينتون.

وإلى جانب تقرير نيويورك تايمز، ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، في تقريرٍ لها أيضًا مبني على معلومات من قبل وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، أن الأمر حدث فعلًا، وأن روسيا تدخلت سرًا في الانتخابات الأمريكية التي جرت الشهر الماضي.

التدخل الروسي المزعوم، يتمثل في التجسس على المراسلات الإلكترونية للحزب الديمقراطي، ومراسلات مساعد بارز لهيلاري كلينتون، ومدها لترامب وحملته، وذلك من أجل معرفة خطط الحزب الديمقراطي، والعمل على التفوق عليها عبر خطط مقابلة.

الأخبار المتداولة حول روسيا أثارت عددًا من ردود الأفعال، سواء من ترامب، أو من روسيا، أو من القيادة الأمريكية بقيادة الرئيس الذي تنتهي ولايته نهاية العام الجاري، باراك أوباما، أو حتى من قبل كلينتون.

وإذا ثبتت صحة هذه الأنباء، فقد تدفع بترامب إلى الاستقالة، بل ربما تقديمه للمحاكمة، مثلما حدث في فضيحة «ووترجيت» مع الرئيس الجمهوري الأسبق ريتشارد نيكسون، عام 1972.

فضيحة «ووترجيت»

فضيحة نيكسون، أو فضيحة «ووتير جيت»، هي أزمة تورط فيها نيكسون، بتجسسه على الحزب الديمقراطي في مقر ووترجيت، وحينما افتضح أمره، تقدّم بالاستقالة بعد ضغوطات من الكونجرس الأمريكي، وبتهديدات بمحاكمته.

وتعود القصة الكاملة للفضيحة، لصباح يوم 17 يونيو (حزيران) عام 1972، عندما أُلقي القبض على خمسة لصوص داخل مكتب اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، وذلك أثناء ضبطهم يتجسسون على الحزب الديمقراطي ومرشحه آنذاك، جورج ماكجفرن، بالإضافة إلى سرقة ونسخ المستندات والوثائق الخاصة بمراسلاتهم، والوثائق السرية للحزب. وجرى تتبع هؤلاء اللصوص الخمسة إلى أن ثبت تورط الرئيس نيكسون، أثناء انتخابات فترته الرئاسية الثانية.

 

اتخذت القضية منحنى آخر حينها؛ فبدلًا من تهدئة الأوضاع، عُرضت مبالغ مالية للرشوة على أفراد من مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، في مقابل وقف التحقيق في القضية، وتدمير الأدلة.

وتقدم نيكسون في 1974 بالاستقالة، بضغوط شعبية ورسمية، بخاصة بعد أن هدد تقديمه للمحاكمة، ليتولى الرئاسة من بعده، نائبه جيرالد فورد، والذي سمح بالعفو عنه، مما جعل فورد يأتي خلف نيكسون مباشرة في قائمة أقل رؤساء أمريكية شعبية على مدار التاريخ.

اقرأ أيضًا:

مقارنةً بالرؤساء السابقين.. هل يحصل ترامب على تأييد الشعب الأمريكي؟

هل يستقيل ترامب فجأة؟

ولم يكن تقريرا نيويورك تايمز وواشنطن بوست، الأولين عن تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية، إذ إن شبكة «بي بي سي»، كانت قد أعدت تقريرًا في منتصف أغسطس (آب) الماضي، أشارت فيه إلى تورط روسيا في قرصنة الانتخابات الأمريكية، والتجسس عليها.

يبدو أن تقريري صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، منذ يومين، لم يمثلا الحديث لأول مرة عن تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية، بل أن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أصدرت في تقريرٍ لها يعود لمنتصف شهر أغسطس (آب) من العام الجاري عن تورط روسيا في قرصنة الانتخابات الأمريكية والتجسس عليها.

وأوضحت «بي بي سي»، أن الحملات التي شنتها روسيا آنذاك، هي بمثابة إعلان بداية حربٍ إلكترونية بينها وبين الولايات المتحدة، بخاصة وأن المؤشرات الأولية كانت في صالح كلينتون، قبل أن يُفتضح تورطها في انتهاكات لحقوق الإنسان في ليبيا، حينما كانت لا تزال وزيرة للخارجية الأمريكية.

وكانت وكالة الأمن القومي الأمريكية،  قد أعلنت في وقتٍ سابق، تورط مجموعة تطلق على نفسها اسم «وسطاء الظل» أو «شادو بروكرز»، والتي يرجح أن تكون مجموعة من أفراد روس، أو لها علاقة بروسيا، وهي المسؤولة عن قرصنة عدد من الملفات السرية الخاصة بالحزب الجمهوري، وأيضًا بمؤسسة كلينتون الخيرية.

ردود الأفعال على إعلان تورط روسيا بمساعدة ترامب أدى إلى ردود أفعال من الجهات المختلفة؛ حيث أمر الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بفتح تحقيق في سلسلة من الهجمات الإلكترونية التي تعرضت لها الولايات المتحدة خلال فترة الانتخابات الأمريكية، وإثبات مدى تورط روسيا فيها من عدمه.

 

من جانبه، رفض دونالد ترامب، أمس الأحد، الاتهامات التي وُجهت له ولروسيا بالتجسس أو قرصنة ملفات ومستندات الحزب الديمقراطي أثناء فترة الانتخابات الأمريكية، قائلًا إن «هذه الاتهامات سخيفة، وهي وسيلة من قبل الديمقراطيين لإيجاد ذريعة بعد خسارتهم المحرجة للانتخابات»، كما أعلن أن تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية «مثير للسخرية».

وربما يكون لنشر هذه الأنباء في الوقت الحالي، دوافع شخصية من قبل بعض أعضاء وكالة الاستخبارات الأمريكية، والذين أرادوا أن يعبروا عن غضبهم تجاه ترامب، الذي أعلن نيته التخلص من العديد منهم، مقابل توظيف آخرين موالين له للعمل بدلًا عنهم، وذلك بحسب ما أوردته صحيفة الجارديان البريطانية.

وحتى الآن، وإلى أن يتم إثبات تورط روسيا في تقديم الدعم لترامب عن طريق قرصنة ملفات الحزب الديمقراطي، والتجسس عليها، فإن دونالد ترامب يظل الرئيس الأمريكي المنتخب.

لماذا قد تُساعد روسيا ترامب؟

يُمكن أن تتلخص علاقة ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في المشهد الذي سيطر على البرلمان الروسي، مع إعلان فوز ترامب، عندما علا التصفيق والتهليل داخل قاعات البرلمان الروسية، وارتسمت الفرحة على وجوه البرلمانيين، فضلًا عن إسراع بوتين بإرسال التهنئة إلى ترامب، مُؤكدًا فيها أنه قادر على إصلاح العلاقات بين البلدين.

 

وجدير بالذكر أن العلاقات الروسية الأمريكية الحالية، في ظل وجود أوباما في السلطة، وقبل تسليمها لترامب الشهر القادم، متوترة إلى أقصى درجة ممكنة، ويرجع ذلك إلى العداء والتخبط في المصالح بين بوتين وأوباما، الأمر الذي وصفه الكثيرون بأنه أشبه بحرب باردة جديدة، ولكنها لم تعد باردة نظرًا للقتال غير المباشر بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا الجاري حاليًا. ويبدو أن الولايات المتحدة ستتخلى عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) قريبًا، نظرًا لأن الحلف يستعد داخليًا منذ أشهر لأي مواجهات بينه وبين روسيا.

اقرأ أيضًا:

سوريا.. طريقٌ نحو حرب باردة ثانية

ولكن التقارب الذي ظهر بين الطرفين عندما صرّح ترامب بأن «بوتين قائد قوي، وهو أفضل من أوباما»، بالإضافة إلى تصريح بوتين بأن «ترامب رجل دولة، وهو رجل ذكي سيدرك ويتعلم بسرعة مسؤولياته الجديدة»، كلها توحي بأن المستقبل سيشهد تحالفًا بين روسيا والولايات المتحدة لأول مرة في التاريخ، وذلك ضد القوى الأوروبية المتمثلة في حلف الناتو.

عرض التعليقات
تحميل المزيد