في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) زار رئيس الوزراء الروسي دميتري مدفيديف الجزائر في زيارة عمل دامت يومين بعد دعوة من رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى. وقد التقى الوزير الروسي بعدّة مسؤولين جزائريين رفيعي المستوى وبالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=nUOgY9bg09g” width=”800″ height=”450″ ]

جلس ميدفيدف على يمين بوتفليقة ومعه مترجمته لعلها توصل له ترجمة بعض الهمسات التي يقولها الرئيس الذي سكت طويلًا بينما جلس بوتفليقة مع مترجمته يضع على وجهه ابتسامة يريد أن يقول بها «أنا بخير». هل كان يفكّر ميدفيديف فعلًا فيما كان يقوله بوتفليقة أم أنه كان ينتظر انتهاء هذا العرض البروتوكولي الذي لابد منه لأعين الجماهير لينتقل إلى القاعة التي سيلتقي فيها المسؤولين الحقيقيين الذين يتخذون القرارات ويناقشهم في أهم الملفّات المطروحة في الجزائر، عن خليفة الرئيس؟ وهل تعني هذه الزيارة لثاني مسؤول في النظام الروسي أن روسيا تريد التمدد في الفراغ السياسي الذي تركه الأوروبيون والتأثير على مشروع خلافة بوتفليقة؟

شراكة أم تأثير على خلافة بوتفليقة؟

في أبريل (نيسان) 2014 زار الجزائرَ وزيرُ الخارجية الأمريكي جون كيري قبل أسبوعين فقط من الانتخابات الرئاسية، وقد اعتبرت الزيارة حينها دعمًا ضمنيًا من أمريكا للنظام الجزائري وللعهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة رغم تأكيد الوزير الأمريكي والحكومة الجزائرية على أن الزيارة ليست لها علاقة بالانتخابات الرئاسية. بعدها بسنة زار جيمس كلابر المسؤول في الاستخبارات الأمريكية الجزائر والتقى بمسؤولين كبار في الدولة، وقد أشارت تقارير صحافية أن ملفّ خلافة بوتفليقة تمت دراسته مع المسؤولين الجزائريين. وقد ساهم تدهور صحة الرئيس بوتفليقة في تسريع عملية خلافته وبحث النظام عن بديل أو مرشح ليخلف الرئيس المريض الذي سيكون قد أمضى 20 سنة في الحكم في سنة 2019، كأطول مدة رئاسية لرئيس جزائري منذ الاستقلال.

Embed from Getty Images

ميدفيديف وبوتفليقة خلال زيارته للجزائر سنة 2010.

وقد أكد مدفيديف خلال زيارته الأخيرة، وحديثه مع وسائل الإعلام الجزائرية استعداد روسيا للتعاون مع الجزائر في المجال النووي إن قرّرت الدخول في هذا الميدان من خلال تكوين الخبراء ونقل التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، كما أكد على الشراكة مع الجزائر في مجال الطاقة خصوصًا الغاز الذي يعدّ البلدان في المراتب الأولى عالميًّا في إنتاجه، حيث تحتل روسيا المرتبة الثانية عالميًّا بينما تحتلّ الجزائر المرتبة السابعة في إنتاج الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى توقيع البلدين اتفاقية شراكة استراتيجية سنة 2001 والمبادلات التجارية الكبيرة بينهما التي بلغت 4 مليارات دولار في سنة 2016 فإن بعدًا استراتيجيًّا آخر يربط بينهما، وهو التطابق في المواقف في ملفات دول الربيع العربي في كل من ليبيا واليمن وخصوصًا سوريا.

تدعم روسيا النظام السوري في الحرب الجارية في سوريا بكل ثقلها من خلال الوقوف إلى جانب النظام في المحافل الدولية بالإضافة إلى تدخلها العسكري لصالح نظام الأسد سنة 2015 بإرسالها جنودًا وطائرات تقصف المواقع المسيطر عليها من قبل المعارضة. موقف الجزائر من الحرب في سوريا كان منذ البداية في صفّ النظام السوري ولم يتغيّر رغم ارتفاع الضحايا الذين يقدّرون بمئات الآلاف، وقد أرسل بوتفليقة برقية تهنئة للرئيس السوري بشّار الأسد في ذكرى استقلال بلاده وهنّأه فيها وتمنى أن «تفضي جولات الحوار السورية إلى انفراج الأزمة وعودة الأمن»، كما تشير بعض التقارير إلى أن الدعم الجزائري للنظام السوري يتجاوز التصريحات الرسمية إلى المساعدات المالية، فقد انتشرت قبل مدّة صور لمواد غذائية من إنتاج جزائري في معسكرات الجيش السوري مما يعدّ مؤشرًا على وجود دعم حقيقي من النظام الجزائري لنظام الأسد يتجاوز مجرّد التصريحات. الجزائر وروسيا تقفان إلى جانب النظام السوري المتهم بارتكاب جرائم حرب واستخدام أسلحة مجرّمة دوليًا سقط بسببها مئات الضحايا المدنيين، في مقابل موقف أمريكي وأوروبي يتّخذ موقفًا معارضًا لنظام الأسد ويدين طريقة تعامله مع الحرب السورية التي اندلعت بعد أحداث الربيع العربي في سنة 2011.

وتأتي زيارة الوزير الأوّل الروسي في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، نفس الشهر الذي كان من المقرر أن يزور فيه الرئيس الفرنسي المنتخب حديثًا إيمانويل ماكرون الجزائر، لكن الزيارة لم تحدث لعدّة أسباب قد يكون أهمها مرض الرئيس الذي انعكس سلبًا على أداء الجهاز الحكومي الجزائري ككُل، في حين فضّل ماكرون زيارة البلد الجار المغرب في سابقة تاريخية.

اقرأ أيضًا: لماذا فضَّل ماكرون زيارة المغرب قبل الجزائر وكسر التقليد الرئاسي الفرنسي؟

عدم حدوث هذه الزيارة، بالإضافة إلى زيارة المستشارة الألمانية ميركل التي ألغيت زيارتها في الدقائق الأخيرة – مُجدّدًا بسبب مرض الرئيس – جعل النظام الجزائري يعاني من شبه عُزلة دولية، فالرئيس الذي لا يستطيع السفر إلى الخارج لزيارة البلدان الأخرى كما لا يقوى على المشاركة في المؤتمرات والمحافل الدولية، أصبح لا يستطيع حتى أن يُقنع زعماء الدول الكبرى بزيارته في الجزائر، وقد أكّد الرئيس الروسي السابق والوزير الأوّل الحالي على التطابق في الرؤى بين الجزائر وروسيا بتأكيده على «حق تقرير المصير لجميع الشعوب ورفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول» في إشارة واضحة إلى الملفّ السوري.

لكن ميدفيديف الذي يتحدّث عن رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول لم يأتِ إلى الجزائر – كما يرى مراقبون – إلا من أجل ممارسة ما ينهى عنه، فتوقيت الزيارة الحسّاس بالإضافة إلى تاريخ روسيا الطويل في التدخلات العسكرية كما هو الحال في سوريا أو في التأثير على الانتخابات الأوروبية والأمريكية لا يدع مجالًا للشك بالنسبة للبعض أن روسيا تدعو إلى ما لا تُلزم به نفسها.

روسيا.. تاريخ من التدخلات في الانتخابات

عندما سألت المذيعة الأمريكية رئيس الوزراء مودي، إن كان يعتقد أن روسيا تدخّلت في الانتخابات الأمريكية، قاطعه الرئيس الروسي بوتين ليقول «اسألي دودون»، في إشارة إلى إيغور دودون رئيس مولدوفا القريب من روسيا الذي فاز في الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) من السنة الماضية.

أوروبا صارت متخوّفة من حدوث سيناريو مشابه للانتخابات الأمريكية وإمكانية تدخّل روسي يحسم الانتخابات لصالح المرشحين المفضّلين من قبل روسيا.

في فرنسا أعلنت حملة ماكرون الرئاسية عن آلاف المحاولات لقرصنة حواسيبها، كما اتهم الرئيس ماكرون في حضور الزعيم الروسي فلاديمير بوتين الأجهزة الإعلامية الروسية (بالتحديد قناتي RT وsputnik) بنشر الدعايات المغرضة والبروباغاندا من أجل تشويه صورته، هذه الدعايات تضمّنت تقريرًا لأحد السياسيين الفرنسيين الذي اتّهم ماكرون بأنه «عميل لمصالح البنوك الأمريكية».

كما أن شكوكًا حامت حول احتمالية دعم روسيا لمرشّحة اليمين المتطرّف مارين لوبان التي نافست ماكرون في الدور الثاني، فقد سافرت إلى روسيا خلال الحملة الانتخابية وحصلت على قرض من البنك الروسي، كما أن الكثير من سياسات برنامجها الانتخابي تتوافق مع الرؤية الروسية كمطالبتها بخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، المنظمتين اللتين تشكلان تهديدًا للتمدد الروسي في أوروبا.

اقرأ أيضًا: لوبان في الكرملين: هل تكرر روسيا في فرنسا ما فعلته مع ترامب؟

وفي جلسة استماع لمجلس الشيوخ الأمريكي تم طرح تخوّفات تدخّل روسيا في الانتخابات الألمانية التي جرت في سبتمبر (أيلول) الماضي، فقد عبّرت قيادات أمنية وسياسية ألمانية رفيعة عن قلقها من تأثير روسي على سير الانتخابات حيث صرّح الرئيس الألماني بكلّ صراحة «بأن تدخّل روسيا في الانتخابات سيؤثّر سلبًا على العلاقات الثنائية».

وقد وضّحت إحدى المشاركات في جلسة مجلس الشيوخ أن استراتيجية روسيا في التأثير على الانتخابات الرئاسية تتمثل في استخدام البروباغندا من خلال قنواتها الإعلامية، بالإضافة إلى تزييف المعلومات (disinformation) ونشر الأخبار الكاذبة fake news عن طريق حسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الناخبين المحتملين.

وبلغت درجة القلق من حدوث تدخّل روسي في الانتخابات الألمانية الأخيرة أن جعلت المستشارة الألمانية تجتمع مع قيادات عليا في الأجهزة الأمنية ووزراء لوضع استراتيجية لمنع حدوث أي هجمات إلكترونية خلال الانتخابات المقبلة، ومثل هذه الاجتماعات رفيعة المستوى لا تتم إلا عند وقوع أمر جلل كحادث إرهابي.

التدخل في الانتخابات الأمريكية ما زال في الأذهان

في التاسع من مايو (أيّار) أقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI جيمس كومي من منصبه بسبب شروعه في التحقيق في ملف تدخّل روسيا في انتخابات الرئاسة الأمريكية. وقد بدأ التحقيق بأوامر من الرئيس السابق باراك أوباما الذي أصدر تعليمات للنظر في احتمالية وجود مخطط روسي للتأثير في نتائج الانتخابات لصالح مرشّحها المفضّل دونالد ترامب، خصوصًا بعد قرصنة أجهزة حاسوب الحزب الديمقراطي الذي تنتمي إليه منافسته هيلاري كلينتون. وقد أفضت التحقيقات إلى أن الرئيس الروسي بوتين قد أصدر أوامر بإطلاق حملة من أجل المسّ بثقة الأمريكيين في العملية الديمقراطية والتأثير في مخرجات العمليّة.

كما أن لقاء ترامب الأصغر، ابن الرئيس الأمريكي ترامب بمحامية روسية خلال الحملة الانتخابية أسال الكثير من الحبر في الصحافة الأمريكية، حيث اتهمت وسائل الإعلام الأمريكية الرئيس ترامب بالتعاون مع جهات أجنبية (روسية) لترجيح كفّته في انتخابات الرئاسة، الاتهامات التي ينفيها ترامب تمامًا.

الخارج له كلمته

التدخلات الأجنبية في الانتخابات الجزائرية ليست جديدة، فجميع الأطراف الخارجية تريد إيصال المرشّح الذي يحفظ مصالحها إلى كرسي الرئاسة. هذا ما خلق تنافسًا أمريكيًا فرنسيًا في انتخابات 2004 الرئاسية بين رئيس الوزراء السابق علي بن فليس وبوتفليقة الذي خرج منتصرًا واحتفظ بالكرسي ثلاث عهدات أخرى. كما أن التنافس الأمريكي الفرنسي عاد مجددًا للظهور في انتخابات 2014 من خلال تفضيل فرنسا لبقاء الرئيس بوتفليقة بعد رحلته العلاجية في فرنسا وتصريحات الرئيس الفرنسي عن صحته وتدخله في الشأن الداخلي الجزائري بشكل مبالغ فيه كما رأى مراقبون.

في نفس الوقت ظهرت تصريحات للسفيرة الأمريكية في الجزائر تفيد بأن «أمريكا لا تعارض أن يكون ابن فليس هو الرئيس القادم للجزائر». تصريحات تمت قراءتها على أنها مؤشر لضغط يجري في الغرف المغلقة بين الدول الكبرى في تحديد هويّة الرئيس القادم.

من المستبعد أن تستخدم روسيا نفس أساليب التأثير على الانتخابات التي استعملتها في حالة الانتخابات الأمريكية والفرنسية أو الألمانية، فالانتخابات الجزائرية المغلقة التي تعاني من التزوير وغلق الأبواب على المرشّحين المحتملين بحسب ما يوثقه المراقبون لا تحتاج إلى هجمات إلكترونية أو اختراق لحواسيب المسؤولين.

اقرأ أيضًا: كيف يستبعد النظام الجزائري المنافسين المحتملين لخلافة بوتفليقة؟

في نفس الوقت فإن استغلال روسيا لتعطّل زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون وتعطّل زيارة المستشارة الألمانية ميركل من خلال زيارة رئيس الوزراء الروسي ميدفيدف للجزائر وحديثه عن تطابق الرؤى بين الجزائر وروسيا في الملف السوري وعرضه التعاون في المجال النووي كلها مؤشرات على أن روسيا تريد أن تلعب دورًا في تحديد الرئيس القادم للجزائر في ظلّ مرض الرئيس الذي يجعل من قضيّة خلافته مسألة عاجلة.

وتمتلك مؤسسة الجيش علاقات استراتيجية مع روسيا منذ الاستقلال خصوصًا وأن غالب تسليح الجيش الجزائري مصدره روسيا، وقد اتفق الطرفان على التكتم على حجم هذه الصفقات وتفاصيلها، خصوصًا بعد حادثة التجسس الإسرائيلي على صفقات الدول العربية مع روسيا وصفقة طائرات Mig الفاسدة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد