«ليس تصرفًا طبيعيًّا، بل مجرم يقول أحكم البلد أو أدمره»، هكذا وصف المتحدث باسم هيئة التفاوض السورية وعضو اللجنة الدستورية، الدكتور يحيى العريضي، حملات الأسد لإعادة فرض نفسه رئيسًا للبلاد مرة أخرى. السوريون داخل البلاد وخارجها ينتظرون إجراء الانتخابات الرئاسية من عدمها خلال 2021، هذه الانتخابات هي الثانية بعد اندلاع الثورة السورية في مارس (آذار) 2011، والتي يجب أن تعقد بين 16 أبريل (نيسان) و16 مايو (أيار) من العام الجاري، وفقًا لقانون الانتخابات السوري في دستور 2012.

وكما المعتاد فإن المرشح الأبرز هو رئيس النظام الحالي بشار الأسد، والذي أعلن إصابته قبل أيام بفيروس كورونا، فالحديث عن ترشح الأسد لم يأت من فراغ، فهنالك تحركات لروسيا تكشفها «ساسة بوست» خلال التقرير؛ لتهيئة المجتمع المحلي في درعا لانتخابه.

اجتماع سري لإعادة الأسد إلى «مهد الثورة»

«التحركات المهمة ستكون في شهر مارس (آذار)»، هكذا تنبأ عضو الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن المعارضة السورية، والذي شغل وزير الثقافة سابقًا في حكومة النظام، رياض نعسان آغا، لتحركات الأسد الانتخابية خلال حديثه لصحيفة «عنب بلدي»، ففي درعا جنوب سوريا، والتي سيطر النظام السوري عليها في أغسطس (آب) 2018، فاجأ الروس أعضاء اللجان المركزية ووجهاء من المنطقة بـ«تحضير درعا لانتخاب بشار الأسد».

ففي حديث لـ«ساسة بوست»، مع أحد أعضاء اللجان المركزية في مدينة درعا، والتي تشكلت إبان عقد المصالحة بين المعارضة والنظام برعاية روسية، كشف عن اجتماع عقد في بداية مارس 2021، بين وفد روسي و23 شخصًا من أعيان ووجهاء عشائر وأعضاء اللجان المركزية في المحافظة، في مقر قيادة القوات الروسية في البانوراما على المدخل الشمالي لمدينة درعا.

وأوضح المصدر لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، «أنه خلال الاجتماع تم طرح أكثر من موضوع»، ولكن بعيدًا عما كان يفكر به الحاضرون، طرح المبعوث الخاص للتسوية السورية الجنرال الروسي، ألكسندر كينشاك، موضوع انتخابات بشار الأسد، مع تشديده على الحضور «ليس فقط المساعدة والتعاون، بل العمل على تحضير هذه البيئة الآمنة الديمقراطية».

ووفق المصدر، «فقد كان حديث الجنرال الروسي واضحًا جدًّا، وبكل شفافية هو لخلق بيئة آمنة طويلة الأمد تتعدى فترة الانتخابات في الجنوب السوري، مقابل تهيئة الشارع لإعادة انتخاب الأسد»، وحول بعض المناطق التي ما تزال خارجة عن سيطرة النظام فعليًّا مثل درعا البلد وطفس، أجاب الجنرال الروسي «بأن الفيلق الخامس سيتكفل بالمهمة»، وفق قوله.

وعقب اجتماع البانوراما بأيام، طلبت قيادة الفرقة الرابعة التي يترأسها شقيق رئيس النظام السوري ماهر الأسد، عقد جلسة مع أعيان المنطقة الغربية في محافظة درعا، ولكن المفاجأة بحسب المصدر، هو تقديم رئيس اللجنة الأمنية التابعة للنظام بدرعا اللواء حسام لوقا وقائد قوات التابعة للفرقة الرابعة العقيد غياث دله، عرضًا بإيقاف عمليات الاغتيال واحتواء الانفلات الأمني؛ بشرط تهيئة الحاضنة الشعبية لإنجاح الانتخابات الرئاسية.

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
«قيصر والـ40 مشروعًا روسيًا» في سوريا.. هل تتمكن موسكو من تنفيذ مخططاتها؟

هذه الاجتماعات يرى المحافظ السابق لدرعا في الحكومة المؤقتة، المحامي علي الصلخدي، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أنها بديهية وضرورة ملحة للنظام السوري، لأن الأسد يحتاج كل صوت في درعا، خاصة أمام المجتمع الدولي، لما لها من رمزية خاصة بوصفها شرارة الثورة ومعقل انطلاق المظاهرات المناهضة لنظام الأسد.

وفي المقابل، لم تكن اجتماعات درعا هي الوحيدة التي عقدت من أجل انتخابات الأسد، ففي منتصف يناير (كانون الثاني) 2021، شهدت بلدة كناكر بريف دمشق، اجتماعًا بين ضابطين روسيين وأعضاء من اللجنة المركزية في البلدة، وطُرحت فيه عروض روسية لأهالي البلدة، تتضمن حل جميع المشكلات التي يواجهونها، إلى جانب الشروع بإخراج المعتقلين في سجون نظام الأسد.

وبحسب ما نقل موقع «الحرة» فإن العروض الروسية لأهالي البلدة تضمنت تقديم مساعدات إنسانية مقابل الحصول على أصوات المجتمع في الانتخابات المقبلة، ما يدل على أن مهمة الروس في الوقت الحالي تنحصر في إطار «جمع أكبر عدد من الناخبين، من أجل إكساب الانتخابات نوعًا من الشرعية»، وفق تعبير المحلل السياسي المختص بالشأن الروسي، نصر اليوسف.

مهمة جديدة للفيلق الخامس تحت ضوء روسي

ساد الاعتقاد لدى الأهالي والمتابعين للأوضاع في مدينة درعا، أن تدخل الفيلق الخامس في جميع الأحداث التي حصلت مؤخرًا، ودخوله وساطة محلية بين المعارضة المسلحة المتبقية في بعض مناطق درعا وبين قوات النظام، تعني أنه قوة يستند إليها لحماية المعارضة المتبقية في الجنوب، سواء المسلحة أو المدنية.

ولكن ذلك بدا مختلفًا، بعد كشف مصدر «ساسة بوست» في اللجان المركزية بدرعا، عن طرح الروس للفيلق الخامس حلًّا وسيطًا في الدخول لإقناع المعارضين بالتهجير نحو الشمال بهدف التخلص منهم، أو تسليم السلاح وعقد تسوية مع النظام السوري بضمانات روسية.

وهو بالفعل ما حدث في مديني طفس والكرك الشرقي بريف درعا، وأكده إصرار الجنرال الروسي خلال الاجتماعات بأن مستقبل الأوضاع في سوريا سيكون حسب المعطيات، وبأن روسيا غير ملزمة بالقرارات الدولية، بما فيها قرار الأمم المتحدة رقم 2254، وبأنَّ الانتخابات الرئاسية لبشار الأسد ستجري في موعدها.

ففي فبراير (شباط) 2021، توصلت اللجنة المركزية والنظام السوري بوساطة الفيلق الخامس، وبحضور وفد روسي، إلى اتفاق يساعد على تهدئة التوتر الحاصل في المدينتين ومنع المزيد من التصعيد في غرب المحافظة؛ لرفضهما تمركز حواجز لقوات النظام داخلهما.

جاء هذا الاتفاق بعد أن أدخل النظام السوري تعزيزات وحشود إلى المنطقة، بذريعة أن هنالك انفلاتًا في الوضع الأمني ووجود عناصر لتنظيم «الدولة» متوارين داخل المنطقة، وانتهى الاجتماع باتفاق على منع تهجير الأهالي إلى الشمال السوري، إلى جانب ذلك، يُسمح للمطلوبين من قبل النظام السوري في الجزء الغربي من درعا التنقل داخل المحافظة فقط بضمان عشائرهم.

كما نصت الاتفاقية على تسليم 14 سلاحًا مضادًا للطائرات استخدم خلال الاشتباكات بين الطرفين، بالإضافة إلى تسليم مقر مبنى البلدية لموظفي النظام السوري، ولاحقًا أعقب اتفاق مدينة طفس إبرام اتفاقية مدينة الكرك التي بدأت فيها قوات النظام حملة عسكرية، لكنها وقفت بتدخل الفيلق الخامس أيضًا.

«أسماء الأسد» تدخل على خط الترويج جنوبًا

أما التحرك الناعم الذي بدأ في جنوب سوريا خلال بداية 2021، تمحور في محاولة البيت الرئاسي لاستمالة أهالي درعا، ولكن هذه المرة عبر زوجة الأسد، أسماء الأخرس، التي يلقِّبها مؤيدوها باسم «سيدة الياسمين»، فمع اقتراب دخول البلاد موعد استحقاق الانتخابات الرئاسية، برز في المشهد السوري ظاهرة جديدة، وهي وضع صورة زوجة رئيس النظام، أسماء الأسد، في بعض الدوائر الحكومية ومكاتب الوزراء، فضلًا عن زيارة سرية إلى مدينة جاسم بدرعا، شكلت مفاجأة لأهالي الجنوب.

الزيارة السرية للغاية، ولم تُعلن إلا بعد مغادرة أسماء الأسد المدينة، ترافقت بحراسة شديدة من القوات الروسية، عبر فرضها طوقًا أمنيًّا حول «مركز الياسمين الخيري» الذي جلست فيه زوجة الأسد لمدة ثلاثين دقيقة، هدفت من خلال زيارتها لدعم التشارك بين الرئاسة والشعب، وفق ما أوضح أحد موظفي بلدية جاسم، لموقع «الحل نت».

وعقب زيارة الأسد لدرعا بأيام، عادت والتقت بكوادر المركز في دمشق، وتلقى الكوادر، تعليمات بـ«توسيع تجربتهم وتطويرها، لأجل البناء المجتمعي؛ والعمل على توزيع منشورات، حول نجاح أبناء درعا في تجاوز آثار الحرب».

أسماء الأسد التي تحاول كسب تأييد الفقراء في محافظة درعا، بحسب ما أكد الإعلامي السوري، أحمد المسالمة، وسعت نشاطها عبر جمعيات خيرية تدعمها شخصيًّا، مثل جمعية «عطاء»، و«بصمة سوريا»، و«البستان»، التي كانت تتبع لرامي مخلوف، ابن خالة الرئيس السوري بشار الأسد، واستولت عليها «الأخرس»، فالحصول على المعونات الصحية أو المعيشية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، التي تمر بها البلاد، بات وسيلة لكسب العديد من العائلات المعدمة، رغم عدم تأييدها للنظام السوري سابقًا.

تحرك زوجة الأسد، وظهورها بشكل ممنهج لمساعدة للفقراء والمحتاجين في الجنوب ومناطق الساحل السوري مسقط رأس الرئيس السوري، دعمته روسيا في وسائل إعلامها، وأيضًا عبر مقابلتها مفوضة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لحقوق الأطفال، بحضور مسؤولين روس وسوريين.

تحرك قد يقوِّض رحلة الأسد في الانتخابات

أكدت روسيا موقفها على المضي في إجراء الانتخابات الرئاسية بسوريا، خصوصًا بعدما صرح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجى فيرشينين، بـ«أن دعوات بعض الدول لعدم الاعتراف بالانتخابات الرئاسية المقررة هذا العام تقوض الأداء المستقر للمؤسسات الرسمية في هذه الدولة».

أما في دمشق يحاول النظام حشد مؤيديه وشحنهم، عبر حملات تقودها أحزاب ومؤسسات داخل العاصمة السورية دمشق؛ لدعم ترشح الرئيس الحالي للنظام بشار الأسد، مثل جمع توقيعات لمليونين ونصف المليون مواطن دعمًا لترشح الأسد، حيث وصفها القائمون عليها بأنها «أطول رسالة حب في العالم».

تقديم العروض المغرية، والقروض المكثفة لحاضنة الأسد من العلويين في الساحل السوري عبر وجه نسائي، لا سيما بعد تحميل الأسد مسؤولية مقتل أكثر من 170 ألف شاب من أبناء تلك المنطقة بينهم نحو 15 ألف امرأة، هي واحدة من عشرات الطرق والأساليب التي يعمل بها النظام السوري، سواء على الصعيد الخارجي أو الداخلي، حسب المعارض السوري أيمن عبد النور خلال حديثه لـ«القدس العربي».

التحرك الداخلي للنظام السوري ومع تأخره حتى بداية عام 2021، كان قد ظهر خارجيًّا في صورة جديدة عليه؛ لكسب أعداد بشرية في صفه، ففي أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وفي موقف هو الأول من نوعه، طالبت وزارة الخارجية السورية بحماية اللاجئين السوريين في لبنان، ومنع أي استغلال لحادثة بلدة بشري للإساءة للاجئين السوريين، والتي شهدت أعمالًا معادية للسوريين أجبرت بعض العائلات منهم على النزوح، بعد مقتل مواطن لبناني على يد مواطن سوري عقب خلاف فردي بينهما.

محاولات تقرب النظام السوري للشعب عبر أساليب مختلفة، حرك اقتراحًا دوليًّا لرفض الانتخابات الرئاسية، فجريدة «الشرق الأوسط» تحدثت عن مسودة وثيقة فرنسية لقطع الطريق على النظام بعد هذه الانتخابات التي يتوقع أن يفوز بها بشار الأسد، والتي تعارض بحسبها «محاولات النظام السوري وحلفائه إعلان نهاية الأزمة، من خلال إجراء انتخابات صورية مزيفة في عام 2021 الحالي، من دون الالتزام بتنفيذ العملية السياسية المستندة إلى القرار (2254)، أو التعامل المباشر مع الأسباب العميقة للأزمة الراهنة».

سوريا

منذ شهرين
تجمع ثوري يدخل عالم اللوبيات.. محاولات الائتلاف السوري الضغط في أروقة واشنطن

أما على الضفة الأخرى، ترافقت حملة النظام وتأكيداته إجراء الانتخابات في موعدها، مع حملة مضادة دعا إليها ناشطون وشخصيات مدنية تحت شعار «لا شرعية للأسد وانتخاباته»، وأعلن هؤلاء عبر مؤتمر صحفي عقد بواسطة تقنية الفيديو، «أن حملتهم ستخاطب الرأي العام السوري داخل البلاد وخارجها، وأنها ستركز في خطابها على السوريين الذين يقطنون ضمن مناطق سيطرة النظام من أجل حثَّهم على عدم المشاركة في هذه المسرحية».

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2020، حدث رئيس «الائتلاف السوري المعارض»، نصر الحريري، السوريين عن الاستعداد للعملية الانتخابية في سوريا، وقال إن «الحل في سوريا لن يكون إلا سياسيًّا، ويجب على المعارضة تجهيز كوادر تكون قادرة على تسلم إدارة العملية الانتخابية في حال جرى التوصل لأي اتفاق سياسي»، مؤكدًا أن «الائتلاف السوري» لن يشارك في أي عملية انتخابية إلى جانب نظام بشار الأسد، وأنه ألغى قرار مفوضية الانتخابات التي أنشأها مؤخرًا، داعيًا «الدول الداعمة للحل السياسي في سوريا إلى عدم الاعتراف بالانتخابات الرئاسية المقبلة، سياسيًّا وقانونيًّا».

الدعم الروسي وتحرك الأسد وحاشيته لبقائه على كرسي الحكم، يرى فيها الدكتور يحيى العريضي، المتحدث باسم هيئة التفاوض السورية وعضو اللجنة الدستورية، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أنها مهزلة، فالنظام يستطيع الفوز بالانتخابات حتى من دون شعب، فالتجربة السابقة لانتخابات مجلس الشعب التي ورد فيها أسماء متوفين في قائمة المصوتين، خير دليل على ذلك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد