حينما أعلن مجموعة من الديبلوماسيين القلقين إطارًا للاتفاق النووي الإيراني الأسبوع الماضي في لوزان، كان هناك ديبلوماسي واحد من الصعب عليه أن يبدي حماسًا ولو مصطنعًا، غادر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف المحادثات في 30 مارس؛ مما سبب كثيرًا من الضيق والانزعاج لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي كان عليه أن يتصل به لإقناعه بالعودة. وبالرغم من أن لافروف قد تحدث بشكل إيجابي إلى الصحفيين حول سير المفاوضات على مدار الأسبوع، إلا أنه على ما يبدو أن لديه الكثير مما ينبغي أن يفعله سوى بذل الجهد من أجل صفقة تقلص مشاكل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتعطيها قدرة أكبر على التركيز مع الهامش الروسي.

ليس لدى روسيا مصلحة مباشرة في إيران مسلحة نوويًّا، ولكن مجرد وجود تهديد من قبل برنامج نووي إيراني غير مقيد، إضافة إلى علاقة عدائية بين واشنطن وطهران، فإن ذلك يوفر مستوى الإلهاء اللازم لموسكو لإبقاء الولايات المتحدة غير قادرة على إعطاء الانتباه اللازم في الفلك السوفيتي الرسمي لروسيا.

“توقيع الاتفاق المبدئي بشأن برنامج إيران النووي في لوزان/ 2 أبريل”

بذلت لروسيا قصارى جهدها لإبقاء الأمريكيين والإيرانيين بعيدًا عن بعضهما البعض، عرضت روسيا على إيران تزويدها بأنظمة دفاع جوي متقدمة، لمواجهة التهديدات الأمريكية بقصف المنشآت النووية الإيرانية، كما شحذت فرق الخبراء النوويين الروس شهية إيران للطاقة النووية السلمية بعروض لتشييد مفاعلات إضافية.

قامت البنوك الروسية بدور كبير في مساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات المالية المفروضة عليها. لم تكن خطة روسيا في مساعدة إيران للحصول على القنبلة، ولكن في استخدام نفوذها كلاعب شائك في الشرق الأوسط لإجبار الولايات المتحدة على التفاوض حول القضايا الحيوية المتعلقة بالأمن القومي الروسي، حتى إذا أرادت واشنطن حل مشكلة إيران، فإنه يتعين عليها ساعتها أن تتراجع في شأن قضايا أخرى مثل منظومة الدفاع الصاروخي (الصواريخ البالستية) في أوروبا الوسطى، التي ترى فيها روسيا منذ الوهلة الأولى محاولة أمريكية لتطويقها.

وعلى ما يبدو فإن الأمور لا تبدو أنها تسير وفقًا للخطة الروسية، فكما كان متوقعًا، دخلت الولايات المتحدة وإيران في مفاوضات ثنائية لحل خلافاتهم الرئيسية. والآن تبدو الدولتان في طريقها نحو تطبيع العلاقات، في الوقت الذي يسعى خلاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمواجهة بناء تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة على طول الحدود الروسية الأوروبية، في الوقت الذي يواجه فيه أزمة اقتصادية وصراعًا على السلطة في البيت الروسي، ولا تبدو الأوضاع أفضل كثيرًا بالنسبة لروسيا على صعيد الطاقة.

روسيا تواجه شبح فقدان عائدات الطاقة

مع احتمالات توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق نهائي بحلول هذا الصيف، فإن ذلك يعني أن براميل إضافية من النفط الإيراني سوف تشق طريقها إلى السوق، مما سيعزز الانخفاض في أسعار النفط، وبالتالي في سعر الروبل، وكي نكون واضحين، فإن النفط الإيراني لن يغرق السوق مباشرة في أعقاب توقيع الصفقة، ولكن يعتقد أن إيران تمتلك ما لا يقل عن 35 مليون برميل مخزنة لديها وجاهزة لاقتحام الأسواق بمجرد إنهاء العقوبات أو تخفيفها من قبل الأوروبيين والأمريكيين. لكن إيران سوف تواجه تعقيدات في جلب حقولها إلى النضوج مرة أخرى، حيث تتطلب تقنيات الاستخلاص المعزز لإحياء حقول تم إيقافها وفرة المال والبنية التحتية، والذي سيكون صعبًا على إيران توفيره عند أسعار نفط تدور حول 50 دولارًا للبرميل. في الفترة الحالية يمكن لإيران إعادة جلب ما بين 400 ألف – 500 ألف برميل يوميًّا على مدار العام، ولكن بشكل تدريجي مع محاولات إيران لجلب الاستثمارات في قطاع الطاقة المتداعي.

ومن المرجح أن يظل المستثمرون الأمريكيون مقيدين بموجب قانون العقوبات الإيرانية الأساسي على الأقل حتى نهاية عام 2016، حيث تنتهي مدة التشريع. ومع ذلك، فإن المستثمرين الأوروبيين والآسيويين سوف يتسابقون في مشاريع إصلاح حقول النفط الإيرانية، طالما أن إيران تقوم بما عليها في تحسين شروط التعاقد وتوفير النفقات الرأسمالية.

روسيا، وفقدان نفوذ الطاقة في أوروبا

إعادة تأهيل قطاع الطاقة الإيراني، وعلى الرغم من كونه سيتم بشكل تدريجي، إلا أنه يعقد معركة روسيا الشاقة في الحفاظ على نفوذها في مجال الطاقة في أوروبا، وتعد روسيا هي المورد الحاسم للطاقة في أوروبا، وتوفر حاليًا نحو 29% و37% من احتياجات أوروبا من الغاز والنفط على التوالي.

وتسعى الولايات المتحدة لخلق المزيد من المعروض في سوق الغاز الطبيعي بشكل عام لإعطاء أوروبا خيارات أكثر لتأمين الطاقة لدفع الاعتبارات السياسية فوق التكلفة الاقتصادية.

وتتجه دول البلطيق فعليًّا نحو هذا الخيار، وأخذت ليتوانيا زمام المبادرة لإنشاء مجمع للغاز المسال لدول المنطقة من أجل تقليص الاعتماد، إن لم يكن إنهاؤه، على روسيا. هذا العام سوف تنشئ بولندا منشأة للغاز الطبيعي المسال خاصة بها، ومن المقرر أن تبدأ محطة لويزيانا في ضخ أولى شحنات الغاز المسال إلى السوق، مع شحنات تم التعاقد عليها بالفعل في آسيا.

في أوروبا الجنوبية، تبدو الصورة بالنسبة إلى روسيا أكثر تعقيدًا، بجانب القضية الهامة والمتعلقة بقيام العديد من شركات الطاقة بتخفيض نفقاتها الرأسمالية، فإن الفيتو التركي على عبور ناقلات النفط المسال عبر مضيق البوسفور كفيل بتحييد مشروع أي منشأة لواردات الغاز الطبيعي المسال على البحر الأسود. لكن أوروبا تسير على قدم وساق نحو خيار أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية عبر بناء شبكة خطوط أنابيب متصلة في جنوب شرق أوروبا، وعلى الرغم من أن الأمر قليل الجدوى على صعيد تخفيف القبضة الروسية على إمدادات الطاقة، ولكنه في ذات الوقت سيجرد موسكو من قدرتها على تسييس التسعير في أوروبا.

وقد سمحت سياسة خطوط الأنابيب في أوروبا لروسيا بمكافأة ومعاقبة جيرانها من دول أوروبا الشرقية من خلال عقود التسعير، وعلى ذلك فإن روكسل تجري دراسة أكثر شمولًا على العقود التي وقعتها دول الاتحاد الأوروبي لهذا السبب تمشيًا مع المبادئ الرئيسية لحزمة الطاقة الثالثة للاتحاد الأوروبي، والتي تسعى لكسر الاحتكار من خلال تقسيم إنتاج الطاقة والنقل والتسعير العادل، وفي نفس الوقت بناء شبكة متصلة تسمح لدول أوروبا بالتأثير على تسعير الغاز القادم من المصب في روسيا.


وكانت هذه المناورة تتجلى بوضوح على مسرح الأحداث في أوكرانيا العام الماضي، تعتمد كييف بشكل مكثف على جيرانها في سلوفاكيا وبولندا والمجر من أجل ضمان تدفقات عكسية من الغاز الروسي بأسعار مخفضة للوقوف في وجه الحظر الروسي. وعلى الرغم من أن الغاز الروسي سيظل يتدفق في المقام الأول من خلال تلك الأنابيب، إلا أن التوسع في شبكة الموصلات سوف يفتح الطريق أمام الغاز غير الروسي من بحر الشمال، ومحطات الغاز المسال في شمال أوروبا لشق طريقها جنوبًا إلى دول المواجهة المحاصرة مثل أوكرانيا.


لقد تصورت روسيا أنها ستصبح قادرة على تثبيت أحد خطاطيفها في جنوب أوروبا من خلال إنشاء محطة “ساوث ستريم” وهو خط أنابيب عملاقة بتكلفة 30 مليار دولار وقدرة حوالي 63 مليار متر مكعب، وحذف أوكرانيا من المعادلة عبر تمرير الغاز عبر البحر الأسود والبلقان ووسط أوروبا. ولكن انخفاض أسعار الطاقة من ناحية والمقاومة الأوروبية المتزايدة لإنشاء خط أنابيب آخر من شأنه أن يعطي أفضلية لروسيا في التحكم في السياسات قد أرسل بهذا المشروع إلى قبره. ولكن كان لدى روسيا خطة بديلة وهي أن خط التدفق التركي يصل إلى اليابسة بعد عبور البحر الأسود، بما يسمح بإمكانية استخدام خط أنابيب البحر الأدرياتيكي وخط الأنابيب الأناضولي لتغذية جنوب أوروبا من خلال مشاريع موصلات وخطوط أنابيب تقع قيد التطوير بالفعل، يبدو أن الخطة الروسية مبهرة بالفعل، وهي استخدام نفس البنية التحتية التي تعدها أوروبا للابتعاد عن روسيا، بما يسمح لروسيا بزرع نفسها في قلب مزيج الطاقة الأوروبي عبر شريك يبدو على استعداد هي تركيا.

ولكن الخطة لا تزال مليئة بالثغرات، حيث تحتاج أولًا إلى ممول لتوسيع خط الأنابيب الرئيسي بين روسيا وتركيا، وسوف يعاني كل منهما في إيجاد مستثمرين من القطاع الخاص في ظل المناخ الجيوسياسي ووضع التسعير الحالي، علاوة على ذلك، لا يوجد ما يشير إلى أن الأوروبيين سوف يكونون على استعداد للحصول على الغاز الطبيعي الروسي من خلال تدفق خط أنابيب تركي تحت الإنشاء في وجود خط أنابيب جيد وصالح تمامًا يمتد من روسيا إلى أوروبا الشرقية بالفعل. في النهاية لا تملك روسيا رفاهية رفض طلبات الغاز في ظل تراجع عائد الطاقة، وهذه التهديدات ليست سوى خدعة روسية يعيها الأوروبيون جيدًا.

عندما وافق بوتين على صفقة لتوريد الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا لمدة 3 شهور خلال الأسبوع الماضي مع خصم كبير (247 دولارًا لكل ألف متر مكعب)، فإنه من المرجح كان يعي أنه، في الفترة الماضية، كان يلعب لعبة قاسية مع أوكرانيا في مجال الطاقة من شأنها أن تدفع الأوروبيين نحو مزيد من الاستثمارات في بناء خطوط الأنابيب والوصلات في جنوب شرق أوروبا، والتي من شأنها أن تسرع وتيرة تراجع نفوذ الطاقة الروسي في أوروبا، أفضل ما يأمله بوتين حاليًا هو أن يتباطأ هذا الجدول الزمني.

لن يقتصر التراجع الروسي على فقدان روسيا قدرتها على التحكم في الأسعار فقط، ولكن إمدادات الطاقة ذاتها سوف تتراجع على المدى الطويل. كانت أذربيجان أول الممرات الجنوبية لأوروبا للتحايل على روسيا، وتتوسع الآن في هذا الدور من خلال جلب الغاز من حقولها في شاه دينيز إلى التصدير. تركمانستان لا تزال عرضة للتدخل الروسي، ولكنها أبدت استعدادًا في وقت سابق لاستضافة المستثمرين الأتراك والأوروبيين الذين يتطلعون لإنشاء خط أنابيب في بحر قزوين لتغذية أوروبا. ترجمة هذه المحادثات إلى عمل يتوقف إلى إرادة حكومة التركمان للوقوف في وجه روسيا، ناهيك عن المعارك القانونية على بحر قزوين، وبينما تستمر مغازلة عشق آباد من قبل الغرب، فإن إيران الآن هي أحدث المنضمين إلى الممر الجنوبي.

تراجع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط

 

بعد يوم واحد من إعلان اتفاق الإطار النووي الإيراني، نشرت صحيفة ريا نوفوستي الروسية المملوكة للدولة قصة نقلًا عن إيجور كروتشينكو رئيس مركز تحليل تجارة الأسلحة العالمية في موسكو، قوله إن على روسيا أن تتابع عملية تصدير صواريخ أرض جو (إس -300) إلى طهران بمجرد رفع العقوبات عنها، وأشار إلى أن مواصفات هذه الصفقة سوف يتعين الإدلاء بها لأن الولايات المتحدة تراقب عن كثب أولئك الذين يحصلون على مثل هذه الأسلحة، في ذات السياق لفت نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف إلى أهمية رفع حظر السلاح كجزء من الاتفاق النووي. ربما لفتت هذه التصريحات نظر واشنطن لكنها لم تتوقف كثيرًا عندها، ربما كانت الأمور جديرة بالتوقف حين كانت الولايات المتحدة راغبة في الحفاظ على قوة ردع عسكرية ضد طهران، أما إذا كان البلدان في طريقهما للتوصل إلى تفاهم يحيد هذا التهديد من خلال الوسائل السياسية، فإن صفقة الصواريخ الروسية ستصبح بلا قيمة.

كان هذا توضيحًا بسيطًا للكشف عن تراجع موقف روسيا في الشرق الأوسط. لسنوات طويلة كان الشرق الأوسط هو حديقة الورود بالنسبة للروس، والذي كان يجمع بين الجذابة لجلب واشنطن نحو المفاوضات والأشواك الوافرة لوخزها متى دعت الحاجة لذلك. سوف يستمر دعم موسكو للحكومة السورية، وسوف تستمر في تزويد دول المنطقة بصفقات الأسلحة لدواعي سياسية واقتصادية. ومع ذلك فإن إسقاط الحكومة الروسية لم يعد على قائمة أولويات واشنطن، دولة مثل مصر ستظل تعطي أولويتها القصوى للعلاقات مع الولايات المتحدة في نهاية المطاف.

يبدو النفوذ الروسي في الشرق الأوسط يتلاشى بسرعة في الوقت الذي تتملص فيه أوروبا من قبضة الطاقة في روسيا. وبينما تضيق خيارات روسيا وتتنامى خيارات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأوروبا، يبدو بوتين في وضع غير مريح. ولكن مهما ضاقت الخيارات الروسية فإن ذلك لا ينبغي أن يجعلها أقل مراعاة للاهتمام الأمريكي ما دامت المواجهة مستمرة بين واشنطن وموسكو.

عرض التعليقات
تحميل المزيد