نشر مكتب الإحصاءات الروسي، يوم الإثنين 21 مارس (آذار) 2016، إحصائياته الخاصة بالأوضاع الاقتصادية في روسيا. وطبقًا لما نشره المكتب، فقد وصل عدد الروس الذين يعيشون تحت خط الفقر، إلى 19,2 مليون شخص، خلال عام 2015، وذلك من إجمالي حوالي 144 مليون نسمة لنفس العام.

ويُشار إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد بنى شعبيته منذ وصوله لسدة الحكم عام 2000 على التقدم المميز الذي أحرزه في مجال محاربة الفقر، فهل تزايد نسبة الفقر بهذه المعدلات، يمكن أن يتسبب في تراجع شعبيته وسقوطه بعد وصوله للقمة؟

إحصائيات

تمثل نسبة أولئك الناس، حوالي 13,4% من السكان، وقد حددت الحكومة الروسية خط الفقر في الفصل الأخير من العام الماضي بقيمة 9452 روبل روسي وهو ما يوازي 139 دولار أمريكي شهريًا.

وتفاوتت هذه النسبة بين بداية عام 2015 وبين نهايته، فكانت البداية مرتفعة جدًا، إذ وصلت إلى نسبة 15,9% من إجمالي السكان أي 22,9 مليون نسمة. وهبطت هذه النسبة مع نهاية العام إلى 10% فقط من إجمالي السكان وهو ما يساوي 14,5 مليون نسمة.

في عام 2014، وصلت نسبة الروس الذين يعيشون تحت خط الفقر 11,2% من إجمالي السكان وهي نسبة تساوي 16,1 مليون نسمة، وهو ما يعني أن زيادة مقدارها 20% بين عامي 2015 و2014. ومع هذا فتظل معدلات الفقر هذه أقل كثيرًا من معدلات الفقر عندما استلم الرئيس الروسي قيادة البلاد عام 2000، إذ كان 29% من إجمالي سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر.

وكان البنك الدولي، قد حذر خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، من حدوث زيادة كبيرة في نسب الفقر في روسيا، ناجم عن الانخفاض الحاد في مدخولات الفئات الاجتماعية الأقل ضعفًا، بما في ذلك المتقاعدين. وكان رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفيديف اعترف في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، بأن زيادة نسب الفقر التي تشهدها البلاد تمثل «واحدة من أكثر الانخفاضات إيلامًا».

وتراجعت الأجور الحقيقية للمواطنين الروس بنسبة 6,9% في شهر فبراير (شباط) الماضي مقارنةً بنفس الفترة من عام 2015. كما انخفضت نسبة مبيعات التجزئة في البلاد بمقدار 5,9% في نفس الشهر مقارنةً بنفس الفترة عن العام الماضي أيضًا.

لكن هذا التراجع يراه المحللون، انتكاسة كبيرة لبوتين وحكومته، الذي نجح في تكوين شعبية صلبة له من خلال ارتفاع معدلات الدخل للأفراد في روسيا منذ وصوله، وهو ما ساعده على البقاء لفترتين رئاسيتين مدتهما 10 أعوام ليقوم بلعبته الشهيرة مع رئيس وزرائه ويتولى هو منصب رئاسة الوزراء ويجعل رئيس وزرائه هو الرئيس في نية واضحة للعودة مجددًا للحكم، لكن بعد التحايل على الدستور الذي لا يسمح للرئيس بأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين، وكل هذا بمباركة قطاع واسع من الشعب الروسي.

وبمساعدة وسائل الإعلام الحكومية، تمكن بوتين من الحفاظ على شعبيته بنسبة وصلت إلى 87% خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، وذلك وفقًا لإحصائيات التي نشرها مركز ليفادا المستقل للدراسات في العاصمة موسكو. لكن شعبية بوتين هبطت بنسبة 10% خلال شهر مارس (آذار) الحالي لتصل إلى 73%.

اقتصاد روسيا

رئيس الوزراء الروسي اعترف بسوء معدلات الفقر في البلاد

 

أزمة اقتصادية خانقة في روسيا

ويعاني الاقتصاد الروسي من أزمة اقتصادية خانقة نتيجة عملية ركود واسعة في البلاد. وينزلق المزيد من المواطنين الروسيين نحو هاوية الفقر على خلفية العقوبات الغربية، وتهاوي أسعار النفط التي ضربت القطاع الاقتصادي الروسي في مقتل، خصوصًا وأنه اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على الطاقة، مما تسبب في تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.

وانكمش الاقتصاد الروسي خلال عام 2015 بنسبة 3,7%، مع توقعات باستمرار هذا الانكماش خلال العام الحالي. وكان وزير المالية الروسي السابق، أليكسي كودرين، قد صرح لوكالة الأسوشيتد برس بأنه لم يستبعد أن يتراجع اقتصاد روسيا بنسبة 2% خلال العام الحالي إذا ما استمرت أسعار البترول في التراجع. وذكرت وكالة التصنيف الروسية أنها لا تتوقع حدوث نمو في الاقتصاد الروسي قبل عام 2018.

منظمة التصنيف الائتماني ستاندرد أن بورز، كانت قد ذكرت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أنها تتوقع عجزًا في الميزانية الروسية بنسبة 4,4% خلال عام 2015، مما سيتسبب في تقليص حجم الإنفاق الحكومي والضمان الاجتماعي الذي تقدمه الحكومة. وكانت الحكومة قد ضخت 40 مليار دولار أمريكي من أجل إنقاذ النظام المصرفي.

العجز بهذه الحدود، يمكن السيطرة عليه والتعامل معه بسهولة، بالنسبة للحكومات الغنية، التي تتميز بأسواق عميقة لرأس المال. لكن الوضع بالنسبة لروسيا يختلف وذلك في خضم ركود السلع والمواجهة الجيوسياسية مع الغرب. فالغاز والنفط الروسي لا يغطيان سوى نصف الميزانية فقط الآن. ويذكر الخبراء الاقتصاديين أن روسيا لا يمكنها أن تتجاوز هذا العجز، وبحلول نهاية هذا العام لن يكون هناك أي أموال متبقية في صندوق النفط الاحتياطي، ووزارة المالية الروسية تعرف أن الأموال ستنفد خلال شهور ليست بالكثيرة.

اقتصاد روسيا

هل يبقى الكرملين شامخًا أم تهزه الازمة الاقتصادية؟

 

أثر الحرب السورية على روسيا

ويشير محللون إلى أن قرار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بسحب الجزء الرئيسي من قواته المقاتلة في سوريا، جاء على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية في روسيا وعدم قدرة الاقتصاد المنهار على استيعاب النفقات الكبيرة للحرب في سوريا. وكانت روسيا قد تدخلت عسكريًا بشكل مباشر في الحرب السوري يوم 30 سبتمبر (أيلول) 2015، وظلت هناك لمدة 137 يوم.

كما تشير التقارير الخاصة بهذه الحرب، إلى أن تكلفة التدخل العسكري الروسي، وصل إلى ما بين ثلاثة وأربعة ملايين دولار يوميًا، طبقًا لإحدى المراكز العسكرية المتخصصة، وهذا دون حساب قيمة صواريخ كروز التي كانت تطلقها السفن الحربية الروسية من البحر. وبالتالي فإننا نتحدث عن حد أدنى للمصاريف الروسية يتراوح بين 498 – 664 مليون دولار. وقد يظن البعض ان هذا المبلغ قليل نسبيًا مقارنةً مع ميزانية وزارة الدفاع البالغة 50 مليار دولار.

لكن الحقيقة هي أن الحكومة الروسية، ونتيجة للوضع الاقتصادي المتدهور، قد قررت تخفيض ميزانية وزارة الدفاع بنسبة 5% خلال موازنة عام 2016، وبالتالي فإنها ستقلص الميزانية بقينة 2,5 مليار دولار، وهو مبلغ يصل إلى خمسة أضعاف تكلفة الحرب الروسية في سوريا.

اقتصاد روسيا

روسيا اضطرت للانسحاب من سوريا

 

أزمة النفط

ويمكننا العودة إلى ما ذكرته وكالة موديز العالمية للتصنيف الائتماني، في الخامس من مارس (آذار) 2016، لمعرفة مدى تأثير انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد الروسي. الوكالة أعلنت أنها قامت بتخفيض التصنيف الائتماني لروسيا عند (BA1)، أي أنها على قائمة المراجعة لتخفيض محتمل. وذكرت الوكالة أنها بعد مراجعة تقييم درجة تأثير الانخفاض المتزايد في أسعار النفط على الاقتصاد الروسي وميزان مدفوعاته، وجدت أنه سيؤثر على التزام روسيا بسداد التزاماتها خلال الأعوام القادمة، خصوصًا في ظل احتمالية بقاء أسعار النفط منخفضة لعدة سنوات.

وتقوم الميزانية الروسية خلال عام 2016 على اعتبار أن أسعار النفط هي 50 دولار للبرميل الواحد، لكننا شهدنا وصول سعر برميل خام برنت خلال الشهرين الماضيين إلى 29 دولار للبرميل، وعند لحظة كتابة هذا التقرير فإن سعر خام برنت وصل إلى 40 دولار للبرميل.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد