مع اندلاع شرارة الثورات العربية بدا الموقف الرسمي الروسي مرتبكَا يحمل في ثناياه حالة معادية للاحتجاجات الشعبية. وذلك انطلاقًا من المصالح الجيوسياسية الروسية كمنهج وحيد للتعامل مع طموحات وإرادة شعوب المنطقة العربية.

تلك الحالة أعربت عنها النخب السياسية الروسية في عدة تصريحات رسمية، حيث أخذ قادة سياسيون روس يحذرون من مخاطر وصول الإسلاميين المتشددين للسلطة أو تقسيم البلدان الثائرة إلى دويلات ليس لها بديل سوى الخضوع للإرادة الغربية. ومع ذلك سُجِّل على روسيا تفاوت واضح في التعامل مع تلك الثورات، فإذا كانت الثورة المصرية أوفر حظًا من بين بقية الثورات في حصولها على تأييد روسي غامض وغير محدد المعالم، فإن الثورات الشعبية في بلدان أخرى، منها ليبيا وسوريا واليمن، اصطدمت بصخرة الإصرار الروسي على ضرورة انصياع شعوب هذه البلدان لحكامها، نظير بعض الإصلاحات والمكاسب السياسية.

“ساسة بوست” تستعرض الموقف الروسي من الثورات العربية.

ما هو الموقف الروسي من الثورات العربية؟

لم تعلن روسيا تأييدها الصريح للثورات العربية وأخذت تنتظر ما ستؤول إليه التحركات وهي تؤكد بالتصريحات الرسمية على أهمية الاستقرار الداخلي للدول العربية حتى تبقى على علاقة مع الدول أيا كان الذي سيصل إلى السلطة في النهاية.

ومع هذا يسجل على روسيا تفاوت في التعامل مع تلك الثورات، حيث لم تهتم القيادة الروسية بما حدث في تونس من متغيرات مع الثورة، وكذلك الأمر بالنسبة لأحداث البحرين، أما تجاه الثورة اليمنية وتداعياتها، فأعربت روسيا عن تخوفها من سير الأحداث، بحجة أن المعارضة اليمنية “مسلحة”، وتضم “عناصر إرهابية”، وكشفت تصريحات المسؤولين الروس عن تحفظات أساسية حيال الثورة اليمنية.

بينما نالت الثورات في كل من مصر وليبيا وسوريا اهتماما روسيا واضحا؛ فلم تقبل روسيا الثورة المصرية، في البداية وانتقد مسؤولوها ما يجري من حراك احتجاجي معربين عن الخشية مما تحمله الثورة من متغيرات، ورغم أن إسقاط نظام حسني مبارك كان فرصة للنظام الروسي، حيث لم تربطه به أي علاقات مميزة، حيث وضع الأول كل أوراقه في يد الولايات المتحدة الأميركية. لكن القادة الروس لم يقطعوا اتصالاتهم مع مبارك إلى أن تنحى عن السلطة. واضطرت السلطات الروسية إلى تغيير موقفها بعد نجاح الثورة المصرية في إزاحة نظام مبارك، فجاء الإعلان الروسي بدعم الثورة متأخرًا، وغير واضح المعالم، ولم يتجسد في خطوات محددة على الأرض.

أما الموقف الروسي حيال الثورة الليبية فجاء مشككًا وممانعًا، وسرعان ما عارضت روسيا أكثر من قرار دولي حول ليبيا، وأعربت عن خشيتها من أن يؤدي أي تدخل عسكري في ليبيا إلى دخولها في أتون الحرب الأهلية، وحاولت منع صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 الذي فرض منطقة حظر جوي على ليبيا، إضافة إلى فرضه عقوبات على نظام القذافي، فامتنعت عن التصويت لصالح القرار، لكنها لم تستطع منع صدوره، نظرًا للإجماع الدولي عليه، ولكونه جاء تحت مبدأ التدخل الإنساني وحماية المدنيين. ثم بعد دخول الثوار إلى طرابلس وهرب القذافي منها، اضطرت روسيا إلى تغيير موقفها، فاعترفت بالمجلس الليبي الانتقالي، وجاء اعترافها بالمتغيرات الجديدة متأخرًا أيضًا، ولم يلاق أي صدى إيجابي.

لماذا اختلف الموقف الروسي تجاه الثورة السورية وما هي انعكاساته؟

تجاه الثورة السورية، تنطلق روسيا من رؤية إستراتيجية تتعلق بمكانتها على الساحة الدولية، حيث تميل إلى تفسير المواقف الراهنة تجاه ما يحدث في سوريا كصورة أخرى للصراع الدولي على قطف ثمار الثورات العربية وتحقيق مكاسب نفوذ في المنطقة.

فعلى عكس تعاملها مع الثورات في الدول العربية اعتبرت روسيا سوريا بمثابة حجر زاوية في أمن منطقة الشرق الأوسط، ورأت أن عدم استقرار الوضع فيها أو نشوب حرب أهلية سيؤدي إلى زعزعة استقرار الأوضاع في دول الجوار الإقليمي خاصة في لبنان بل وصعوبات في المنطقة بكاملها وتهديد حقيقي للأمن الإقليمي، وبالتالي كان الموقف أوضح من ذلك حين التزمت روسيا بالدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري الواضح لنظام بشار الأسد في ظل دعوات بالإصلاح السياسي والاجتماعي في الوقت الذي تدين فيه الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية الأحداث في سوريا.

وتمنع القيادة الروسية صدور أي قرار يدين النظام السوري أو يفرض عقوبات دولية عليه. وعلى إثـر الموقف الروسي المؤيد للنظام السوري تراجعت العلاقات العربية الروسية وأصبحت مرشحة لمزيد من التباعد السياسي والعلمي والعسكري مع إصرار روسيا على سياساتها المؤيدة لنظام الأسد وتصدير السلاح للنظام في وقت تنتهك فيه قوات الأسد الثوار والمواطنين السوريين. وسياسيًا استخدمت روسيا الفيتو بالاعتراض على ثلاثة قرارات لمجلس الأمن الدولي لإدانة ومعاقبة النظام السوري، كل هذا جعل هناك ترقب من الجانب العربي لردود الأفعال الروسية تجاه الأحداث في سوريا وساد الاعتقاد بأن ما يحرك روسيا تجاه المنطقة العربية هو مصالحها وحساباتها الخاصة.

ما هي المصالح التي تحرك الموقف الروسي تجاه الثورات؟

على مدى السنوات العشر الماضية، استطاعت روسيا إعادة بناء علاقاتها مع عدد كبير من الدول العربية، تلك العلاقات تتضمن حلفاءها التقليديين، وفي مقدمتهم سوريا وليبيا والجزائر، والشركاء الجدد، مثل دول الخليج والأردن.

إذ أن لروسيا مصالح حقيقية تسعى للحفاظ عليها وتنميتها، حتى مع تغير النظم الحاكمة في بعض الدول العربية عقب الثورات. فروسيا لا تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية أو ممارسة دور أمني أو عسكري ينافس الوجود الأمريكي المكثف في المنطقة العربية، وإنما تسعى إلى شراكة استراتيجية بالمعنى الاقتصادي والتقني، ذات عائد اقتصادي مباشر لها.

ويرى الخبراء أن روسيا ركزت في علاقاتها العربية على الجانب الاقتصادي والتنموي إدراكًا من السياسة الروسية أن تدعيم الاقتصاد القوي سيعيد إلى روسيا مكانتها على الساحة الدولية فضلًا عن القدرات العسكرية. ففي عام2012 بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول العربية 14 مليار دولار، إضافة إلى ذلك تسعى روسيا إلى تنشيط صادراتها من الأسلحة للمنطقة نظرا لما تمثله عوائدها من مورد مهم للدخل القومي.

لماذا تتخوف روسيا من الإسلام السياسي؟

تتأصل الكراهية المعلنة من قبل روسيا للثورات العربية ليس فقط بسبب التجربة الروسية التي تعود إلى ثورة البلاشفة في 1917 أو انتشار السلفية الجهادية في شمال القوقاز، وإنما أيضًا من طبيعة النظام الحالي، الذي يعلن إيمانه والتزامه بالديمقراطية، لكنه في جوهره استبدادي كما يؤكد الخبراء.

فأكثر ما يقلق روسيا هو أن المستفيد الأكبر من هذه الثورات هي الحركات الإسلامية، لذا تتخوف من صعود تيار الإسلام السياسي ووصوله إلى السلطة في بعض دول المنطقة، ولا تستثني نفسها من هذا الأثر، إذا تخاف روسيا من أن تنعكس الثورات على الداخل الروسي الذي لا يزال يعاني من “الإرهاب” كما تقول، وذلك في أعقاب الموجات العنيفة من عدم الاستقرار في منطقة القوقاز الروسي طوال التسعينات. وهذا ما دفع بوتين لتعهد بمواجهة هذه الجماعات منذ ظهوره على الساحة السياسية عام 1999.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد