تقدم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في 30 سبتمبر (أيلول) 2015، بطلب إلى برلمان الاتحاد الروسي للموافقة على التدخل العسكري في سوريا، وبمجرد أن حصل عليها بدأت الطائرات الروسية باستهداف مواقع تابعة للمعارضة السورية في حمص وحماة واللاذقية ودمشق وريفها، والكثير من المواقع الأخرى، وقد غيَّر هذا التدخل مجرى المعارك وموازين القوى لصالح النظام السوري بسرعة كبيرة.

كان النظام السوري يعيش أصعب أيامه بعدما تمكنت المعارضة السورية وتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» وقوات سوريا الديمقراطية من التقدم والسيطرة على مساحات واسعة من البلاد، وباتت قبضته تتراجع ويفقد السيطرة على الكثير من المناطق، خاصة أن طيرانه الحربي والمروحي لم يكن ذا فاعلية خلال المعارك العسكرية بسبب دقة إصابته الضعيفة.

ففي الثامن من سبتمبر (أيلول) 2015 شن تنظيما «جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن» التابعين للـ«جيش الحر» عملية عسكرية أطلق عليها معركة «الله غالب»، والتي تمكنا فيها من السيطرة على سلسلة من الجبال المطلة على العاصمة دمشق، وشكلت أكبر تهديد للنظام بسقوط عاصمته أو محاصرتها على أقل تقدير، الأمر الذي سرَّع من تدخل روسيا الذي غيَّر من طبيعة الصراع على الأرض السورية.

من دفع روسيا لتدخل الحرب السورية؟

كان النظام السوري يئن تحت ضربات فصائل المعارضة السورية المختلفة وجبهة النصرة سابقًا (هيئة تحرير الشام حاليًا) بالإضافة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، على الرغم من الدعم الكبير الذي حصل عليه النظام من حزب الله اللبناني والمليشيات الإيرانية المتعددة؛ إذ لم يُحدِث هذا الدعم أي فرق كبير في موازين القوة على الأرض، إلا أن التدخل العسكري الروسي غيَّر كل شيء تقريبًا، وأمال الكفة لصالح النظام سريعًا.

فعندما تدخلت روسيا عسكريًّا كانت سوريا مقسمة بين أربع قوى: النظام السوري، والمعارضة، وقوات سوريا الديمقراطية الكردية «قسد»، وتنظيم «داعش» الذي سيطر على المساحة الأكبر من الأراضي السورية، وكان نظام الأسد في أضعف حالاته، الأمر الذي أجبره على طلب التدخل الروسي العسكري المباشر، لكن هل حقًّا تدخلت روسيا من جراء الطلب السوري فقط؟

في 16 أغسطس (آب) 2020 فجَّرت صحيفة «الجارديان» البريطانية قنبلة من العيار الثقيل عندما نشرت تقريرًا قالت فيه إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان وراء إقناع روسيا بالتدخل العسكري في سوريا، وذلك وفقًا لرواية مسؤول المخابرات السعودي السابق، سعد الجبري، المختبئ حاليًا في كندا، والذي كشف عن هذه المعلومات على مسؤوليته للمرة الأولى.

Embed from Getty Images

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قمة مجموعة العشرين

ووفق تقرير الجارديان، أكد الجبري أن ابن سلمان طلب التدخل الروسي في سوريا، وحسب مصادر الصحيفة أيضًا فإن محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي التقى ابن سلمان في فبراير (شباط) 2015 في معرض أسلحة «أيديكس» في أبوظبي، وأكد له أن ثورة بقيادة الإخوان المسلمين في سوريا أخطر على الخليج العربي من بقاء بشار الأسد في السلطة.

وأكدت الصحيفة أن ابن زايد أقنع ولي العهد السعودي بالبحث عن تحالفات جديدة لحسم المنافسة بينه وبين أطراف أخرى داخل العائلة المالكة على السلطة، وأشار عليه بالنظر نحو روسيا والصين، وأكدت الصحيفة أن الاستخبارات السعودية حققت نوعًا من النجاح في ضمان الدعم الغربي والخليجي المقدم للجماعات والفصائل المعارضة في سوريا، إلا أن صعود ابن سلمان قد أدى إلى تلاشي هذا النجاح، حسب وصفها.

وأشارت صحيفة «الجارديان» حينها حسب الجبري، إلى أن ابن سلمان التقى بوتين في مدينة سانت بطرسبرج الروسية وناقشا دخول روسيا في الحرب السورية؛ الأمر الذي أغضب الإدارة الأمريكية؛ إذ التقى جون برينان المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية مع الجبري وأخبره بأن التصرف السعودي أعطى قبلة الحياة للأسد.

لكن هل كان الطلب السعودي هو الوحيد الذي دفع روسيا للتدخل حقًّا في سوريا؟ أم أن هناك طلبًا آخر جاء إلى موسكو؟ في 27 ديسمبر (كانون الأول) 2020 أشار حسن نصر الله أمين عام حزب الله اللبناني، إلى أن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، اجتمع مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لمدة ساعتين بحضور مسؤولين روس وأقنعه بالتدخل.

وأكد نصر الله في حديثه لقناة الميادين أن سليماني عرض خلال الاجتماع خرائط تشرح الوضع العسكري في سوريا، وناقش معه آليات العمل، واستطاع أن يقدم إضافة، حسب قوله، أدت إلى اتخاذ روسيا قرار التدخل، موضحًا أن بوتين اقتنع بجدوى الدخول العسكري إلى سوريا بعد عرض سليماني للواقع الميداني، حسب وجهة نظره، لكن هل كان بوتين يحتاج إلى عرض سليماني ليتدخل في حرب من هذا النوع؟

Embed from Getty Images

خطاب حسن نصر الله بعد مقتل قاسم سليماني 

الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، يقول لـ«ساسة بوست» إن «روسيا دعمت النظام منذ بداية الثورة السورية، وكانت تراقب بحذر تحركات الدول الفاعلة، وتدخلت للحفاظ على نفوذها ولا تحتاج لضوء أخضر أو أن يطلب أحد منها ذلك؛ إذ إن مصالحها مرتبطة ببقاء النظام السوري؛ إذ بمجرد تدخلها عسكريًّا تحكمت بقيادة أركان النظام، وصولًا إلى استثمار تدخلها العسكري سياسيًّا».

حل حققت روسيا ما أتت من أجله؟

أعلنت روسيا أنها تدخلت في سوريا عسكريًّا لدعم نظام الأسد في محاربته لتنظيم «داعش» ولدعم الاستقرار في البلاد، تجنبًا لتكرار سيناريو العراق وأفغانستان أو الصومال، وأكد بوتين أنه لن يقف متفرجًا بينما آلاف الأشخاص يركضون في سوريا حاملين الرشاشات، ومنهم من سينتهي بهم الأمر بتهديد الأراضي الروسية، لذا كان عليه أن يدعم النظام السوري كي لا يصل هذا التهديد إلى حدود بلاده.

وبالفعل كان هناك المئات من المقاتلين ممن ينتمون للشيشان وجورجيا وداغستان وغيرها من دول منطقة القوقاز، يحاربون إلى جانب جبهة النصرة التي كانت تقاتل مع فصائل المعارضة وأيضًا مع تنظيم «داعش».

ويشير تصريح الرئيس الروسي إلى أن هذا الأمر أقلق روسيا؛ إذ تخوفت أنه في حال سقوط النظام السوري فإن هؤلاء سيجدون لهم موطئ قدم في الأراضي السورية ويشنون انطلاقًا منها هجمات على روسيا، لكن هل تمكنت روسيا من تحقيق دعم استقرار تلك المنطقة لصالحها ومنع المقاتلين المناوئين لها من الحصول على موطئ قدم في سوريا وهو ما تقول إنه قلقها الرئيسي؟

Embed from Getty Images

عربة روسية وجنود موجودون على الأرض في ريف حلب

رغم أن روسيا أعلنت أن تدخلها جاء لمحاربة ما أسمته «التنظيمات الإرهابية» وعلى رأسها تنظيم «داعش»، فإن أكثر من 95% من غاراتها الجوية كانت تستهدف مناطق تابعة للمعارضة السورية، وعلى رأسها الجيش السوري الحر الذي تلقى الدعم من الدول الغربية، وأدت تلك الغارات لمقتل وجرح آلاف المدنيين.

ولم تكتف روسيا بالضربات الجوية؛ إذ نشرت آلاف الجنود الروس في الكثير من القواعد والنقاط العسكرية في سوريا، والذين يوجدون بكافة جبهات القتال ويضعون الخطط ويقومون على تدريب جيش النظام السوري أيضًا، على الرغم من أنها قالت في السابق إنها لن ترسل أي قوات برية لدعم النظام السوري وستكتفي بالدعم الجوي فقط لا غير.

يؤكد وائل علوان لـ«ساسة بوست» أن «روسيا خلال الست سنوات الماضية كانت تستهدف فصائل الجيش الحر المعتدلة التي ترفع علم الثورة بذريعة وجود فصائل مصنفة على الإرهاب الدولي بين صفوفها، وكذلك كانت تستهدف جميع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، وتعمدت ألا تقضي على الفصائل الإرهابية، أو أن تعزلها عن بقية الفصائل المعتدلة المشاركة في العملية السياسية، حين كان هناك تمثيل للفصائل في الجسم السياسي للمعارضة السياسة»، ويرى علوان أن «الهدف الرئيسي لروسيا هو إخضاع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري وتحقيق الحسم العسكري، واستثمار ذلك سياسيًّا بحيث يبقى النظام متماسكًا، ومُتحكمًا به من قبلها».

وبخصوص المقاتلين ذوي الأصول القوقازية الموزعين بين تنظيم «داعش» وجبهة النصرة والمتحالفين معها من فصيل أجناد القوقاز، لم تقدم موسكو على محاربتهم، بل تكفَّل التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة بقتل عدد من قيادات «داعش» القوقازيين، منهم عمر الشيشاني، فضلًا عن أن «مسلم الشيشاني» وهو أهم قيادي حارب روسيا سابقًا ويقود فصيل «جنود الشام» المكون من ألف مقاتل جميعهم من منطقة القوقاز، لم تستهدفه القوات الروسية أو تُنه وجود فصيله، بل علمت هيئة تحرير الشام بذاتها على إنهاء وجوده في إدلب مؤخرًا.

كيف استفادت روسيا من تدخلها في سوريا؟

روسيا لن تعمل بالمجان على نشر ما سمته «الاستقرار» في سوريا، ولن يخيفها أيضًا بضعة أشخاص قد يهددون أمنها انطلاقًا من سوريا، فبالتأكيد هناك أسباب أخرى دفعت موسكو للتدخل بهذه القوة، من بينها منافع اقتصادية وسياسية وأيضًا عسكرية، فما هي؟

منذ اليوم الأول لتدخلها العسكري في سوريا سعت موسكو إلى تثبيت مصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وأظهرت أنها القوة التي أعادت للأسد سيطرته على مساحات واسعة من البلاد، وأنه لولاها لما تمكن النظام من الوصول إلى هذه النقطة التي أصبح يتمتع فيها بأوراق كثيرة تعيده إلى الساحة العربية والدولية مرة أخرى.

ولذلك كان لا بد أن تحصل على القطعة الكبيرة من الكعكة السورية، وهذا ما أكده «علي أصغر زبردست» نائب رئيس الغرفة التجارة (الإيرانية-السورية)؛ إذ قال إن الروس ينتفعون بالاقتصاد السوري أكثر من غيرهم من خلال ما وضعوا أيديهم عليه من استثمارات.

فقد حصلت روسيا على عقود طويلة الأمد في مجال الغاز والنفط والتنقيب عليهما، وكذلك الفوسفات والذي تملك سوريا احتياطيًّا كبيرًا منه، وكذلك استحوذت على مصانع وشركات في مجالات الأسمدة والسياحة، وحتى الإطارات، أما مجال المقاولات والإعمار فهناك شركات روسية عدة دخلت السوق السورية لبناء أبراج سكنية وحصلت على أراضٍ في اللاذقية وحمص وطرطوس من أجل ذلك، وكذلك سيطرت أيضًا على مجال الطاقة والكهرباء؛ ما يجعل روسيا مهيمنة بالفعل على الكثير من القطاعات الاقتصادية في البلاد.

وحسب رئيس مجلس الأعمال السوري- الروسي، سمير حسن، فإن أكثر من 80 شركة روسية دخلت سوريا خلال عام 2018 للتعرف إلى واقع الاستثمار، الأمر الذي يؤكد نية روسيا تعويض ما دفعته لقاء تدخلها في سوريا والذي يقدر بين 5-8 مليارات دولار حسب تقديرات غير رسمية، في حين قدرت الأمم المتحدة متوسط ​​الإنفاق الإيراني في سوريا بـ6 مليارات دولار سنويًّا، ما يعني أن طهران أنفقت 66 مليار دولار منذ 2011، ومع ذلك، هل كسبت روسيا من تدخلها العسكري أم لا؟

يرى المستشار الاقتصادي السوري «أسامة القاضي» رئيس مجموعة عمل «اقتصاد سوريا» في حديثه مع «ساسة بوست» أن «روسيا باتت الوكيل شبه الحصري للاقتصاد السوري؛ إذ إن أي شركة تريد أن تعمل في أي من القطاعات التي تسيطر عليها فعليها أن تراجعها، لأنها وقعت ما يقارب الخمسين اتفاقية مع النظام، أعطتها الحق الحصري في تلك القطاعات».

ويضيف القاضي أن «المشكلة لدى روسيا باتت تتمثل في كونها وكيلًا لبلد مفلس، فقانون «قيصر» منعها من قطف ثمار هذه الوكالات الحصرية، وتعويض تكاليف الوجود الروسي في سوريا، وكلها تكاليف على النظام السوري دفعها، وبالطبع ستكون من جيوب السوريين، وفي الوضع الحالي وبدون الحل السياسي، لن تتمكن روسيا من تحصيل 10% من اجمالي ما دفعته من تكاليف في سوريا».

وبالطبع لم تكن المكاسب الاقتصادية الدافع الأساسي لتدخلها العسكري في سوريا، فقد حصلت على مكاسب جيواستراتيجية أكثر أهمية، فقد وجدت موطئ قدم لها على المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط؛ إذ تعد قاعدة حميميم العسكرية القاعدة الأولى لروسيا خارج الفضاء الروسي، وتسعى لتوسعتها، وقد حصلت موسكو على حق استخدام القاعدة دون أي مقابل وإلى أجل غير مسمى.

وكذلك وقعت شركة روسية خاصة يملكها رجل الأعمال «جينادي تيموشينكو» المقرب من الرئيس الروسي، عقدًا لاستثمار وتطوير مرفأ طرطوس لمدة 49 عامًا، بعد أن أصبح المرفأ المهم تحت السيادة الروسية وتوجد سفنها وغواصاتها الحربية فيه حاليًا.

Embed from Getty Images

قاعدة حميميم الروسية بريف اللاذقية

وعلى المستوى العسكري استخدمت روسيا سوريا موقعًا لتطوير وتدريب جنودها في بيئة قتال حقيقية، وذكرت وزارة الدفاع الروسية في عام 2018 أن أكثر من 63 ألف عسكري روسي شاركوا في القتال بسوريا واكتسبوا خبرات من جراء ذلك، وبالطبع هذا الرقم ارتفع كثيرًا الآن بعد مرور ثلاث سنوات من هذه الإحصائية.

وبالانتقال إلى مجال روسيا المفضل، وهو الصناعات العسكرية التي تدر عليها المليارات، عملت روسيا على إدخال أسلحتها وطائرات ومعداتها العسكرية إلى سوريا وجربتها في المعارك، وبناء على ذلك عملت على تطوير وتعديل الكثير منها، وأعلنت موسكو أنها جربت أكثر من 320 نوع سلاح خلال العمليات العسكرية في سوريا، ولم يكن هذا الإعلان للتباهي.

فقد بلغت مبيعات السلاح الروسي عام 2013 قرابة 13.2 مليارات دولار أمريكي، بينما بلغت في عام 2020 قرابة 13.7 مليارات دولار؛ ما يعني أن الأرقام لم تشهد تطورًا كبيرًا لحجم المبيعات قبل تدخل روسيا في سوريا وبعده، ما يعني أنها لم تستفد كثيرًا على مستوى بيع السلاح رسميًّا.

ولكن مبيعات روسيا السرية للسلاح تفوق تلك المعلن عنها، ولا توجد أرقام رسمية لما تبيعه روسيا من وراء هذه الصفقات، وبالنسبة إلى الصفقات المعلن عنها فقد كشف «سيرجي تشيميزوف» الرئيس التنفيذي لشركة «Rostec» العملاقة للأسلحة الروسية، أن روسيا تلقت طلبات شراء للأسلحة في عامي 2019 و2018 بقيمة 51.1 مليارات دولار و55 مليار دولار على التوالي، وستعمل روسيا على تصنيع الأسلحة وتوريدها إلى الدول التي قدمت هذه الطلبات، وهي أكثر من 50 بلدًا حول العالم، بحسبه.

منطقة الشرق

منذ سنة واحدة
«قيصر والـ40 مشروعًا روسيًا» في سوريا.. هل تتمكن موسكو من تنفيذ مخططاتها؟

وكذلك ساهم التدخل الروسي في سوريا في أن أسلحتها باتت مطلوبة من دول لم تكن تشتري منها عادةً؛ إذ ازداد الاهتمام العالمي بالسلاح الروسي والذي أثبت فعالية عالية في الحرب السورية، وسط أنباء تتحدث عن توجه السعودية والإمارات وباكستان لشراء طائرات وأسلحة روسية، في حين تقدمت الهند بطلبات لشراء 33 مقاتلة بقيمة 2.4 مليارات دولار وخمس مجموعات من أنظمة صواريخ «إس-400» بقيمة 5 مليارات، بينما وقعت مصر اتفاقية لشراء 20 مقاتلة بقيمة ملياري دولار، وكذلك تسلمت الجزائر 30 طائرة بقيمة 1.8 مليارات دولار، وغيرها الكثير من البلدان، وربما هناك صفقات سلاح أخرى سرية وغير معلنة.

وأبدت أمريكا قلقها واعترضت على عدد من هذه الصفقات، خاصة صفقة السلاح المصرية والتركية والهندية، لأسباب عديدة، من بينها أن منظومة «إس-400» قادرة على تهديد الطائرات الأمريكية وإسقاطها، بينما لا تتخوف أمريكا من أن تصبح روسيا المصدر الأول للسلاح في العالم، خاصة إذا علمنا أن حجم مبيعات السلاح الأمريكي عام 2020 بلغت 175.08 مليار دولار، وهو أضعاف ما تبيعه روسيا.

علاقة روسيا مع القوات الأجنبية في سوريا

دائمًا ما تطالب موسكو بضرورة خروج أمريكا من سوريا، كان آخر هذه التصريحات ما قاله الرئيس الروسي، عندما استقبل رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في زيارة جرى الإعلان عنها لاحقًا، بموسكو إن القوات الأجنبية التي يجري نشرها في سوريا دون قرار من الأمم المتحدة تشكل عائقًا أمام توحيد البلاد، في إشارة إلى القوات الأمريكية.

Embed from Getty Images

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس النظام السوري بشار الأسد في العاصمة الروسية موسكو

وكانت روسيا قد أبرمت اتفاقًا مع أمريكا منذ اليوم الأول لتدخلها في سوريا لمنع التصادم بينهما ضمن بروتوكولات عرفت بـ«آلية منع وقوع الاشتباكات»، وعلى الرغم من ذلك فقد سجلت عدد من الصدامات بين قوات الجانبين وأسفرت عن إصابة عدد من جنود الطرفين، ولكنها لم تصل إلى الصدام الشامل؛ إذ يجري امتصاص الصدمة وتخفيض التوتر على الفور.

وفي هذا الصدد يشير علوان إلى أن «روسيا لا تريد جر أمريكا لصدام عسكري، وكانت حذرة من توجيه التحالف الدولي ضربات ضد النظام وليس ضد «داعش» فقط، لأنها تدرك أن موازين القوى ستتغير إذا ما جرى توجيه السلاح الدولي ضد نظام الأسد».

وبخصوص الوجود التركي، فإن بوتين قال إنه يتفهم تخوف تركيا على أمنها القومي، معتبرًا أن اتفاق أضنة يعطي لها الحق بالوجود على الأراضي السورية لحماية حدودها الجنوبية في حال وجود أي تهديد «إرهابي» تعتقده من جانب حزب العمال الكردستاني، وهو ما يسمح لها بالدخول إلى سوريا بعمق خمسة كيلومترات على طول الحدود السورية التركية.

Embed from Getty Images

جنود أتراك وروس أثناء التحضير لدورية مشتركة بريف إدلب

وعلى الرغم من الاعتراف الروسي بشرعية وجود تركيا في سوريا، فإنها استهدفت النقاط العسكرية التركية وأدت لسقوط إصابات بين عناصر الجيش التركي، كما استهدفت أكثر من مرة مناطق نفوذ تركيا المباشرة في درع الفرات وغصن الزيتون، وأدت لمقتل عدد من عناصر «الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا وعدد من المدنيين.

وفي هذه النقطة يقول علوان «إن التدخل الروسي لم يتكلل بالنجاح الكامل بسبب التدخل التركي، وقانون قيصر والسياسات الغربية التي حرمتها إلى حد ما من استثمار التقدم العسكري للنظام على حساب المعارضة»

ويشير علوان إلى أن «المعارضة السورية وجدت في التدخل التركي ملجأ لها، ولإمكانية المحافظة على المناطق الخارجة السيطرة النظام في مواجهة التوغل الروسي الذي لا تستطيع المعارضة مواجهته دون مساعدة الأتراك».

بينما تتعامل روسيا بخصوص الوجود الإيراني في سوريا على أنه شرعي، خاصة أنه أتى بطلب من النظام السوري، في حين يؤكد مراقبون أن هناك صراعًا بين الطرفين للسيطرة على المناطق الإستراتيجية والاستثمارات الاقتصادية، وتجلى الصراع بشكل واضح مؤخرًا في محافظة درعا؛ إذ منعت روسيا ايران من السيطرة على المحافظة بالقوة.

وتمكنت روسيا من إجبار الفرقة الرابعة الموالية لطهران على الانسحاب من مواقعها؛ إذ تمثل درعا الواقعة على الحدود مع إسرائيل والأردن، بعدًا إستراتيجيًّا لروسيا بعد موافقتها على إبعاد القوات الموالية لطهران مسافة 40 كم عن الحدود الإسرائيلية.

في الوقت نفسه، تواصل إسرائيل ضرباتها الجوية التي تستهدف بشكل أساسي مواقع تابعة للمليشيات الإيرانية في سوريا، وتعارض روسيا هذه الضربات وتطالب بوقفها، ولكنها في الوقت ذاته لا تفعل شيئًا لإيقافها، رغم أنها تستطيع ذلك عبر تشغيل منظومة الدفاع «إس-400» الموجودة في قاعدة حميميم.

وجاءت زيارة «يائير لابيد» وزير الخارجية الإسرائيلي لروسيا مؤخرًا في هذا الإطار، خاصة بعد تصريحات روسية غاضبة فُهم منها نية موسكو إغلاق الأجواء السورية أمام إسرائيل، وهدفت الزيارة، حسب تقارير صحفية، لمناقشة المعارضة الروسية لضربات إسرائيل الجوية.

ومنذ زيارة لابيد وحتى الآن، لم تشن إسرائيل أي غارة جوية بعد، بينما لا توجد أي مؤشرات على إغلاق الأجواء السورية أمام الضربات الإسرائيلية، وكذلك من غير المتوقع أن تتوقف تل أبيب عن استهداف المواقع الإيرانية، وهذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

سنوات الدم.. كيف غيرت موسكو مسار الثورة السورية؟

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 200209 من المدنيين منذ بداية الثورة السورية عام 2011 وحتى سبتمبر (أيلول) الحالي، وتعد روسيا مسؤولة عن مقتل 6910 مدنيين من بينهم نساء وأطفال، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

بينما أشار مركز «الدفاع المدني السوري المعارض» إلى أن روسيا شنت 5325 غارة جوية استهدفت 68% منها منازل المدنيين، والبقية استهدفت المزارع، والمحال التجارية، ودور العبادة، والمشافي، ومراكز الدفاع المدني، والمدارس، والمخيمات، طبعًا مع استثناء الغارات الجوية التي استهدفت جبهات القتال.

Embed from Getty Images

مركز سيطرة عسكري روسي في سوريا

ويسيطر النظام الآن على 63.38% من مساحة سوريا، بينما تسيطر المعارضة مع مناطق النفوذ التركي على 10.98% فقط، في حين تملك «قسد» حصة 25.64% من المساحة الإجمالية، في حين كان النظام الحلقة الأضعف قبل تدخل روسيا؛ إذ كانت «داعش» تسيطر على المساحة الأكبر من سوريا.

كان التدخل العسكري الروسي حاسمًا، ولم تستطع فصائل المعارضة الوقوف في وجه الآلة العسكرية الروسية ودقة ضربات طائراتها الجوية، والتي أدت إلى خسارة مناطقهم بشكل سريع، ففي عام 2018 خسرت المعارضة السورية مناطق واسعة من سيطرتها في حمص وريف دمشق ودرعا وإدلب، واستعاد فيها النظام السوري سيطرته على مساحات واسعة خاصة تلك الخاضعة لسيطرة «داعش».

وساهمت روسيا بشكل أساسي في تهجير المدنيين من مدنهم وقراهم باتجاه الشمال السوري بعد سقوط هذه المواقع بيد النظام السوري؛ إذ وقعت فصائل المعارضة في ذلك الوقت على ورقة استسلام أطلق عليها مجازًا «مصالحة» تتكون من بنود من ضمنها تسليم السلاح وتهجير الرافضين لهذه المصالحة، وخرج عشرات الآلاف الذين جرى اقتلاعهم من أرضهم باتجاه إدلب ومناطق النفوذ التركي.

ومؤخرًا ازدادت الضربات الجوية الروسية على مواقع تابعة للمعارضة السورية في جنوب إدلب، خاصة منطقة جبل الزاوية، وأدت لسقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، واستهدفت أيضًا مواقع النفوذ التركي جنوب مدينة عفرين وأدت لمقتل عناصر موالية لأنقرة.

هذا التصعيد الروسي أتى قبيل أيام فقط من زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى مدينة سوتشي الروسية، والتي التقى فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الأربعاء 30 سبتمر في مدينة سوتشي الروسية، والتي شهدت نقاشات بخصوص إدلب وما تشهده من تصعيد عسكري.

وفي وقت سابق من هذه الزيارة، أدلى وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بتصريح، في التاسع من سبتمبر الحالي، فُهم منه غضب موسكو بسبب عدم تمكن تركيا من استكمال الاتفاقات الخاصة القاضية بفصل المعارضة المعتدلة عما أسمته روسيا بـ«الإرهابيين» في إدلب وتقصد بهم هيئة تحرير الشام، وهذا ما أكده الكرملين اليوم في بيان رسمي أنه جرى تأكيد ضرورة تطبيق الاتفاقات بخصوص إخلاء محافظة إدلب من العناصر التي أسمتها بـ«الإرهابية» المتبقية هناك.

في حين قال الرئيس التركي، إن تركيا تواصل الالتزام بكل قضية اتفقت عليها مع روسيا حيال سوريا ولا عودة عن ذلك، وكان قد صرح في وقت سابق لزيارته بأن النظام السوري يشكل خطرًا على حدود بلاده الجنوبية، آملًا من الرئيس الروسي تغيير نهجه بهذا الشأن.

Embed from Getty Images

الرئيسان التركي والروسي في قمة جمعتهما في مدينة سوتشي الروسية

وكان هناك اعتقاد سائد بصعوبة المفاوضات، خاصة أن الرئيس بوتين قال أثناء استقباله لأردوغان إن «اجتماعاتنا مع أردوغان لا تسير دائمًا بشكل سلس، ومع ذلك، يمكن لمؤسساتنا ومنظماتنا ذات الصلة أن تجد توافقًا في الآراء».

وبطبيعة الحال، فأنظار السوريين في إدلب كانت شاخصة هناك في سوتشي عند لقاء بوتين وأردوغان، فهذا اللقاء سيحدد مصيرهم، فقد تعود السوريون أن روسيا لا تعطي أي شيء بالمجان، وسيكون السؤال هنا كيف ستحافظ تركيا على إدلب أو على جزء منها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد