بينما تتصارع الدول المصدرة للنفط للحصول على حصص سوقية في ظل انخفاض الأسعار، فإن معركة خفض الأسعار والمزاحمة لغزو أسواق جديدة صارت أكبر من كونها معركة اقتصادية حيث صار النفط يستخدم كسلاح لتمرير الأهداف الجيوسياسية.

خير ما يمثل هذا الحال الآن، الصراع السعودي الروسي، فهاتان الدولتان الأكبر تصديرًا للنفط تتنازعان الآن على الحصة النفطية كخصمين سياسيين بالمقام الأول، إذ يشكل موقف روسيا من الأزمة السورية دافعًا كبيرًا لتكسير عظامها من قبل المملكة السعودية التي أخذت توجه صادرتها النفطية إلى السوق الأوربية “في عقر الديار الروسية”.

هذه القضية يبرز تفاصيلها التقرير التالي لـ”ساسة بوست”

السعودية وروسيا ..تاريخ من المنافسة

في وقت تعمل الدول الموردة للنفط على الحفاظ على الحصص السوقية لها، هناك من يهمه من وراء إنتاجه كسر عظام دولة ما، لتحقيق مكاسب سياسية، تعود هذه السياسة السعودية إلى أزمة النفط التي اندلعت عقب حرب أكتوبر عام 1973، إذا أدرك السعوديون أهمية فتح وإغلاق صنابير النفط في التأثير على السياسات الإقليمية والدولية، وبينما تقود السعودية الخليج في السياسة النفطية، تقود روسيا فنزويلا وإيران والعراق.

وقد كان لدولتين تجربة في المنافسة على الحصص النفطية في السبعينات من القرن العشرين، وذلك عندما أرسلت السعودية نصف نفطها إلى أوروبا، لكن الاتحاد السوفيتي سارع لبناء خطوط أنابيب للتصدير، امتدت تلك الأنابيب من حقول النفط في سيبيريا الغربية داخل أراضيه إلى أسواق التصدير في أوروبا، وهذا ما دفع السعودية للانتقال إلى الأسواق الآسيوية، حيث كان الطلب يتنامى بأسعار أعلى، وفي ظل تراجع حصة السعودية من الأسواق الأوروبية لحساب الحصة الروسية.

واحتدم الصراع بين الدولتين في عام 2010، عندما زادت المنافسة في وجه السوق السعودية في آسيا، والسبب صادرات النفط الخام الروسية التي أغرقت آسيا، فعلى سبيل المثال أزاحت روسيا السعودية في مايو الماضي عن المركز الأول كأكبر مورد للنفط إلى الصين لأول مرة منذ 13 شهرًا، بعدما أخذ النفط الروسي يحل مكان السعودي في السوق الصيني.

يذكر أن السعودية تنتج ما يقارب من 10 ملايين برميل يوميًّا، بفائض إنتاجي يقدر بحوالي 2.5 مليون برميل يوميًّا، أما روسيا فتنتج أكثر من 10 ملايين برميل يوميًّا، أي أن كلا الدولتين ينتج 20 مليون برميل يوميًّا، أي قرابة 23% من إجمالي الإنتاج العالمي.

الأزمة السورية.. عودة الصراع من جديد

تقوم الإستراتيجية السعودية على الاعتقاد بأن الحصول على حصة في السوق أكثر أهمية من رفع الأسعار، لذلك وعلى مدى العشر سنوات الأخيرة، تخوض المملكة معركة للحصول على حصة سوقية في آسيا على حساب الحصة الروسية بالأخص، وذلك لكون روسيا أخذت بتحويل حوالي ثلث صادراتها النفطية إلى آسيا، عن طريق بناء خطوط أنابيب عملاقة تصل إلى بر الصين وساحلها على المحيط الهادي.
وتعاظمت هذه المعركة بعد اندلاع الثورة السورية في 2011، يقول مدير أبحاث الطاقة في سيتي جروب سيث كلاينمان: “يوجد افتراض بأن روسيا تلتفت إلى الشرق لأنها تلقى تضييقًا من الغرب، وفي الحقيقة تعمل روسيا على حجز حصة سوقية في آسيا منذ فترة طويلة، لذلك احتدمت المنافسة في الأسواق الآسيوية في الأشهر الأخيرة على النحو الذي دفع السعودية إلى تقليل الإمدادات هناك في مواجهة التسليمات المتنامية من منافسين مثل روسيا والكويت وأنجولا”.

وفي معركة انخفاض أسعار النفط الأخيرة في الأسواق العالمية إلى أقل من النصف منذ يونيو العام الماضي، ترفض السعودية خفض إنتاجها، إذ ترى أن منتجي النفط عالي التكلفة سيضطرون في نهاية الأمر إلى خفض إنتاجهم والمساعدة على إعادة التوازن إلى السوق.
اليوم لم تكتفِ السعودية بمنافسة روسيا في آسيا، فقد بدأت السعودية بمنافسة روسيا في الأسواق الأوروبية وذلك بتوريد النفط بأسعار منخفضة، وأخذت شركات عملاقة مثل “إكسون” و”شل” و”توتال” و”إني” يشترون بشكل أكبر من النفط السعودي لصالح معامل تكرير ومصافي النفط لديهم في غرب أوروبا والبحر المتوسط على حساب النفط الروسي.

يقول الرئيس التنفيذي لشركة “روسنفت”، أكبر شركة نفط في روسيا إيغور سيتشين: “السعوديون منخرطون بنشاط في عملية إغراق تمثل عنصرًا من عناصر تغير الأسعار العالمية، لا شك في أن المعركة على الأسواق في هذه المرحلة تمثل واحدًا من العوامل الأساسية، وعلينا بذل كل جهد ممكن للحيلولة دون انخفاض حصتنا من الإمدادات”.

السعودية تغزو روسيا في الديار الأوروبية

تفاءل الروسيون باستقرار سوق النفط، واجتياز المرحلة الصعبة التي يمر بها اقتصادهم، وتوقعوا أن يرتفع إنتاج النفط الروسي إلى أعلى مستوى منذ انتهاء الحقبة السوفيتية، إذ تعتبر روسيا من أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم وهي أكبر منتج للخام خارج أوبك.

لكن انخفاض أسعار النفط والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا أدت مؤخرًا إلى انكماش الاقتصاد بنسبة 2% في الربع الأول من العام الحالي، وأدركت روسيا أن تذبذب الأسعار بشكل مفاجئ يؤدي إلى مشاكل اقتصادية لها، سواء في حال الارتفاع أو الهبوط.

وفي وقت يرى الخبراء أنه من غير العقلاني أن تقوم السعودية بتخفيض إنتاجها بشكل أُحادي للمضاربة في الحصة النفطية، يشير هؤلاء إلى أن روسيا تواجه صعوبات أكثر من السعودية، لعدة أسباب، أولها عدم قدرة الحكومة الروسية على السيطرة على معدل إنتاج النفط، لأن الشركات الخاصة هي التي تنتج النفط بروسيا، وليس الدولة، كما أن روسيا لا تستطيع فتح وإغلاق الآبار بمنطقة سيبيريا في فترة الشتاء، عكس السعودية التي تستطيع فتح وإغلاق الآبار متى ما أرادت.

ومع مراهنة بوتين على عودة حليفته إيران إلى سوق النفط بعد رفع عقوبات دولية عنها، جاء دخول النفط السعودي على خط النفط الروسي بسهولة، إذ دفع تراجع الطلب على النفط السعودي في آسيا إلى التوجه إلى أوروبا، أوروبا التي ترغب أيضًا في تنويع مصادرها من الطاقة وعدم البقاء تحت رهينة روسيا.

ويساعد المملكة السعودية أيضًا أن إنتاج برميل النفط فيها يكلف ما بين3  و5 دولارات، بينما يصل في روسيا إلى حوالي 30 دولارًا في المتوسط، ويتميز النفط السعودي بأنه ذو حسوم بارزة ما يجعله أكثر جاذبية من الخام الروسي.

يقول رئيس مركز التحليلات النظامية روستسلاف إيشينكو: “موسكو أصبحت الآن أكثر تقبلًا لفكرة خفض الإنتاج بهدف استقرار الأسعار على ألا يكون الخفض كبيرًا، وذلك لأن البلاد تنتج كميات من النفط تغطي عقود التصدير واستهلاك السوق المحلي، ولهذا فإن خفض الإنتاج بصورة لافتة ستكون له آثار سلبية”.

بولندا.. آخر المحطات

أخذت السعودية بشكل تدريجي تعزز حصتها النفطية في وجهات جديدة بأوروبا، إذ تركز على الدول التي تعد من حصة روسيا في تصدير النفط كما أسلفنا، وساعدها على ذلك موقف أوروبا من الانقلاب العسكري في أوكرانيا، وتدهور العلاقات الأوروبية- الروسية نتيجة ذلك الموقف، لذلك توجهت العديد من الدول الأوربية للبحث عن مصادر أخرى لاستيراد الطاقة والانفلات من الحاجة لنفط الروسي.

واحدة من أبرز الدول الذي نالها التمدد السعودي في التصدير النفطي هي بولندا التي تعد ضمن النطاق الروسي، فبولندا كسائر أوروبا الشرقية كانت سوقًا تقليدية للنفط الروسي، على سبيل المثال استوردت ثلاثة أرباع وارداتها النفطية من روسيا العام الماضي.

وتعد بولندا مركزًا للجهود التي تجري حاليًا لتقليص اعتماد الاتحاد الأوروبي على الطاقة الروسية، كما أن السعودية أخذت تمد أيرلندا بالنفط، وهي أيضًا كانت من مناطق روسيا، وتشير مصادر إلى أن بعض دول أوروبا الشرقية التي انضمت إلى عضوية الاتحاد الأوروبي بدأت تتقدم بعقود للحصول على النفط السعودي.

المصادر

تحميل المزيد