ميرفت عوف 4
ميرفت عوف 4

1,842

تستعرض طائراتها الجديدة في القواعد العسكرية بسوريا، وتفرد وسائل الإعلام فيها مساحات للحديث عن المزايا النوعية لهذه الطائرة، أو ذاك الصاروخ، ويتفاخر العسكريون فيها بنجاح تجريب مئات الأنواع من الأسلحة في سوريا. إنها روسيا التي تبغي كسب كل شيء في صراعها بسوريا.

تريد تحقيق زيادة في نسبة بيعها للأسلحة عالميًا، وتريد تطوير ترسانتها العسكرية، وأن يرى منافسوها وأعداؤها مدى قوتها الدفاعية، ولذلك أجرت 14 ألف تجربة لمختلف أنواع السلاح الروسي منذ تدخلها العسكري بسوريا في سبتمبر (أيلول) 2015.

بوتين «يدلل» على أسلحتهم المجربة في سوريا

فيما كان العالم ينتظر من الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» الاستجابة لقرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في سوريا لمدة شهر في 24 من فبراير (شباط) الماضي، خرج الرجل متفاخرًا في خطابه السنوي أمام البرلمان الروسي (الدوما) قبل أيام يقول:  «العالم يعرف الآن أسماء كل أسلحتنا الرئيسة بعد عملية سوريا»، مؤكدًا على أن نجاعة العملية الروسية الجارية في سوريا؛ كونها تظهر زيادة قدرات بلاده الدفاعية.

الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين (المصدر: الأناضول)

بوتين الذي ذكر أن حصة الأسلحة الحديثة في روسيا ارتفعت بنحو 3.7 مرة في السنوات الأخيرة، كان قد أرسل بعد يوم واحد من صدور القرار الأممي السابق طائرتين مقاتلتين من الجيل الخامس المتطور (سو-57)، وهي في مرحلة الاختبار، وقبل أن تعتمدها القوات المسلحة الروسية في الخدمة الدائمة؛ إذ ستكون مهمة هذه الطائرات اختبار معدات الرادار المزودة بها في ظروف قريبة من تلك القتالية.

لم يكن «بوتين» وحده من تفاخر بالأسلحة الروسية التي جربت في سوريا، فقد قال رئيس اللجنة العلمية العسكرية، التابعة للقوات المسلحة الروسية، الفريق إيغور ماكوشيف: «لأول مرة في تاريخ القوات البحرية الروسية جرى إطلاق سلسلة صواريخ مجنحة (كاليبر)، بما فيه من غواصة مغمورة بالمياه، إن استخدام أسلحة عالية الدقة متمركزة في البحر سمح لنا بإصابة أهداف تبعد 1.5 ألف كيلومتر بالدقة المطلوبة». وأضاف في اجتماع طاولة مستديرة في منتدى (آرميا-2017): «نتائج تجارب أسلحة عالية الدقة بعيدة المدى في سوريا، أكدت إمكانية التواجد العسكري للقوات البحرية الروسية في المناطق النائية من المحيط العالمي في حالة الاستعداد القتالي».

 كما قال نائب وزير الدفاع الروسي، يوري بوريسوف: «لن نبالغ إذا أكدنا أن خبراء المجمع الصناعي الحربي كانوا بجوارنا في سوريا، وقاموا بتحديد العيوب، وإدخال تعديلات في الوثائق الخاصة بتصميم الأنواع الحديثة من الأسلحة والمعدات فور اكتشاف أي عطل أو خطأ في التطبيق. وذلك في سوريا مباشرة أو في مكاتب التصميم التي يعملون فيها».

وفي الإحصاءات الرسمية الأخيرة، فقد أجرى الروس اختبارات على أكثر من 600 نموذج لأسلحة ومعدات عسكرية حديثة في سوريا، وكان 90% من الأسلحة التي تم اختبارها حتى الآن قد استوفت توقعات الكرملين، فقد اكتسب العسكريون الروس الخبرات في ضرب الأهداف بأسلحة عالية الدقة بعيدة المدى، وهم يطالبون بتنظيم دائم لجمع وتحليل نتائج الاختبار على أرض المعركة بسوريا.

اقرأ أيضًًا: بعد إعلان الانسحاب.. بالأرقام حصاد التواجد العسكري الروسي في سوريا

الأسلحة الروسية تجرب للمرة الأولى في سوريا

14 ألف تجربة لمختلف أنواع السلاح الروسي تمت في سوريا بعد التدخل العسكري لموسكو في سبتمبر 2015، وفي سبيل تطوير القدرة العسكرية الروسية بغية الغلبة على المنافسين العالميين، كان عليها تسجيل ابتكارات متسارعة في المجال العسكري، وكان المكان لتجريب وتأكيد تلك الابتكارات هي سوريا.

طائرة حديثة روسية (المصدر: رويترز)

وبدءًا بالتجارب الخاصة بسلاح الجو الروسي، فقد نفّذ هذا السلاح خلال سنتين 30 ألف طلعة جوية، شملت 90 ألف هجوم على الأرض، وتؤكد ورقة للمعهد البولندي للشؤون الدولية، إنه خلال هذه الطلعات جربت مقاتلات (سوخوي 35) ومروحيات (مي-35) القتالية الحديثة، بدعم من منظومة الدفاع الجوي، واستخدمت لأول مرة مروحيات (مي-8) و(مي-24) و(مي-28 أتس)، و(كا-25 التمساح).

وفي يونيو (حزيران) 2017، ظهرت مركبة الدعم الناري من طراز (BMPT-72)، لأول مرة خارج روسيا، وتحديدًا في قاعدة حميميم الروسية بسوريا، حين زارها رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وكذلك جربت موسكو قدرات منظومة دفاعها الجوي (إس-400 ترايمف)، ومنظومة (كراسوخا 4) المحملة على شاحنة كبيرة، حيث تستطيع هذه المنظومة الجوية مراوغة رادارات الطائرات دون طيار والطائرات الحربية، كما سجلت طائرتا (أورلان وفوربوست)، دون طيار الروسية، أولى طلعاتهما الجوية القتالية في سوريا.

أما بالنسبة لسلاح البحرية، فقد استخدمت أحد أكثر السفن الحربية الروسية تقدمًا، وهي فرقاطة من نوع (بايرن كلاس 21631)، ووقعت تجربة هذا النوع من السفن الحربية في بحر قزوين، وحسب المعهد البولندي فقد «شاركت البحرية الروسية بأساطيلها المختلفة (المتوسط، الشمال، المحيط الهادئ، والبحر الأسود، والبلطيق)، وجرّبت للمرة الأولى حاملة الطائرات (أدميرال كوزنيتسوف) وغواصات (كيلو كلاس) وفرقاطات وسفن حربية. ومن خلال السفن الحربية الجديدة، جرّبت البحرية الروسية صاروخ (كاليبر) (إس إس إن 27) ومداه 2600 كليومتر، وأطلقت الغواصات صواريخ لتجربتها في الميدان السوري».

وجربت في سوريا مقاتلات روسية حديثة من طراز (سو- 35) و(سو- 34)، بالإضافة إلى (سو- 24) و(سو – 25) المزودة بمنظومات حديثة تعمل على زيارة مدى فعالية استخدام الأسلحة غير الموجهة، واختبرت روسيا صواريخ (كاليبر) المجنحة التي أطلقت من منصات إطلاق مختلفة بما في ذلك من غواصات (فارشافيانكا)، وكما أسلفنا أرسلت طائرات من الجيل الخامس المتطور (سو-57).

يقول الباحث البارز في معهد الشرق الأقصى لأكاديمية العلوم الروسية، فاسيلى كاشين: «الغرض الرئيس من إرسال مقاتلات (سو-57) الحديثة إلى سوريا، هو اختبار معدات الرادار المزودة بها في ظروف قريبة من تلك القتالية»، مضيفًا «أن هذه القاذفات يمكن أن تنفذ غارات في سوريا خلال الطلعات القتالية، ولكن هذه ليست المهمة الرئيسة لها هناك؛ لأنها -القوات الجوية الروسية – ستكون قادرة على التحقق من قدرة الرادارات على اكتشاف هذه المقاتلات الشبح القادرة على التخفي عن أجهزة المراقبة والتتبع».

صاروخ روسي (المصدر: موقع أورينت)

كما استخدم في سوريا – حسب «هيومن رايتس واتش» – قنابل عنقودية روسية الصنع للمرة الأولى، حيث استعملت موسكو عدة أنواع من القنابل والصواريخ المتطورة للغاية، منها قنابل موجهة بالليزر (كاب-500) القادرة على اختراق جدار سميك من الإسمنت، إضافة إلى صواريخ من نوع (3 إم-54 كاليبر) قادرة على قطع مسافة 2600 كم.

وكانت وكالة «نوفوستي» الروسية قد كشفت مع بداية مارس (آذار) الحالي، أن القوات الجوية والفضائية الروسية ستتزود خلال العام الحالي بقنبلة ذكية تسمى (دريل) أي المثقاب وهي قنبلة حائمة حديثة، مواصفاتها سرية حتى الآن، لكن من المعروف أن وزنها يبلغ 500 كيلوغرام، وأنها قادرة على التحليق الذاتي إلى مدى عشرات الكيلومترات، وهي تحمل رؤوساً موجهة ذاتيًا تنطلق منها عند حومانها فوق الهدف، وتنزل بالمظلات بحثًا عن مدرعات معادية.

يقول محلل طيران مستقل لـ«صحيفة واشنطن تايمز»: «الكثير من معداتهم الجديدة التي تم نشرها في سوريا لم تستخدم في المعارك المباشرة من قبل، ولكن تم اختبارها حتى الموت في مختلف الامتحانات في روسيا، وإطلاق صواريخ حية، وإسقاط القنابل الحية يعالج البيانات الحساسة»، ويضيف المحلل الذي طلب عدم ذكر اسمه: «سأستخدم مصطلح الاستخدام التشغيلي الأول، أو الاستخدام القتالي الأول، وهو المصطلح الدقيق الوحيد، ويستخدم عادة من قبل المهنيين».

اقرأ أيضًا: 4 أسئلة تشرح لك طريقة احتلال روسيا لسوريا

بيع أكثر للسلاح الروسي

تعتبر موسكو، التي تسيطر منذ 10 سنوات على نحو 25% من صادرات الأسلحة في العالم سوريا، مسرحًا لتعلم كيفية استخدام التقنيات العسكرية المتطورة في الحروب الحديثة، وهي في المحصلة معنية، بعدما أنفقت على العملية العسكرية في سوريا نحو 500 مليون دولار، بتحقيق عدة أهداف جراء الاستعراض العسكري المفتوح والمتواصل للصناعاتها العسكرية في سوريا.

 أهم هذه الأهداف هو جلب صفقات أسلحة بمليارات الدولارات؛ إذ تحاول دائمًا اثبات أن أسلحتها تتميز بقدرات قتالية عالية، ولذلك يؤكد العسكريون الروس أن الطلبات الخارجية على الأسلحة الروسية وصلت إلى 50 مليار دولار، وأنهم قادرون على تغطية 30% من سوق الطائرات العسكرية العالمية متجاوزة بذلك حصة الولايات المتحدة.

ويؤكد الإعلام الروسي أن العملاء يتطلعون لشراء الأسلحة، التي أثبتت فعاليتها على أرض المعركة في سوريا، وتنقل صحيفة «كوميرسانت» الروسية عن مصدر مقرب من هيئة الصادرات العسكرية الروسية قوله: «في سوريا حققنا هدفين، الأول أننا أثبتنا تمتعنا بقدرات قتالية عالية وامتلاكنا لتكنولوجيا عسكرية متطورة ما جذب المشترين. أما الهدف الثاني الذي حققناه فهو أننا اختبرنا أكثر من نصف أسطولنا العسكري في ظروف قتالية صعبة».

وقد أبرمت موسكو عقود بملايين الدولارات لبيع أسلحة مجربة في القتال، يقول نائب وزير الدفاع الروسي، يوري بوريسوف: «العملاء بدأوا الاصطفاف من أجل الأسلحة التي أثبتت نفسها في المعركة»، فيما قال رئيس لجنة الدفاع بمجلس الدوما الروسي «فلاديمير شامانوف»: «ليست صدفة أنهم يأتون إلينا اليوم من جهات عدة لشراء أسلحتنا، بما في ذلك البلدان التي ليست حليفة لنا، اليوم صناعتنا العسكرية جعلت جيشنا يظهر في شكل يمكننا الفخر به».

وكان من بين الدول التي اشترت السلاح الروسي دولًا عربية، يقول مدير مصنع شكالوف نوفوسيبيرسك الروسي للطائرات الحربية «سيرغي سميرنوف»: إنه «بعد بدء الحملة العسكرية الروسية في سوريا، طلبت الجزائر من روسيا في ديسمبر (كانون الأول) 2015، 12 قاذفة من طراز (سو 32)، المفاوضات كانت تجري ببطء شديد في السنوات الثماني الماضية، إلا أنّ العملية العسكرية – الروسية في سوريا – شجعت الجزائر على اتخاذ قرارها وأعطت زخمًا إيجابيًا للصفقة».

 وحسب صحيفة «كوميرسانت» الروسية، فإن «ظهور منظومة الصواريخ الروسية (أس 400) في سوريا، أثار اهتمام المملكة العربية السعودية، التي تسعى إلى تزويد جيشها بهذا السلاح النوعي، كما أعربت الهند عن رغبتها في الحصول على منظومة الصواريخ هذه، إلا أن روسيا لم تبد حتى الآن اهتمامًا ببيع منظومة الصواريخ (أس 400)، ولكن في حال قررت بيع المنظومة، فلن يقل سعرها عن 2-3 مليار دولار».

وقد شعرت الولايات المتحدة  بخطر سحب زبائنها من قبل روسيا، حين حذر قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال «فوتيل» في 27 فبراير الماضي من أن «بعض حلفائنا يتجهون للبحث عن مصادر بديلة للحصول على الأسلحة من روسيا أو الصين، لعدة اعتبارات منها الاعتبارات السياسية، والتكلفة، وسرعة حصولهم على تلك الأسلحة مقارنة بالوقت الذي يحتاجونه للحصول على الأسلحة الأمريكية».

لروسيا في سوريا مآرب أخرى

يضعنا الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية «معن طلّاع» أمام ثلاثة محاور تخص عملية تجريب السلاح الروسي في سوريا، أول هذه المحاور يتعلق بالمشهد العسكري في سوريا، فهذا المشهد أتاح لموسكو الفرصة لتجريب أكثر من 200 سلاح جديد في سوريا، آخرها الجيل الخامس لطائرات الشبح، وهو أمر يدل على  وجود مؤشرات واضحة لتسويق روسيا لأسلحتها في المنطقة وتجريبها في المشهد السوري، وهي تحاول جعل هذا الميدان فرصة للتسويق الصناعي العسكري أملًا في تحسين بعض من الظروف الاقتصادية المتأزمة لموسكو بشكل عام.

ويضيف طلاع: «ثانيًا، تريد روسيا توجيه رسائل لأمريكا، فالإعلان عن تطوير صواريخ باليستية جديدة تحمل رؤوس نووية قادرة على اختراق أنظمة الدفاع الجوي، يأتي ضمن بدء تشكل مظاهر الحرب البادرة بين روسيا وأمريكيا، ويتابع القول: «هذه الرسائل الموجهة لأمريكا باعتقادي، وإن بدت تدفع تجاه حرب التسليح، إلا أنها رسائل بروباغندا، وذلك يعود لعدم قدرة موسكو عسكريًا، أو اقتصاديًا، على الدخول في سباق كهذا سيعود عليها بالويلات».

كذلك يريد الكرملين توجيه رسالة للداخل الروسي، فاستعراض التطور العسكري بسوريا يأتي لتعزيز العودة للفكر الإمبراطوري الروسي، وأن بوتين قادر على استعادة ذلك، وضبط المنظومة الدولية، وجعلها متعددة الأقطاب، وليست أحادية القطب، حسب طلاع الذي يختم بالقول: «كذلك للإدلال على أن تدخلات موسكو الجديدة في سوريا وغيرها هي نجاعة للقيادة الروسية؛ مما يعطي زخمًا أكثر إيجابية في معركة الانتخابات القادمة، وإن كانت محسومة لبوتين، فذلك يهدف للتأثير على الرأي العام».

وللوقوف على الوضع القانوني، تحدثنا للمحامي والناشط الحقوقي السوري، غزوان قرنفل، الذي بدأ حديثه بالأسف لكون وجه الإدانة في قضية تجريب روسيا لأسلحتها في روسيا هو أخلاقي أكثر مما هو قانوني، ويقول: «باعتبار أن التواجد العسكري الروسي جاء بطلب من النظام السوري الذي ما تزال كل الدول، وكذلك الأمم المتحدة تعتبره ممثلًا قانونيًا للدولة السورية، فاستعمال أسلحة جديدة، وتجربتها في سوريا ضمن الأعمال القتالية، هو شيء مشروع، والمسألة هنا لا تكون باستخدام، أو تجربة سلاح جديد من عدمه، وإنما هل هذا الاستخدام ارتكبت فيه جرائم حرب أم لا؟».

ويضيف لـ«ساسة بوست»: «بالطبع الروس ارتكبوا جرائم حرب في سوريا عند استهدافهم قوافل المساعدات المقدمة من الصليب الأحمر والمشافي والمدارس وتجمعات المدنيين، وكلها أعيان محمية في نظر القانون الدولي الإنساني، واستهدافها يمثل جريمة حرب، لكن هل من جهة دولية تستطيع محاسبة روسيا، وهي القوة العظمى المحصنة بحق الفيتو؟».