قبل ثلاثة أيام، وفي السابع من الشهر الحالي، نشرت وكالة سبوتنيك الإخبارية ـ الصوت الصحافي الرسمي للرئاسة الروسية ـ تقريرًا عما أسمته بـ (اليد الميتة): وهو نظام إطلاق الصواريخ النووية، القادر على تدمير العالم حتى في حال قيام الولايات المتحدة، أو أية قوة نووية بشن هجمة صاروخية مفاجئة، وتمادت الوكالة قائلة: إن الروس أبهروا العالم بإليكترونياتهم وأسلحتهم العسكرية التي نجحوا في بنائها وتطويرها، على الرغم من انهيار السوفييت في أوائل التسعينات، ولم تضع الوكالة أية معلومات دقيقة عن النظام مكتفية بعبارات من نوعية (سري للغاية / لا يعرف عنه أحد إلا أقل القليل)، ثم نقلت أغلب المواقع، وعلى رأسها السي إن إن العربية الخبر بلا تعديلات تذكر.

قبل ذلك بما يقارب الشهر، وفي التاسع من أكتوبر الماضي نشرت نفس الوكالة ما وصفته: بالمفاجأة غير المتوقعة التي لم يكن يعرفها الكثيرون، كان هذا عندما أطلقت سفينة حربية روسية، في السابع من نفس الشهر، من بحر قزوين، وعبر المجال الجوي للعراق وإيران، ستة وعشرين صاروخًا، من نوع (كاليبر) تنتمي إلى الفئة كروز، على ما ذكرت سبوتنيك أنه أهداف ومنشئات تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ (داعش) في سوريا، وما تباهى الإعلام الروسي بأنه مفاجأة، تمثل في بعد هذه الأهداف عن السفينة الروسية بمقدار أطول من 1500 كيلو متر تمت إصابتها جميعًا بنجاح بحسب التقرير، ويعرف العالم أن صواريخ كاليبر هي نتاج مشروع روسي لتطوير صواريخ توازي التوماهوك الأمريكية، مشروع بدأ في السبعينات، ولم يعرف عن أطول مدى لهذه الصواريخ، إلا 300 كيلو متر فقط!

وافق التاسع من أكتوبر يوم الجمعة، لكن ما بدا أنه دعاية روسية إعلامية جاء بعد يوم واحد من تقرير للسي إن إن زعمت فيه الشبكة الأمريكية العملاقة، طبقًا لما أخبرها به مسئولان أمريكيان رفيعا المستوى، أن أربعة من الصواريخ الروسية الجديدة، التي انتقى الروس عيد ميلاد الرئيس (فلاديمير بوتين) لإطلاقها بأمر مباشر منه، قد تحطمت في إيران، ولم يعرف على وجه التحديد إن كانت هذه الصواريخ هي التي أطلقت الأربعاء أم أنها دفعة جديدة في صباح الخميس، كان يمكن لخبر كهذا ـ على الرغم من انتشاره الواسع بين وكالات الأنباء ـ أن يمر وسط صمت إيران وروسيا، خاصة أنه بلا دلائل قوية، لكن نشطاء سوريين قالوا: إنهم لم يعثروا، إلا على صاروخ كاليبر واحد، سقط في (كفرزيتا)، بريف حماة، وآخر سقط في محيط مدينة خان شيخون، بريف إدلب، بدون أن ينفجرا، التأكيد من مصدرين مختلفين، والمعلومات على قلتها ـ إن صحت ـ تشكل مزيجًا يضرب سمعة السلاح الروسي الجديد في مقتل، وهو ما دفع بسبوتنيك للرد في الجمعة أيضًا بتقرير يوضح أن طهران ليس لديها معلومات عن تحطم صواريخ روسية على أرضها، فضلًا عما وصفه وزير الدفاع الروسي بـ ( الصدمة غير المبهجة للرفاق في البنتاجون ولانجلي)، مشيرًا إلى جنرالات وزارة الدفاع الأمريكية والمخابرات المركزية.

وسط التجارب الحية للأسلحة الروسية في سوريا، وفي ظل اقتصاد روسي يرزح تحت وطأة العزل والعقوبات الغربية؛ بسبب غزو موسكو شبه جزيرة القرم، تبرز أسئلة عديدة عن التدخل الروسي في سوريا، والتكلفة التي سيتحملها الكرملين، ومدى استفادة صناعة الأسلحة الروسية مما يحدث، وهل هو صراع سيطرة وحرب باردة أم لا، لكن السؤال الأهم، والذي يمثل صلب هذا التقرير هو: ” إلى متى سيتحمل اقتصاد روسيا مغامرات رئاستها وجيشها؟”

ما قبل المغامرة السورية

يرجع المأزق الروسي لما قبل الآن بعام وثمانية أشهر، حيث كان موعد العالم مع الجولة الأولى من العقوبات الأمريكية الأوروبية المشتركة ضد جمهورية روسيا الاتحادية؛ بعد غزوها لجزيرة القرم وما تبعها من الأزمة الأوكرانية الشهيرة، فوقع أوباما أمره التنفيذي الشهير في السادس من مارس لـ 2014 بتفعيل قانون حالة الطوارئ الاقتصادية الدولية، بما تضمنه هذا من فرض حظر السفر، وتجميد الأصول المصرفية، لكل من تقرر الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها الدوليون ـ وهو ما يعني ضمنيًا العالم ـ أنه مشترك في إصدار القرار الروسي بالغزو، وبالفعل تم وضع قائمة سوداء بعشرات الأشخاص المقربين من الرئيس الروسي والمشتركين ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ في التخطيط والإشراف على التدخل العسكري، مع تعليق كل المحادثات والأنشطة العسكرية والاستثمارية والفضائية بين التحالف الدولي، وعلى رأسه (الولايات المتحدة & الاتحاد الأوروبي & اليابان) وروسيا، ثم تم توسيع قرار حظر السفر، وتجميد الأصول، ليشمل عددًا من رجال وسيدات الأعمال الروس، أغلبهم مقربين من (بوتين).

اقرأ أيضًا: دليلك لفهم ما يحدث في القرم، عشرة أسئلة تشرح لك كل شيء.

في الجولة الثانية في الأسبوع الثالث من أبريل2014 تم إضافة عدد آخر للقائمة السوداء، أهمهم: هو (إيجور سيتشن)، نائب رئيس الوزراء السابق، والرئيس التنفيذي لعملاق النفط الروسي العالمي (روسنفت)، والمعروف بكونه الرجل الثاني في روسيا بعد بوتين، أما الجولة الثالثة والتي بدأت من يوليو لنفس العام، ومستمرة حتى وقتنا هذا، كانت أعنف وأكثر قسوة على الاقتصاد الروسي، حيث تضافرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وأستراليا لحصار الاقتصاد الروسي بما تسعه مساحات الضغط العالمية، فتم استهداف المؤسسات المالية الروسية وجميع البنوك التي تمتلك فيها الحكومة أغلبية الأسهم، وعلى رأسهم البنك الروسي الأكبر (سبيربنك)، وانضم عملاق الطاقة الآخر وأكبر منتج للغاز الطبيعي في روسيا (نوفاتيك) إلى روسنفت تحت مظلة الحظر، وطالت اليد الأمريكية أيضًا عملاق الصناعات الدفاعية (روستيك)، وعددًا لا بأس به من الشركات العملاقة في أغلب المجالات التي تؤلم الاقتصاد الروسي، وتوسعت قائمة المنع من السفر وتجميد الأصول المصرفية، وتعدت المائة وخمسين شخصًا من النخبة الروسية الحاكمة والمحيطة ببوتين في أغلبها.

على الرغم من الرد الروسي بمنع الواردات الغذائية من عدد لا يستهان به من التحالف الدولي، إلا أن هذا لم يكن ردًا كافيًا تبعًا لتفاوت نسبة الاستفادة الاقتصادية المتبادلة، والتي تصب في صالح هذا التحالف على الرغم من الاعتماد الأوروبي الرئيس على الغاز الطبيعي الروسي، وهي ورقة حماية موسكو الرئيسة من انهيار العملة الرسمية (الروبل) وتهالك الاقتصاد، لذلك عانى الاقتصاد الروسي بالفعل، فسجل معدل نمو بالسالب في الربع الأول من العام الحالي، يقدر بـ (-2.2 %) مقارنة بالعام السابق، وبعض المصادر ترفع النسبة السالبة لـ (-3 %) مع نسبة نمو متوقعة لعام 2016 تقدر بصفر في المائة، ومع الهبوط الحادث في قيمة الروبل اضطر البنك المركزي الروسي لاستخدام جزء من الاحتياطي النقدي لتثبيت سعر العملة أمام الدولار، أما قرار منع الواردات الغذائية من أوروبا، وبرغم أنه أفقد الاقتصاد الأوروبي مبلغًا يقدر بمائة مليار يورو (تتحمل إيطاليا بمفردها منه أكثر من مليار ونصف) فإن هذا أدى إلى ارتفاع سعر السلع الغذائية ـ خصوصًا المستوردة ـ وانخفاض قيمة الروبل أكثر، ثم جاءت أسعار النفط العالمية المنخفضة لتزيد المعاناة الروسية لاعتماد الاقتصاد بنسبة كبيرة على تصدير النفط والغاز الطبيعي.

في نهاية العام سيفقد الاحتياطي النقدي الروسي مبلغًا قدره (2.6) تريليون روبل، وهو ما يوازي 41 مليار دولار تقريبًا، نتحدث هنا عن أكثر من نصف الاحتياطي الروسي، والمعلومة السابقة على لسان أرفع مسئول اقتصادي في روسيا (وزير المالية أنتون سيلوانوف) والذي أكد أن العام القادم 2016 هو العام الأخير الذي يمكن فيه أن ينفق من الاحتياطي النقدي بهذا الشكل، إذًا احتياطي نقدي ينخفض بتسارع، وقيمة الروبل تتهاوي، والحصار الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة مازال مستمرًا، والاتحاد الأوروبي في مأزق حرج، لكن القبضة الأمريكية الضاغطة أقوى من أن تُفتك، ولا يمكن التعويل على ورقة لعبة واحدة، حتى ولو كانت بثقل ورقة الغاز الطبيعي والنفط، في النهاية هي ورقة واحدة أمام عشرات من الأوراق الأمريكية، كل ذلك هو بمثابة المزيد من الأخبار السيئة للروس لذلك لابد من حل!

المغامرة السورية

يتفق عدد كبير من محللي السياسات والباحثين والمستشارين السياسيين في مراكز الأبحاث أن روسيا تمر الآن بأضعف حالاتها الاقتصادية منذ ستة أعوام على الأقل وأن هذا الضعف سيستمر لفترة لا بأس بها، ولأن الأمور تسير من سيء لأسوأ فإن روسيا ـ بوتين اتخذت بعض الخطوات ما بين التدابير الوقائية إلى صنع ورقة لعب جديدة؛ في محاولات لافتكاك الحظر الغربي.

جاء التدخل السوري؛ ليضرب على الأقل دستة أهداف مطلوبة بشدة بالنسبة للنظام الحاكم الروسي، منها فتح جبهة جديدة، مما يخفف الضغط الدولي على الجبهة الأوكرانية ويصرف أنظار العالم إلى سوريا، والرسالة التي وصلت للجميع أن روسيا بمقدورها فتح أكثر من جبهة واحدة، والبقاء صامدة كأي لاعب دولي مؤثر عالميًا، بالطبع ذلك ليس معناه أن الولايات المتحدة ستنسى أوكرانيا مثلًا، لكنها ستنشغل كثيرًا بما يحدث في سوريا بعد قرارها الضمني بخلع اليد العسكرية بشكل شبه كامل منذ شهور من الشرق الأوسط، والاكتفاء بتمويل أو دعم أطراف تحددها حسب مصلحتها السائدة، لذلك يأتي التدخل الروسي ليعرقل محاولات عدم التورط الأمريكي بكافة الأشكال.

في نفس الوقت فإن روسيا ترغب في إيصال رسالة أخرى، وهي: (نحن لسنا بحاجة إليكم)، كان لروسيا في منطقة الشرق الأوسط أربعة حلفاء رئيسيين، هم: (العراق / إيران / ليبيا / سوريا)، في العقد الأخير تم افتكاك العراق بالغزو الأمريكي وليبيا بثورتها من روسيا، وبعد الاتفاق الإيراني الأمريكي النووي الأخير أصبحت كفة إيران تميل إلى الأمريكيين بطبيعة الحال للحفاظ على الاتفاق المنعش اقتصاديًا وشعبيًا حيًا قدر الإمكان، لذلك لم يبق حليفًا خالصًا، إلا سوريا، والتي ينبغي الحفاظ على الأسد فيها قدر المستطاع؛ لضمان وجود يد روسية هنا دائمًا.

هدف آخر يتمثل في فك العزلة الدولية، وفي هذا الصدد لن تجد موسكو أبدًا أفضل من بكين لاستيعابها ومساندتها، فالصين ـ العملاق العالمي ـ أجرت في مايو الماضي أول تدريبات بحرية مشتركة مع روسيا في البحر المتوسط فيما وصفه ألكساندر كورو ليف (الباحث السياسي الزائر بجامعة سنغافورة الوطنية) بأنه قلب مناطق عمليات حلف شمال الأطلسي، وهي خطوة جديدة تحدث لأول مرة بهذا الشكل، فضلًا عن اتفاق الغاز والنفط الشامل، الذي تم بين العاصمتين الأسيويتين، لعامي 2014:2013 ، وهو الذي أعطى بكين حرية وصول شبه كاملة لحقول النفط والغاز الروسية، في نفس الوقت الذي أعطى فيه أسواقًا إضافية لروسيا، فضلًا عن اتفاقهم شبه الكامل فيما يفترض بها أنها منطقة النزاع الرئيسة على النفوذ الأسيوي وهي (آسيا الوسطى).

أما الهدف الرابع فهو تثبيت أقدام بوتين شعبيًا، وهو هدف شديد الأهمية سيحتاجه فيما هو قادم من صعوبات اقتصادية متتالية، إننا نتكلم هنا عن اللعب شديد التقليدية على عواطف الجماهير من قبل الأنظمة الحاكمة، متمثلًا في أيقونة هذا المجال، وهي: (نحن نتعرض لأخطار خارجية)، بالإضافة إلى: (نحن مازلنا أمة عظيمة)، واللعبة ناجحة تمامًا بالفعل، فبوتين وقع على أول قرار بغزو خارجي منذ زمن الاتحاد السوفيتي، ويساهم الإعلام الروسي في ترويجها أكثر، لدرجة أن هناك عددا لا بأس به من الأمريكيين أنفسهم مقتنعين تمامًا أن بوتين تلاعب بأوباما والولايات المتحدة في سوريا، ومساحات الرأي العام هذه تساعده في معاركه الداخلية قبل الخارجية، خاصة مع الخلاف الذي ظهر على السطح أوائل العام الحالي، عندما انتقد بوتين لأول مرة علانية رجله ومستشاره المقرب (إيجور سيتشن)؛ بسبب صفقة استحواذ عملاق النفط (روسنفت) على أحد المنافسين الرئيسيين TNK-BP، بمبلغ يقدر بـ 55 مليار دولار نصفهم تقريبًا تم دفعه بشكل سائل، مبلغ يقترب من الثلاثة تريليونات روبل مما أدى إلى خفض قيمة العملة في ظروف روسيا الصعبة، فضلًا عن تزايد الديون على الشركة نفسها.

لكن الأهداف الروسية لم تنته بعد!

والنفط والسلاح واللاجئون!

(الإنفوجرافيك لمارك كانارسكي .. مصدر الصورة: visual.ly)

 

العلاقات الأوروبية الروسية شديدة التشابك والصعوبة، الرقم واحد في هذه العلاقة هو الغاز الطبيعي، والذي تعتبر روسيا هي المورد رقم واحد له في أوروبا بلا أي منافس تقريبًا، عن طريق لاعب رئيس هو (جاز بروم)، وأوروبا التي تبحث منذ سنوات عن افتكاك نفسها كرهينة للغاز والنفط الروسيين خسرت نقطة لصالح روسيا، التي أطلقت خططها لتمديد خط غاز باستثمارات مليارية تمر عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا، فضلًا عن أنها تواجه مع بقية العالم الاحتباس الحراري الذي يلعب دوره في جعل الشتاء أكثر برودة كل عام، مما يعنيه هذا من استهلاك مضاعف للطاقة، ومن ثم المزيد من النفوذ الروسي، بالإضافة إلى الاستثمارات الروسية الضخمة في بعض الدول، وعلى رأسها إيطاليا، والتي تتمتع بعلاقات اقتصادية قوية مع موسكو، ولا تستطيع المغامرة بخسارتها، مع وضع روما الاقتصادي المذبذب، ما يجعل كل ذلك شديد الصعوبة، هي اليد الأمريكية الطولي على أوروبا أيضًا.

التدخل الروسي العسكري في روسيا يعطى قوة نفوذًا أكبر أيضًا لموسكو من ناحية اللاجئين، والمعادلة هنا بسيطة، المزيد من التدخل العسكري والقصف وتثبيت نظام الأسد معناه المزيد من النزوح السوري إلى أوروبا، ومن ثم ضغط بشري متوال على الاتحاد الأوروبي، وموارد دوله، وعدم استقرار أمنى، هذه الورقة تعطي مساحة تفاوضية أخرى لموسكو في القضية الأوكرانية والعقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على الروس، ومزيدًا من النفوذ في مواجهة الهيمنة الأمريكية.

تلعب روسيا بوكر حقيقيًا في سوريا، فالمغامرة العسكرية الروسية تكلف موسكو هناك يوميًا أربعة ملايين دولار بتكلفة إجمالية منذ بداية الحملة في الثلاثين من سبتمبر وصلت إلى 115 مليون دولار، وقد يبدو المبلغ صغيرًا في ميزانية الدفاع الروسية لهذا العام (50 مليار دولار)، لكنه مرشح للارتفاع مع صراع يتوقع على الأقل أن يمتد لشهور، ومع ذلك العائدات لا يمكن تجاهلها، فالدولة التي تحتل المركز الثاني عالميًا على قائمة مصدري الأسلحة برقم بلغ العام الماضي 15.5 مليار دولار تبدو مقبلة على استثمارات واعدة؛ بسبب غزوها لسوريا وتجربتها لأسلحتها هناك، ما بين عقود دفاعية جديدة وبيعها لطائرات سوخوي –30 والتي لم يتم اختبارها في ظروف حربية حقيقية، ومحاولات تسويق الجيل الجديد من سوخوي والذي يحمل الرقم 35، وما بين تفكيرها في توسيع تواجدها العسكري وبيع درة أنظمة دفاعها الجوي إس 400 ، بالإضافة إلى تجربتها لصواريخ كاليبر، والتي مثل لها البعد الجغرافي السوري فرصة حقيقية لتوضيح مدى دقتها للمسافات البعيدة، فالقانون الدولي يمنع بيع الصواريخ ذات المدى الأطول من 300 كيلومتر، ولذلك لم يمكن تجربة صواريخ كاليبر الجديدة ذات الـ 1500 كيلو متر، إلا في تدخل عسكري مباشر كهذا، فضلًا عن أنه لو صح ما ذكر بأعلى التقرير من أن أربعة صواريخ سقطوا على إيران، فلن يكون هذا مستغربًا؛ بالنسبة لسلاح تتم تجربته لأول مرة، ولن يمنع تسويقه فيما بعد.

التقارب مع دول الجوار العربية، فتح خط مباشر مع إيران، تدعيم تواجدها البحري في قاعدة طرطوس البحرية، ومحاولة عرقلة الخطط المستقبلية الإسرائيلية اليونانية المشتركة لاقتطاع مساحات من هيمنتها على السوق الأوروبية للغاز الطبيعي، وتجربة وتسويق أسلحتها، وتخفيف الضغط على الجبهة الأوكرانية، ومحاولة كسر العزلة والجمود الدولي، كل ذلك لا يبدو قليلًا أمام تكلفة حربية عالية وتورط أكبر، هي مقامرة سيكون الحكم الأساسي فيها لطول نفس الاقتصاد الروسي في تحمل ما يحدث ومدى صمود شعبية بوتين الداخلية ودعم بطانته له.

ما قالته بعض التقارير من تشبيهها لما يحدث بالحرب الباردة ربما يبدو مستبعدًا تمامًا، فالحرب الباردة كانت بين قوتين متكافئتين بشكل ما مع تفوق طفيف للولايات المتحدة، لكن الوضع الآن مختلف تمامًا، فروسيا ليست الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة أقوى عسكريًا واقتصاديًا بعشرات المرات من روسيا، حتى أنه لا مقارنة فعلية بينهما حاليًا، لكن الحروب الآن لم تعد حروب مواجهة مباشرة حيث النصر للأقوى، لكنها حروب استغلال مساحات واقعية، وفتح مساحات جديدة، ومحاولة امتلاك أكبر عدد ممكن من أوراق اللعبة الدولية، وهو ما يبدو ـ حتى الآن ـ أن روسيا تسير على الطريق الصحيح فيه، إن لم يجد جديد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد