في منتصف سبتمبر/ أيلول هذا العام، أعلن فلادمير بوتين الرئيس الروسي التدخل العسكري الحاسم في سوريا، وأنهى بذلك هدنة كانت قائمة بين الروس والجيش النظامي وإيران من جانب، وبين قوات المُعارضة، ليحكم بوتين سيطرته حاليًا على شرق حلب تحديدًا التي كانت تحت سيطرة المُعارضة.

إذًا، شنَ الطيران الروسي  بالتعاون مع طيران القوات النِظامية السورية هجومًا جويًّا هو الأعنف خلال الأشهرالمُنصرمة، مُستهدفًا كل من يتواجد في حلب من شيوخٍ ونِساءٍ وأطفال على حدٍّ سواء، ما بين قتلى لم يجدوا المقابر، وجرحى لم يجدوا العلاج، باتت حَلب تستغيث.

تعاطَف الكثيرون مع قصف حلب لما لاقوه من قصصٍ إنسانية تُدمي القلوب، وتحت هاشتاغ #حلب_تباد الذي تَصدِر تويتر عالميًّا، أعرب الجميع عن تخاذل الحكومات أمام ما يحدث، في هذا التقرير نستعرض كيف أن موقع حلب هو المُسبب الرئيسي للتناحرعليها من قِبل الجميع، وكيف استغل بوتين جميع الأطراف لتحقيق انتصارات تضع روسيا على القمة من جديد!

 

 

في البداية.. لماذا حلب؟

إذا كُنت من المُهتمين بالأدب العالمي، فلعلك صادفت اسم هذه المدينة في روايات شكسبير كعُطِيل وغيرها، أيضًا أجاثا كريستي -من أشهر كاتبي الروايات البوليسية في العالم- جاءت إلى حلب لتكتب رواية رُبما ليس من قبيل الصدفة أن تكون بُعنوان «جريمة في قِطار الشرق». سُميت حلب بهذا الاسم عندما كانت عاصمة لـ«مملكة يمخاض» الآمورية، 1800 قبل الميلاد، ويُقال إن هذا الاسم تعريب لكلمة حلب السريانية، أي بيضاء.

تقع مدينة حلب شمال غرب سوريا، على مسافة تبعُد 50 كيلومترًا عن الحدود التركية، وتُعتبر أهم مركز اقتصادي  شمالًا، بالتالي تعتبر الموقع الأهم لتأمين خطوط الإمدادات من سلاحٍ وغذاء. ويُحاصرها غربًا تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وفي الشمال المجموعات الكُردية السورية، بالتالي يمكن للمُنتصر من كُلِّ أطراف الصراع أن يُنشيء قاعدة عسكرية خاصة به، التي تعتبر باللغة العسكرية (نقطة حاكمة) نظرًا لإستراتيجية موقعها.

تضم مدينة حلب ما يقرُب من 300 ألف مدني نظرًا لمساحتها، بالإضافة إلى وجود عناصر المعارضة المتمثِلة في 11 فصيلًا تحت أسماء وانتمائات مختلفة، بخلاف الفصيل الأهم والأقوى في المعادلة وهو جيش الفتح -جبهة النُصرة- سابقًا.

القضاء عليهم  يُسبب انشقاقات جماعية قد تُحدِث خللًا كبيرًا للمعارضة، بالتالي تُعتبر حلب سلاحًا ذا حدين، فإذا ما انتصرت حلب تستطيع بعد ذلك تكوين جبهة معارضة واحدة قوية ضد القوات النِظامية.

انتصرت القوات النِظامية في مدن مثل درعا وإدلب وحِمص، مع ذلك لم تنهار المعارضة، بالتالي المدينة الأهم والفاصلة في الصراع هي حلب، هذا بالإضافة إلى ما تُشكله من خطورة أن ينضم مدنيو حلب إلى المُتمردين، وهو ما يُمكن بدوره أن يُسقط نظام بشار من الأساس، في خُطوة تشبه ما حدث في بنغازي بليبيا مع اختلاف الظروف. يضاف إلى كلّ ذلك بالطبع أنّ حلب الشرقية على الحدود التركيَّة، بكلّ ما تحملهُ هذه الجغرافيا من دلالات.

 

كيف تكون السياسة الناجحة أقوى من السِلاح المُدمِر؟

«روسيا خدعت أمريكا، فتلك الجهود ضاعفت تردي المعنويات لدى الثوار، وأثبتت أن الروس كانوا يفعلون ذلك فقط لشراء الوقت لصالح الأسد؛ ليساعدوه في إحكام الحصار على حلب». *جيمس فيليبس، كبير الباحثين في  معهد «ميدل إيست أفيرز» نقلًا عن صحيفة المونيتور.

قال جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، إن المباحثات ما زالت مستمرة مع الجانب الروسي بشأن التنسيق العسكري في سوريا لضرب تنظيمي داعش والنُصرة، لكن ما كُشف بعدها أن حلب أيضًا كانت في الاتفاق، باتت معركة حلب لا مناص عنها بالنسبة لروسيا، الآن تحديدًا لتحسين شروط التفاوض في جنيف، وليس لحسم الصراع.

قبلها كان بوتين قد أعطى أوامره بسحب القوات الجوية من سوريا قبل الانطلاقة الأخيرة لجولة جنيف؛ حرصًا على إرضاء الولايات المتحدة سياسيًّا.

في أوائل تدخل القوات الروسية في سوريا أُسقِطت أول طائرة عن طريق أسلحة بدائية -يحرم على قوات المعارضة استخدام أجهزة دفاع جوي بقرار من البيت الأبيض- كالتي تمتلكها قوات المُعارضة، بعدها بِعدة أسابيع أُسقطت طائرة روسية أخرى بعد أن اخترقت المجال الجوي التركي بعشر ثوانٍ فقط.

قالت روسيا إنه قد تم إسقاط حوالي ثماني طائرات داخل سوريا، أهمها التي سقطت في مدينة إدلب؛ التي أحدثت صخبًا لدى الإعلام الروسي، بسبب التمثيل بجثث الطاقم المُكون من طيَارين وثلاث رُماة، ما يلفت أنظارنا إلى محدودية قدرات السلاح الجوي الروسي. أشارت الاستخبارات الأمريكية في صورٍ إلى صواريخ أرض- أرض أطلقتها روسيا من شمال بحر قزوين، قد سقطت في أماكن مُتفرقة دون أن تُصيب أحدًا، وأكدت أن منها ما سقط داخل الحدود الإيرانية.

سَخِرَ الإعلام الغربي في وقتٍ ليس ببعيد، أثناء مشاهدته حامِلة الطائرات الروسية الأدميرال كوزنتسوف، وهي تعبر قرب الشواطئ البريطانية، ويتم قطرها بواسطة سفينة أخرى؛ مما يوضح مدى تهالكها، جاء ذلك قبل أن يُعلن بوتين نفسه عن تخطي صادرات روسيا الزراعية صادراتها من السلاح في سابقةٍ لم تحدث قبل ذلك.

ثلاثة أمثلة لأسلحة مُختلفة داخل الجيش الروسي لم تصمُد كما يجب، لا نقصد من وراء ذلك غير إظهار محدودية القوة العسكرية لدى الروس، وهو ما تعوضه بالطبع العبقرية السياسية.

كيف انتصرت روسيا في حلب؟

العامل الأساسي في سقوط حلب كان التعاون مع القوات المختلفة لقطع الإمدادات والدعم عنها، لم يبق وقتها إلا التعاون الروسي/ التركي؛ نظرًا لموقع تركيا التي تُعتبر المنفذ الوحيد لدى المعارضة، ذلك ما يُفسر عودة ملايين الروس للسياحة، بالإضافة لعودة استيراد الفواكة من تركيا للأسواق الروسية، أيضًا نقل الغاز الروسي من خلال تركيا إلى أوروبا.

أُبرمت صفقات أخرى كشراء جهاز قطر للاستثمار -صندوق قطر المالي السيادي- جزءًا من شركة روزنفت، أكبر شركة نفط روسية، والتنسيق الروسي/ السعودي لدعم أسعار النفط، من قبلها بيع الطائرات لمصر، بالإضافة للتعاون العسكري والاقتصادي المُستمر ما بين إيران، وروسيا. كانت قوة روسيا الأهم هي التركيز على التعاون بين البلدان الإقليمية ذات السيادة في الوطن العربي، الذي يُعتبر نجاحًا عسكريًّا مُختبئًا في شكل تعاون اقتصادي.

اقرأ أيضًا:

4 مليارات دولار وأشياء أخرى: الدور السعودي الكبير في إجهاض الثورة السورية

 

ماذا يعني سقوط حلب بالنسبة لروسيا؟

انتصار «بشار – الروس» في حلب كان رسالة واضحة من بوتين لأقرانه ومنافسيه، وإعادة ترتيب للأوراق لفرض شروط جديدة لصالح الروس، أيضًا يعتبر رسالة للجنة المفاوضات التي عطلت روسيا عن تنفيذ أجندتها في المنطقة قبل الهزيمة.

يتم الإِبقاء على بشار والسماح له بالترشُح للانتخابات المتفق سريانها بعد الوصول لاتفاق دولي، أيضًا يتم تحويل نظام الحكم من النظام الرئاسي إلى النِظام البرلماني، في حين تحصل الحكومة الموسعة المُشكلة من النظام والمُعارضة ومُستقلين عن السُلطات التي تُمنح لرئيس الجمهورية، بالإضافة للسيطرة على الجيش والأمن.

نستطيع أن نقول إن تفاهم العِلاقات بين ترامب ونظيره الروسي المُتهم من قبل بالتجسس الإلكتروني واللعب في صندوق الانتخابات الأمريكي، والسبب الرئيسي في فوز ترامب غطاء أمني ومعنوي للتدخل العسكري الروسي الإيراني النظامي بترتيب القوى في ما يُسمى بــمعركة الحسم.

كان مقاتلو حزب الله يُسيطرون على ثُلثي حلب بعد الانهيار الأخير لها، بالإضافة إلى الانقسامات الواقعة بين قوات المُعارضة، أهمها هجوم جبهة فتح الشام على جيش الإسلام وفيلق الشام، أيضًا بين حزب نور الدين زنكي، وحزب تجمع فاستقم، فكل هذه الانقسامات في جناح المعارضة قابلها اتحادٌ واضحٌ من قوات النظام وإيران والروس، أضف عليهم الظرف التاريخي المُتمثل في عملية الانتقال السياسي في الولايات المتحدة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد