عكست تصريحات «بيتر هوروكس»، الرئيس السابق لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، والتي نقلتها عنه صحيفة الجارديان البريطانية مؤخرًا، حالة الفزع التي تنتاب الإعلام الغربي إزاء السيطرة الإعلامية المحتملة للإعلام الروسي والصيني. وكان «هوروكس» قد حذَّر من التفوق المادي للقنوات الروسية والصينية مقارنة بالإذاعات الغربية، مؤكدًا في ذات الوقت على أن الإذاعات الغربية ما يزال بإمكانها المنافسة عبر تقديم مواد إعلامية تحظى بثقة المتابعين. ورغم أن إذاعة بي بي سي ما تزال محل ثقة من مشاهديها، على النقيض من الإذاعات الروسية والصينية، إلا أن «هوروكس» شدد على أن الإعلام الروسي والصيني بإمكانه المنافسة وبقوة.

في المقابل، فقد اعتبرت أنيسة نواوي، المذيعة بقناة روسيا اليوم، أن القناة الروسية تضطلع بمهمة «سد الثقوب» التي خلَّفتها تغطية القنوات الغربية، خاصة ما يتعلق بتلك التغطية من تحريف وتحيز. كما أعلنت عن أن القناة تتلقى دعمًا تمويليًا من قبل الكرملين. وعزت ذلك الدعم إلى رغبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كسب الاحترام الدولي لروسيا على أساس من الندية المشتركة وتعزيز للغة الحوار.

وكانت قناة روسيا اليوم قد نفت أن تكون قد حظيت بدعم مالي يفوق الدعم الذي تتمتع به بي بي سي البريطانية. وأكدت على أن تنامي شعبيتها وانتشارها الجماهيرى ليس له أي علاقة بالإنفاق المادي, وإنما برغبة المشاهدين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة، في متابعة محتوى إعلامي جديد مغاير لما تقدمه وسائل الإعلام الغربية الأخرى.

غير أن الإنفاق المالي قد لا يكون محل النقاش. فالقنوات الصينية والروسية الناطقة باللغة الإنجليزية كقناة روسيا اليوم (RT) وتليفزيون الصين المركزي الإخباري ((CCTV ينطلقان من أكثر الدول استبدادًا في العالم. كما أن السياسة التحريرية لكلتا القناتين في نشر الأخبار والتحليلات الموجهة لجمهور المتابعين تنبني على التوافق والتماهي مع سياسات وأولويات الحكام في كلتا الدولتين.

إن الدافع المنطقي من وراء إنفاق مئات الملايين من الدولارات على هذه القنوات في ورسيا والصين هو الاعتقاد بأن الغرب يحاصر الشعب الأعزل في روسيا والصين بسياج من التصريحات والصور الكاذبة. وبحسب ما أوردته مجلة تشيوشي الصينية في عام 2009، فإن ثمة اتهامات صينية لوسائل الإعلام الغربية بالسيطرة على الأخبار الدولية والمعلوماتية، فضلاً عن إخفاء الحقائق ونشر الأحكام المسبقة.

إن الصينيين والروس لديهما المزيد من الثقة بقدرتهما على إجراء تغييرات غير محدودة في المجال الإذاعي والإعلامي. لم لا وقد حققا نجاحًا مماثلاً مع شعوبهما. فرغم القيود الصارمة التي فرضها جين بينج على وسائل الإعلام، إلا أن النتائج الأخيرة لاستطلاعات الرأي تشير إلى ثقة الرأي العام الكبيرة في أداء الرئيس الصيني.

وفي ذات السياق، كشفت استطلاعات الرأي الروسية هي الأخرى عن دعم شعبي مماثل لبوتين. ذلك الدعم الذي يأتي رغم الإدانات الدولية للتحركات الروسية في شبه جزيرة القرم الأوكرانية، فضلاً عن العقوبات الاقتصادية والانهيار الذي تشهده العملة الروسية. وكان ميخائيل كاسيانوف، رئيس الوزراء الروسي السابق، قد علّق على تلك الاستطلاعات بقوله إن إعلام الدولة نجح في خداع الجماهير وحشد التأييد لبوتين في وقت تخضع فيه كافة وسائل الإعلام لسيطرة الرئيس الروسي.

وبعيدًا عن روسيا والصين، فقد نجحت تلك التقنية والتي تتكأ على سيطرة الدولة على وسائل الإعلام في مصر خلال العام الماضي. فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش السابق، حاز على ولاء المنافذ الإعلامية الصحفية والتليفزيونية سعيًا وراء الدعم الشعبي الذي تجاوز 82% بحسب استطلاعات للرأي كانت قد أجريت قبل أربعة أشهر.

وعلى الرغم من أن الهند ليست دولة استبدادية، إلا أن وسائل الإعلام الهندية تخضع لسيطرة الشركات الكبرى التي ترغب في علاقات جيدة مع الدولة. كما أن قناة الجزيرة القطرية, تلك القناة الكبيرة في الدولة الصغيرة، تتعاطى بنوع من الحساسية مع مصالح الدولة الممولة.

ولا يختلف الأمر كثيرًا في الإعلام الغربي. فوسائل الإعلام التي تنتج «الإعلام الحر» حسبما تقول ليست «حرة» بالمعنى الذي تحويه الكلمة. فما تزال مقيدة بالمزيد من القوانين، وأصحاب المصالح، وأحكام الجماهير المسبقة التي ينقادون إليها في غالب الأحيان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد