لم يأتِ دعم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لقرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشن غارات جوية في سوريا من فراغ، فإيمان الكنيسة بأن تلك “معركة مقدسة” هو ذات الإيمان الذي حمله بوتين عندما أعلن أن انضمام شبه جزيرة القرم ذات “دلالة مقدسة”.

فهذه الكنيسة التي اضطهدت لأقصى حد في عهد الاتحاد السوفيتي تحظى الآن بأقصى درجات النهضة والمشاركة في العملية السياسية الروسية، كل ذلك يعود إلى جهد بوتين الذي أدرك أهمية مساندة الكنيسة له مقابل تبادل المصالح بين الطرفين.

ما هي المراحل التي مرت بها الكنيسة الروسية مع السلطة؟

الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، هي أكبر كنيسة أرثوذكسية شرقية مستقلة، يتبعها 125 مليون مسيحي، عانت هذه الكنيسة تحت الحكم السوفيتي نتيجة الفكر الإلحادي للاتحاد، فهضمت حقوقها القانونية وتعرضت لعملية قمع واضطهاد وخسرت الكثير من أتباعها، ويُسجل التاريخ (عام 1925) حادثة سجن ومقتل بطريرك.

في سبتمبر 1943، حديث تغيير جذري، وذلك عندما استدعى الرئيس الروسي ستالين كبار رجال الدين الأرثوذكسي الروسي وأصدر قرارًا بإعادة إنشاء مؤسسة البطريركية، وانتخاب المطران سيرغي بطريركا للكنيسة الروسية، وذلك لاعتقاد ستالين أن “النصر كان في حاجة إلى عامل معنوي مضاف لقوة السلاح”.

ثم شهدت الكنيسة الأرثوذكسية نهضة روحية كبيرة عقب انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، فأصبحت مؤسسة روحية نافذة في روسيا، خاصة في عهد فلاديمير بوتين الذي شهد عودة الكنيسة الأرثوذكسية إلى الواجهة في العملية السياسية.

ما مدى تأثير الكنيسة الأرثوذكسيّة والعقيدة المسيحية على الرئيس الروسي؟

هناك تأثير للكنيسة الأرثوذكسيّة، على الرئيس بوتين بشكل واضح، فهو يحترم الكنيسة، ويعتبرها «شريكًا طبيعيًّا» للسلطة السياسية، ويري أن هناك أفق تعاون عديدة بين الكنيسة والدولة، ويعمل جاهدًا على عودتها إلى الواجهة بعدما اضطهدت خلال الحقبة السوفياتية.

يقول بوتين في الفيلم الذي أعدّه المكتب الإعلامي للكنيسة الأرثوذكسية: “في أصعب الأوقات التي مر بها تاريخنا، عاد شعبنا إلى جذوره، إلى الديانة المسيحية وإلى القيم الروحية”، مؤكدًا أن: “الكنيسة ملأت الفراغ الأخلاقي بسبب غياب القيم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991، وكانت ولادة جديدة طبيعية للشعب الروسي”.

وكما أن بوتين أعلن في ديسمبر 2014 – أمام الاجتماع الأخير للجمعية الفيدرالية – أن: “انضمام شبه جزيرة القرم دلالة مقدسة بالنسبة لروسيا، لأن الأمير فلاديمير نال العماد هناك بالذات عام 988 ميلادية، في مدينة هيرسوني”.

يقول الباحث الأمريكي، وولتر لاكوير، في كتاب تحت عنوان (بوتينزم) ترادف الشيوعية أو للفاشية، أن: “نظام الحكم الذي يتبعه الرئيس بوتين يعتمد على الرؤية الروسيّة التقليديّة بوجوب كون روسيا دولةً قويةً، ذات قيادة قويّة، والعمل على الربط بين التقليد القوميّ والدينيّ للدولة، إلى جانب ترميم قدراتها العسكريّة التقليديّة”، ويوضح لاكوير أن: “نظام الحكم الحاليّ هو مزيج من القوميّة والتمسّك بالدين المسيحيّ، وهو نظام حكم قويّ جدًا، لا مكان فيه يُذكر للمُعارضة الروسيّة، والذي يرى روسيا على أنّها روما الثالثة”.

كيف تدعم الكنسية الأرثوذكسية الروسية الرئيس الروسي بوتين؟

يلاحظ المتابع للشأن الروسي أن بوتين يحظى بمناصرة العديد من أصوات رهبان وقساوسة الكنيسة الروسية، واحد من أشهر تلك الأصوات كان صوت بطريرك موسكو وعموم روسيا، كيريل، الذي وصف في نهاية خلال حملة بوتين الانتخابية للحصول على فترة رئاسية ثالثة، بوتين بأنه «معجزة الرب»، وقال إن: “هذه المعجزة هي التي انتشلت روسيا من وحدة الضياع التي دخلت فيها بمجرد انحلال وتفكك الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينات، و بوتين إصلاحي أرسلته العناية الإلهية لينقذ البلاد”.

ويؤكد الكاتب الروسي بيتر بوميرانتسيف أن “لأصحاب النفوذ في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية دورًا حاسمًا في مساعدة بوتين لإعادة صياغة معركة المعارضة الليبرالية ضد الفساد الإداري ومزاعم تزوير الانتخابات بتحويلها إلى نص مقدس من (شياطين أجانب) ضد (روسيا المقدسة)”.

أما الصحافي والمؤرخ نيقولاي سفانيدزه فقال أن: “نزوعًا مستمرًا منذ سنوات لدى السلطة الروسية لمنح الكنيسة الأرثوذكسية استثناءات مقابل ضمان ولائها، وضمان استمرار تدفق سيل التصريحات الكنسية المناسبة للنظام”، مضيفًا “الآن، تستخدم الكنيسة الرسمية لملء الفراغ الأيديولوجي الذي خلّفه انهيار الاتحاد السوفييتي”.

ما هي المصالح المشتركة بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والرئيس الروسي في الأزمة السورية على وجه التحديد؟

للحكومة الروسية مصالح متبادلة مع الكنيسة، وخير ما يمثل ذلك، الأزمة الأوكرانية، فخلال هذه الأزمة دعت الحكومة الروسية للعودة إلى القيم الأرثوذكسية، مقابل ذلك قامت الكنيسة الروسية بإدانة العقوبات الدولية، ودعت الشعب الروسي إلى تحملها كونها تأتي من عدو خارجي، وطالبت بالالتفاف حول السلطة بدلًا من الاعتراض على سياساتها.

ثم تأتي الآن الأزمة السورية، إذ تنتاب الكنيسة الأرثوذكسية الروسية مخاوف من أن تقضي موجة الإسلام الأصولي التي برزت بعد أحداث الربيع العربي على الأقليات المسيحية في منطقة الشرق الأوسط، والتي يتبع غالبيتها المذهب الأرثوذكسي، فحسب تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تمكن بوتين خلال ثلاثة أشهر الماضية من حشد الرموز الدينية في بلاده، والحصول على دعمها في تخصيص عشرات ملايين الدولارات لإعادة بناء أماكن للعبادة وتمويل المدارس الدينية.

ويؤكد الكاتب السوري إلياس حرفوش على أن ما يثير القلق في موقف الكنيسة الروسية هو أنه يمكن أن يفتح الباب أمام صراع ذي طابع طائفي مسيحي إسلامي، ويضيف في مقاله: “الأرثوذكس الروس و “حلف الأقليات”: “أصبحت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية شريكًا في الحرب السورية إلى جانب فلاديمير بوتين. إذ اعتبرت أن الحرب التي يقول بوتين إنه يخوضها ضد الإرهابيين، هي «حرب مقدسة»”، ويثير حرفوش التخوف من أن ذلك يُظهر المسيحيين في صورة الداعمين لجرائم النظام السوري والمتحالفين مع من يرتكبونها، ويتابع القول: “هناك حاجة أن يقول رجال الدين المسيحيون في منطقتنا كلمة حق في شأن ما يرتكبه النظام السوري، أو على الأقل أن يتجنبوا السير وراء الكنيسة الروسية في موقفها، الذي لا يمكن أن يقال فيه سوى أنه موقف متزلف لحكم بوتين ومجافٍ لحقيقة ما يجري في سوريا”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد