أصبح بإمكان سكان بلدة عاليه اللبنانية القائمة على طريق بيروت، مشاهدة العديد من الحفلات الغنائية في ساحة مكشوفة تتوسط منازلهم، ومتابعة العديد من النشاطات الفنية التي تتضمن رقص فلكلوري روسي، وكورال نسائي ووصلات غنائية  بمشاركة فرق عزف لبنانية.

افتتح مركز ثقافي روسي بهذه البلدة في يونيو (حزيران) 2018، وهو مؤسسة تقع ضمن رقعة النفوذ الثقافي الروسي المتسع في لبنان بالتزامن مع النفوذ العسكري والسياسي والأمني، وذلك مع استمرار وسائل الإعلام باطلاع اللبنانيين على العديد من التحركات الروسية التي تنم عن هذا التوجه الروسي المتزايد.

 

موسكو تحاول إيجاد موطئ قدم لها في لبنان

مع استمرار محاولات روسيا توسيع نطاق القوة الناعمة خاصتها في منطقة الشرق الأوسط، بدأ النفوذ الروسي يطل برأسه في الساحة اللبنانية، ويتجسد ذلك في محاولات موسكو تعزيز التعاون العسكري، وتقديم صفقات الأسلحة للبنانيين.

Embed from Getty Images

عنصر من الجيش اللبناني

فالمساعدات العسكرية الروسية آخذة في الازدياد، والكفة بعد نتائج الانتخابات البرلمانية اللبنانية الأخيرة آخذة في الميل قليلًا نحو تشكل معسكر موال لروسيا.  وكان أحد أبرز هذه المساعدات ما حدث في فبراير (شباط) الماضي، عندما كُشِف النقاب عن توجهات وزارة الدفاع الروسية نحو ضرورة إبرام اتفاق عسكري مع لبنان يقضى بتوفير روسيا أسلحة للبنان بقيمة مليار دولار أمريكي تسدد قيمتها على مدى 15 عامًا دون فوائد، كما جاء في مسودة الاتفاق اقتراح تدريبات مشتركة، ومشاركة أوسع للمعلومات الأمنية والعسكرية، ومكافحة للإرهاب والقرصنة.

لبنان الذي لا يزال يحتفظ بعلاقات عسكرية مع روسيا، وقع اتفاقًا مع موسكو العام الماضي لشراء 104 مركبة نقل عسكرية، وهناك ضباط بالجيش اللبناني لا يزالون يتلقون تدريبًا في روسيا. وترتبط الطموحات الروسية في لبنان برغبة موسكو في التوسع من الساحة السورية، لكون لبنان مرتبط استراتيجياً بسوريا، الأمر الذي يتطلب توفير مظلّة آمنة للعمليات الروسية. فبحسب محللين؛ قد تلجأ موسكو إلى توسيع نطاق عملها العسكري وعمل بطارياتها الصاروخية لتشمل الأجواء اللبنانية، ولكن إنطلاقاً من قواعد سورية، مثل: القلمون والجنوب السوري. فيما تعد موسكو طرابلس منطقة حساسة بالنسبة لها؛ وذلك لقربها من القواعد والمراكز الروسية على الساحل السوري، إذ يُقال إن الاستخبارات الروسية ترصد وتتنصت من البحر.

Embed from Getty Images

فتاة لبنانية تحضر درس الباليه في المركز الثقافي الروسي اللبناني في مدينة عاليه (شرق بيروت)

 

وتهتم موسكو أيضًا بالتعاون الثقافي مع لبنان، إذ لم تكف موسكو  عن تعزيز تأثيرها الثقافي في لبنان؛ فالمراكز الثقافية الروسية، «نمت كالفطر» في عواصم المحافظات وبلداتها الكبرى بلبنان، ويترافق هذا التوسع الثقافي مع رفع عدد المنح الجامعية الروسية للبنانيين إلى 60 منحة سنويًا. أما فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية فتدلل الأرقام على أهمية هذه العلاقات؛ إذ تضاعفت قيمة صادرات روسيا من 423 مليون دولار في عام 2012 إلى 770 مليونًا في عام 2017، وفق الجمارك اللبنانية.

ويعد قطاع الغاز اللبناني وإن كان غير قابل للتفعيل في المدى القريب، هام لدفع روسيا لدخول السوق اللبناني والاستفادة تجاريًا، ولذلك دخلت شركة «نوفاتك» الروسية ضمن تحالف مع شركتي «توتال» الفرنسية وشركة «إيني» الإيطالية في عقود للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية.

كذلك برز عدد من العرابين لهذه العلاقات، فعلى صعيد لبنان تذكر شخصيات سياسية باتت تشكل ما يشبه اللوبي لتحقيق التقارب السريع ومن أبرز هؤلاء عميد الصناعيين اللبنانيين السابق ورئيس اتحاد رجال الأعمال للمتوسط؛ جاك صراف، الذي يعمل أيضًا قنصلًا فخريًا لروسيا في لبنان، ورئيس مجلس الأعمال اللبناني-الروسي، أما من الجانب الروسي فيمكن ذكر السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين باعتباره عراب النفوذ الروسي الذي يُصنّف «زبون» التلفزيونات والإذاعات اللبنانية.

اقرأ أيضًا:

روسيا تريد و«حزب الله» ينفذ.. حلفاء الأسد يبدأون خطوات إعادة اللاجئين إلى سوريا

 

«حزب الله»  لا يرحب بحليفه الروسي على الأرض اللبنانية

«لبنان يرفض هبة عسكرية روسية»، هكذا عنونت  صحيفة الأخبار اللبنانية تقريرها حول عرض مساعدات روسي جديد شمل ملايين الأعيرة النارية التي ستوجه إلى الشرطة، وقالت الصحيفة إن الرفض جاء لأسباب فنية متعلقة بنوعية الأسلحة التي يستخدمها الجيش اللبناني، ولا علاقة له بالسياسة، وهو الأمر الذي تم نفيه من قبل المكتب الإعلامي للحكومة اللبنانية؛ إذ قبلت بيروت الصفقة.

 

صور للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، ورئيس النظام السوري بشار الأسد ، وزعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله في متجر للمجوهرات في مدينة حلب السورية

يقرأ تقرير الصحفية الموالية لحزب الله اللبناني المدعوم من إيران في إطار موقف الحزب الرافض لأي نفوذ روسي في لبنان، على عكس ما يحدث من عمل وتوافق وقتال في خندق واحد بين الطرفين في الأراضي السورية، وقد سبق أن كان الحزب أول المعترضين عام 2008 على هبّة عسكرية عبارة عن 10 طائرات من طراز ميج 29 إلى الجيش اللبناني وعدت بها موسكو  رئيس الحكومة سعد الحريري.

وفي محاولة لقراءة الأسباب وراء موقف الحزب يمكن القول بأن موسكو التي لا تربطها علاقة وثيقة بحزب الله بشكل خاص، قد يأتي دعمها العسكري آنف الذكر في إطار دعم الجيش اللبناني ضد الحزب المسلح ذي النفوذ القوي في الساحة الداخلية اللبنانية أسوة بما تنتهجه الولايات المتحدة.

في الواقع وعكس ما يتوقع البعض، فروسيا صديقها الأول في الداخل اللبناني ، سعد الحريري، خصم النظام السوري الذي يدعمه حزب الله، كذلك يسجل تخوف الحزب من أن يأتي أي نفوذ متصاعد لروسيا في لبنان  على حساب تعاظم نفوذ حليفه الأول وهو إيران، فتوافق موسكو مع واشنطن حول إيران قد يدفع روسيا للعب  دور فاعل في تقليص نفوذ إيران في سوريا وتحجيم دور حزب الله في لبنان تحقيقيًا لمكاسب سياسية، وبالتالي فإن تغلغل الروس في لبنان مع الحضور التقليدي الخليجي والأمريكي، لن يكون مصدر ترحيب من طهران التي ستصبح مهددة في أي وقت بانقلاب روسي على مصالحها في سوريا، ويدرك الحزب خطورة محاولات روسيا احتوائه مع إيران  في إطار توازن ربط النزاع الذي تضبطه روسيا انطلاقًا من الجنوب السوري.

Embed from Getty Images
محتجون يحملون صورة لزعيم حزب الله حسن نصر الله أمام السفارة الإسرائيلية في موسكو

ولأنه قد يسعى معارضون في الداخل اللبناني إلى تشجيع العلاقات الروسية نكاية في الحزب، فإن حزب الله غير مستعد لفتح جبهات داخلية، بدليل تقديمه إغراءات لكل الأطراف لإظهار أن الجميع سيكون قادرًا على فتح خطوط التواصل مع الحزب، والاستفادة من العلاقة معه.

يقول الصحافي اللبناني منير الربيع: «وبذلك يكون حزب الله عاملًا على قطع الطريق اللبنانية على موسكو. فهو لا يريد إتاحة المجال لدخول روسيا إلى لبنان تحت ذريعة وجود مشكلة سياسية وانقسام داخلي»، ويضيف الربيع  في حديثا لموقع «المدن» اللبناني: «هذا قد يفتح الباب لدخول موسكو في عملية ترتيب الأمور، ويمنحها مرجعية قد تزعج حزب الله وإيران في المرحلة المقبلة، إذ يجعل موسكو مرجعية بين مختلف التقاطعات السياسية، خصوصًا في ما يتعلّق بالحدود الجنوبية للبنان، وبملف النفط والغاز في البحر. لذلك، يعمل حزب الله على لعب دور يرضي الجميع، لعدم السماح لأية قوة أخرى بالقيام بهذا العمل».

اقرأ أيضًا:

هل تنتقل الحرب في الشرق الأوسط الآن من سوريا إلى لبنان دون أن نشعر؟ 

 

هواجس أمريكية إسرائيلية من التقارب الروسي اللبناني

يعتمد لبنان في غالبية تسليحه على الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا، فهذه الدول تزود الجيش اللبناني بدبابات (إم 60) و(إم 48)، وناقلات الجنود المدرعة (إم 113)، وصواريخ (تاو) المضادة للدبابات، وكذلك وصلت من واشنطن  للبنان مركبة المشاة القتالية (إم 2 برادلي)، و طوافات عسكرية هجومية من طراز (إم دي-530 جي)، وتقدر قيمة الأسلحة التي أرسلت للبنان من الولايات المتحدة منذ العام 2008 بقيمة 357 مليون دولار، بحسب برنامج مراقبة المساعدة العسكرية (security assistance monitor) الأمريكي، فيما تتحدث أرقام أخرى أن الولايات المتحدة أكبر جهة مانحة للجيش اللبناني، إذ منحت لبنان ما يزيد على 1.5 مليار دولار من المساعدات منذ عام 2006.

Embed from Getty Images

الرئيس دونالد  ترامب يستضيف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في البيت الأبيض

وضمن جهود موسكو لتوسيع انخراطها وعلاقاتها في منطقة الشرق الأوسط، تزايد جهود موسكو كما أسلفنا لدعم الجيش اللبناني، فروسيا ترى في لبنان فرصةً أخرى لإزاحة النفوذ الأمريكي لمصلحتها، لا سيما أن علاقة الدعم والتعاون مع الجيش اللبناني باتت وحدها موطئ القدم الأمريكي بلبنان، وقد عجلت واشنطن مع دول غربية بتحذير لبنان من تضرر برامج المساعدات العسكرية في حال قبول التعاون العسكري مع روسيا خاصة أن الضغوطات الأمريكية نجحت في دفع لبنان لرفض عرض روسي للحصول مجانًا على 10 مقاتلات ميج 29 في العام 2008، بل حذِّر مراقبون من أن لبنان قد يواجه عقوبات أمريكية إذا تعامل مع شركات الأسلحة الروسية التي وضعها قانون مناهضة خصوم أمريكا على القائمة السوداء. فخطورة الموقف الأمريكي قد تصل لحد إجازة القانون فرض عقوبات على البلدان التي تنخرط في «تعاملات مهمة» مع الجيش الروسي.

و يشير المراقبون إلى أن الإصرار الأمريكي على رفض الدعم الروسي للبنان ينطلق  من تخوفات واشنطن من الضرر بالمصالح الإسرائيلية، خاصة أن لبنان بتوسيع حلقة حلفائه يريد مظلة تحميه من إسرائيل، فرغم التوافق الروسي الإسرائيلي إلى حدٍ ما؛ إلا أن الملف السوري محطة خلاف بين الطرفين بدليل الأزمات التي نشبت بين الطرفين، والتي ليس آخرها  إسقاط الطائرة الروسية (إيل 20) في اللاذقية شمال سوريا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وقد سارعت موسكو حينذاك إلى تحميل إسرائيل مسؤولية ذلك، وهو ما دفع موسكو نكاية في إسرائيل إلى تسليم النظام السوري منظومة (إس 300) الدفاعية المتطورة مؤخرًا، وإسرائيل التي تفضل الدعم الأمريكي في المحصلة لن تنظر بارتياح إلى دعم موسكو للجيش اللبناني الذي طالما اعتبرته تحت وصاية حزب الله، عدوها اللدود في المنطقة.

 

أثناء تسليم مساعدات عسكرية أمريكية للبنانيين.

لكن إن تخلت الولايات المتحدة عن برنامج دعمها للجيش اللبناني، فإنها ستقلص نفوذ واشنطن في لبنان وتسمح للاعبين آخرين مثل روسيا وإيران بملء الفراغ، وقد جاء في بيان السفارة الأمريكية تعقيبًا على زيارة لنائب قائد القيادة المركزية الأمريكية (ARCENT) الجنرال تيرنس جي. ماكنريك، أن «الولايات المتحدة سوف تُكمل هذا العام تسليم الطائرات الست من طراز (A-29 Super Tucano)، بالإضافة إلى 32 آلية قتال مدرعة من نوع (برادلي)، وهي جزء من 340 مليون دولار أمريكي من المساعدات لتحسين قدرات الجيش اللبناني في الجو ولبناء قدراته على المناورة الآلية الحديثة على الأرض».

لكن، هل يمكن لروسيا أن تنجح في التغلغل في لبنان بغض النظر عن الموقف الأمريكي؟  هناك بعض الموانع التي على الأقل قد تعطل الرغبة الروسية في وضع قدم لها في الأراضي اللبنانية، إذ إن هذه الأراضي التي تمتلك توازن هش لقوى طائفية ستجعل الحلم الروسي بعيد المنال على الأقل في الوقت الراهن، وهو ما تمخض عنه عجز روسي عن اقتحام الساحة اللبنانية بشكل سلس، بدليل المصير المجهول لصفقة الأسلحة التي تبلغ قيمتها مليار دولار بهدف السماح للسفن الحربية الروسية باستخدام الموانئ اللبنانية.

وتدرك موسكو تعقيدات الوضع اللبناني وتركيبته الحساسة، وارتباط الوضع الداخلي بالسياسات الكبرى الخارجية، ناهيك عن معرفتها جدوى الاستثمار الأمريكي منذ سنوات في الأمن اللبناني، وانصياع اللبنانيين لرفض واشنطن حصول لبنان على السلاح الروسي، وإضافة لكون لبنان من الحصّة الأمريكية،  ترفض الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا أن يكون لبنان منطقة نفوذ روسي، وهي متمسكة بآخر امتداد لها في الشرق الأوسط، خاصة أن واشنطن أعطتها هامشًا للعودة للعب دور في المنطقة انطلاقًا من البوابة اللبنانية.

اقرأ أيضًا:

«هآرتس»: لهذي الأسباب تتحول عيون إسرائيل نحو لبنان عوضًا عن سوريا

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!