قيمة العملة الروسية الروبل آخذة في الانزلاق بشكل قياسي هذا العام، حيث بلغت مستويات متدنية لم تشهد لها مثيلاً. هذا الانخفاض لا يؤثر سلبًا في الاقتصاد الروسي فقط، بل يؤثر أيضًا في عدد من الدول المعتمدة على روسيا اقتصاديًّا.

وقد بلغ الدولار الأمريكي الواحد حوالي 62.03 روبل روسي خلال هذا الشهر، بعدما كان 49.47 روبل في شهر نوفمبر الماضي. كما شهد هذا الشهر هبوط الروبل إلى أدنى مستوياته أمام الدولار عندما بلغ الدولار الواحد 72.45 روبل.

ما هو الوضع الحالي في روسيا؟

ببساطة شديدة فإن الاقتصاد الروسي ينهار والعملة تنخفض إلى معدلات قياسية لم تشهدها البلاد منذ عام 1998م، وربما تتجه نحو الأسوأ.

وتصف صحيفة الجارديان البريطانية الوضع الاقتصادي في روسيا بأنه “كالسفينة بلا دفة والتي نفذ منها الوقود وتتقافز بلا هدى في عاصفة ثلجية في طريقها إلى التحطم”. انخفاض قيمة العملة الروسية وتراجع الناتج المحلي وأسعار الفائدة المصرفية وأسعار البترول المنخفضة كلها تمثل للاقتصاد الروسي جبال الجليد التي ستتسبب بالتأكيد في تحطم السفينة بالنهاية. والسؤال هنا ليس ما إذا كانت السفينة ستنجو، بل السؤال ما هي الفترة التي ستتمكن فيها السفينة من المقاومة قبل أن تتحطم وتغرق؟

في لحظة كتابة هذا التقرير كان سعر صرف الروبل مقابل الدولار الأمريكي الواحد 61.01 روبل، وهو سعر منخفض كثيرًا لكنه أفضل بعض الشيء من الأيام القليلة الماضية خلال شهر ديسمبر، والذي وصل فيها سعر الصرف إلى 72.45 روبل، لكن تدخل البنك المركزي الروسي ورفعه لأسعار الفائدة ساهم في رفع قيمة الروبل أمام الدولار بعض الشيء.

لكن الوضع ما يزال خطيرًا.

ففي بداية شهر أكتوبر الماضي صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن العقوبات الاقتصادية الغربية على بلاده كانت سخافة مطلقة متحدثًا “بغرور” عن أن هذه العقوبات لن تضر إلا الشركات الأمريكية والأوروبية فقط لا غير. لكن منذ هذا التصرح وحتى يومنا هذا فإن العملة الروسية هبطت قيمتها مقابل الدولار إلى النصف تقريبًا، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى قوة الاقتصاد الروسي وتحمله للعقوبات وللمتغيرات الاقتصادية الصعبة في العالم هذه الأيام.

البنك المركزي الروسي قام بخطوة مفاجأة تمثلت في رفع قيمة الفائدة من 10.5% إلى 17% ليصبح أكبر زيادة في قيمة الفوائد منذ عام 1998م.

ما هي أسباب هذه الأزمة؟

السبب الرئيس وراء الانخفاض الحاد في سعر العملة الروسية يعود إلى الانخفاض الكبير في أسعار البترول العالمية.

الاقتصاد الروسي يعتمد بشكل كبير على البترول والغاز الطبيعي؛ حيث إن نحو نصف إيرادات الميزانية الروسية يأتي من الضرائب على النفط والغاز الطبيعي. بالتالي فإنه كلما هبط سعر البترول فإن الاقتصاد الروسي سينخفض تبعًا له.

يبلغ سعر برميل البترول حاليًا أقل من 60 دولارًا، ومع اعتماد روسيا على البترول بشكل رئيس فإنها بحاجة لأن يرتفع سعر برميل البترول إلى 105 دولار حتى يمكنها أن تتعافى من هذه الأزمة الطاحنة.

السبب الرئيس الثاني لهذا الانهيار يعود إلى العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية القاسية على روسيا التي تسببت في تدمير واضح للاقتصاد الروسي خلال العام المنقضي. هذه العقوبات التي وقعها الغرب في أعقاب الأزمة الأوكرانية والتدخل الروسي في منطقة القرم وشرق أوكرانيا.

البعض يرى أن ردود فعل بوتين على العقوبات دائمًا ما تأتي بنتيجة عكسية على الشعب والاقتصاد الروسي بدلاً من أن تضر الغرب نفسه. فعندما قام الغرب بفرض العقوبات على المقربين من بوتين وعلى البنوك الروسية رد بوتين عبر حظر استيراد المواد الغذائية الغربية!!

بالطبع هناك عوامل أخرى ساعدت على هذا الانهيار منها التضخم الكبير في البلاد. في شهر يناير الماضي كان معدل التضخم في روسيا 6.1% فقط، والذي أخذ في الارتفاع التدريجي حتى وصل إلى 7,8% في شهر يونيو كأعلى معدل يصل له هذا العام، قبل أن ينخفض في شهر يوليو إلى 7.5%. لكن معدلات التضخم عادت للارتفاع من جديد مصحوبة بانخفاض أسعار البترول ليقفز إلى مستويات قياسية بلغت 9.1% في شهر نوفمبر.

هل انخفاض سعر العملة أمر سيئ؟

نعم ولا.

بالطبع فإن انهيار سعر العملة في دولة ما يكون انعكاسًا لمستوى الاقتصاد في هذه الدولة، فكلما هبطت العملة كان ذلك معناه هبوط في مستوى الاقتصاد.

لكن في بعض الأحيان يكون انخفاض سعر العملة المحلية أمام العملات الأخرى شيئًا إيجابيًّا لأنه يجعل قيمة السلع الخاصة بالدولة رخيصة بالنسبة لدول العالم المختلفة؛ مما يساعد على ارتفاع الصادرات وسكب الكثير من العملات الأجنبية في خزانة الدولة وتنشيط الاقتصاد عبر نشاط التصنيع.

المشكلة في روسيا أن معدلات الإنتاج الصناعية ليست ضخمة بالحد الكافي الذي يسمح بالتصدير بكميات كبيرة مما يحدث قدرًا جيدًا في الموازنة بين انخفاض سعر العملة وتنشيط الاقتصاد المحلي. وبالتالي لا يمكن لروسيا أن تستفيد من بقاء سعر عملتها منخفضًا كما تفعل بعض الدول الأخرى؛ كفيتنام واليابان اللتين تتدخل فيهما الحكومة للمحافظة على سعر صرف عملتيهما منخفض بالشكل الذي يسمح بزيادة الصادرات.

هل حدث هذا الأمر من قبل؟

نعم، فآخر مرة قامت روسيا فيها برفع أسعار الفائدة بمثل هذه المستويات كان خلال أزمة عام 1998م المالية، والتي يطلق عليها أحيانًا “الإنفلونزا الروسية”.

ساهم في هذه الأزمة نقص الإنتاج الروسي بشكل عام، ومعدلات الصرف الأجنبي السلبية. في هذه الأوقات انخفض الطلب على البترول وقام الرئيس الروسي بوريس يلتسن بإقالة رئيس وزرائه في محاولة لتغيير السياسات الاقتصادية وإنقاذ الروبل الروسي من الانهيار. أضف إلى هذا الحرب الروسية في أفغانستان والخسائر الفادحة التي تكبدها الجيش الروسي وفقدان روسيا التدريجي لبعض دول الاتحاد السوفييتي ذات الأهمية الاقتصادية العالية.

في شهر مايو 1998م اضطر البنك المركزي الروسي إلى رفع أسعار الفائدة بشكل مبالغ فيه، خصوصًا مع عجز الحكومة عن سداد قروضها؛ فاضطرت لإعادة جدولة الديون لبضعة أشهر تالية.

تمكنت روسيا من عبور هذه الأزمة الحادة بمجرد أن حدثت زيادة في الطلب على البترول الخام مرة أخرى.

 

ما هي طبيعة الاقتصاد الروسي؟

روسيا هي سادس أكبر اقتصاد في العالم من الاقتصادات السبعة الكبرى؛ حيث يبلغ إجمالي ناتجها القومي 3 تريليون دولار في العام الواحد تقريبًا. وقد أشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الروسي تعرض لانكماش بقيمة 8% بالفعل هذا العام.

لكن التوقعات تشير إلى احتمال أن يقل إجمالي الناتج المحلي لروسيا العام المقبل بنسبة 5% تقريبًا.

كما ذكرنا أن الاقتصاد الروسي يعتمد بنسبة كبيرة على الموارد الطبيعية من غاز وبترول ومعادن، حيث يقول الخبراء إنه رغم تنوع الاقتصاد الروسي لكنه في الأساس اقتصاد معتمد على إنتاج وتصدير الطاقة.

في عام 2012م مثل قطاع البترول والغاز الطبيعي حوالي 16% من إجمالي الناتج المحلي، وحوالي 52% من إيرادات الميزانية الاتحادية الخاصة بالحكومة الروسية، وأكثر من 70% من إجمالي الصادرات الروسية للخارج.

من هذا نفهم أن المسئول عن الأزمة الاقتصادية الحالية في روسيا هي روسيا نفسها، وزعيمها الحالي فلاديمير بوتين، لأن هذه الأزمة تعكس العواقب المنطقية لعدم إعادة هيكلة الاقتصاد الروسي نحو المزيد من التصنيع خلال العشرين عامًا الماضية.

ما هي تأثيرات الأزمة الروسية على العالم؟

الدول الأكثر تأثرًا بهذه الأزمة هي دول الكومنولث المجاورة لروسيا.

من بين الدول التي تأثرت بالفعل بالأزمة الروسية هناك كازاخستان، وجورجيا نتيجة لتخفيض التحويلات المالية إليها، وكذلك أرمينيا.

هناك عدد من البنوك في أوروبا يملك الكثير من الأعمال في روسيا، والتي بالطبع ستتأثر سلبًا وإن كانت تعاني من مشاكل مالية منذ فترة.

يمكن ملاحظة الأثر السلبي لهذه الأزمة بوضوح عبر ردود فعل بعض الشركات العالمية مثل شركة أبل الأمريكية التي قامت بتعليق عمل متجرها الإلكتروني في روسيا.

من ناحية أخرى فإن التجارة بين روسيا والولايات المتحدة قليلة جدًّا؛ مما يعني أن انهيار الاقتصاد الروسي لن يؤثر على الولايات المتحدة بأي ضرر يذكر. أيضًا غالبية الدول الأوروبية لن تتأثر بانخفاض قيمة العملة الروسية.

هل هناك حلول لهذه الأزمة؟

الحل الأبرز لهذه الأزمة يكمن في إعادة رفع سعر البترول في السوق العالمية من جديد. هذا الأمر يبدو في يد منظمة الدول المصدرة للبترول أوبك التي يمكنها أن تأخذ قرارًا بخفض الكمية المنتجة من البترول فترتفع أسعاره ويتعافى الاقتصاد الروسي سريعًا، كما حدث في أزمة عام 1998م.

لكن صحيفة الجارديان البريطانية وعبر محررها أنغوس روكسبيرغ المستشار السابق للحكومة البريطانية، طرحت حلولاً أكثر جذرية للأزمة. فما يقوم به الغرب تجاه روسيا هو محاولة إفقار شعبها وتنفيره من الغرب عبر اتخاذ إجراءات سلبية تجاهه بصورة دائمة، وعدم احترام رغباته، وهذا الأمر يتم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينات القرن الماضي.

فإذا كانت نية الغرب من تدمير الاقتصاد الروسي هو إحداث حالة من عدم الاستقرار تطيح بالرئيس فلاديمير بوتين، أو محاولة إثارة الشعب على الكرملين للإتيان بحكومة صديقة للغرب، فإن هذه لعبة خطيرة للغاية. لأن صب الضغوط على الكرملين قد يؤدي ببساطة لإشعال حرب إقليمية أو عالمية جديدة لا يعلم أحد نتائجها على روسيا وأوروبا وحتى الولايات المتحدة نفسها.

لا بد من التعامل مع السلوك الهجومي والعنيف للرئيس بوتين عبر معالجة الأسباب التي تؤدي لمثل هذا السلوك، وليس عبر معالجة الأعراض فقط. الغرب بحاجة إلى إعادة التفكير في أساليبه تجاه روسيا، وعدم السير في اتجاه واحد نحو فرض القوة والعقوبات. فإدارة الرئيس السابق بوش الابن بدأت بالعديد من أعمال استعراض القوة التي جعلت روسيا تتخوف كثيرًا من مد النفوذ الغربي في الساحة الخلفية لروسيا؛ مما أعطاها إيحاء متزايدًا بعدم الأمان. أبرز هذه الأفعال كانت تخلي أمريكا عن معاهدة الصواريخ الباليستية من جانب واحد، والتي كانت روسيا تعتبرها حجر الزاوية نحو التوازن الاستراتيجي، بالإضافة لبناء الولايات المتحدة لدرع صاروخية على أعتاب روسيا، وتوسع حلف شمال الأطلسي لنفوذه في أوروبا حتى بات على أعتاب الحدود الروسية، وأخيرًا النزع الغربي لأوكرانيا من القبضة الروسية.

 



المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد