قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الأحد الماضي 13 يونيو (حزيران) 2021 إنه مستعد لتسليم ومحاسبة «المجرمين»، الذين تطلبهم الولايات المتحدة، ويعيشون في روسيا، لتهم متعلّقة بجرائم إلكترونية واختراقات، ولكن بشرط أن تفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه، أدلى بوتين بهذه التصريحات في مقابلة تلفزيونية بالتزامن مع انعقاد قمة «حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، وقبلَ لقائه المرتقب والأول بالرئيس الأمريكي جو بايدن يوم 16 يونيو في جنيف بسويسرا.

وقد قال بوتين بهذا الصدد: «إن مسألة الأمن السيبراني هي واحدة من أهم القضايا في الوقت الحالي»، وفي هذا السياق اتّهمت الولايات المتحدة، وبريطانيا، ودولٌ أخرى، روسيا في فبراير (شباط) 2018 بمسؤولية إطلاق فيروس يدعى «NotPetya» الذي تسبب بأضرار بالغة في الحواسيب حول العالم، وكلّف عدة شركات مليارات الدولارات، وعملَ الفيروس على شلّ أجزاء من البنية التحتية الأوكرانية.

وعلنًا على الأقل لا يكترث الكرملين كثيرًا بهذه الاتهامات، ولم يعلق عليها إلا من خلال السفارة الروسية في لندن للردّ على التصريحات البريطانية باعتبارها «أمثلة مذهلة على سياسة ضد روسيا، متهورة واستفزازية لا أساس لها من الصحة».

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تتهم فيها الدول الغربية روسيا بالعمل على هجمات إلكترونية تضر بمصالحها، وأشهرها اتهامُ وكالات المخابرات الأمريكية لروسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، بحملة قرصنة ودعاية لصالح حملة دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة ضدّ المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

تضعُ بعض التصنيفات روسيا في المرتبة الثالثة من ناحية الأمن السيبراني، بعد الولايات المتحدة وإسرائيل، وصنَّف تقرير مركز بلفر بجامعة هارفارد روسيا، في «مؤشر القوة الإلكترونية الوطني»، باعتبارها القوة السيبرانية الرابعة، بعد أمريكا والصين وبريطانيا.

مجموعة الضباط الستة وعمليات عالمية بمليارات الدولارات

في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 استطاع «مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)» تحديدَ مجموعة مكونة من ستة روسيين، صدرت بحقهم لائحة اتهام أمريكية تتهمهم بالوقوف وراء هجمات إلكترونية تدعم جهود الحكومة الروسية «لزعزعة الاستقرار في العالم»، بحسب وزارة العدل الأمريكية.

دعمت هذه المجموعة عمليات ضرب جزءٍ من البنية التحتية في أوكرانيا وجورجيا، والتدخّل في الانتخابات الفرنسية، واستهداف دورة الألعاب الأولمبية في بيونج تشانج 2018 بعد منع الرياضيين الروس من المشاركة تحت علم بلادهم، نتيجةً لاستخدام المنشطات التي ترعاها الحكومة الروسية.

وأعلن تقرير لوزارة العدل الأمريكية أن هؤلاء الستة، هم ضباط في الوحدة «74455» التابعة لـ«مديرية المخابرات الروسية»، وهو جهاز استخبارات عسكري تابع لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وصرَّحت الوزارة أن هذه الهجمات تسببت في خسائر تُقدر بمليار دولار أمريكي لثلاث شركات فقط من اللواتي استهدفتها المجموعة.

وكشف التقرير أن المجموعة استخدمت الفيروس «NotPetya»، المذكور سلفًا في هذا التقرير، والذي يُعد من أكثر الفيروسات الضارة في العالم، واستخدموا برمجيةً باسم «Olympic Destroyer» لتعطيل آلاف أجهزة الكمبيوتر المستخدمة في دورة الألعاب الأولمبية في بيونج تشانج 2018.

ومن ديسمبر (كانون الأول) 2015 إلى ديسمبر 2016، توالت الهجمات المدمرة ضد شبكة الطاقة الكهربائية الأوكرانية، ووزارة المالية ودائرة الخزانة الحكومية في أوكرانيا، باستخدام برامج ضارة تعرف باسم «BlackEnergy» و«Industroyer» و«KillDisk». أما عن الانتخابات الفرنسية فقد قادت المجموعة حملة لتسريب معلومات تستهدف الرئيس الفرنسي ماكرون أثناء الانتخابات الرئاسية عام 2017.

وقال مساعد المدعي العام للأمن القومي جون ديمرز: «يبدو أن روسيا تتسبب بشكل في أضرار غير مسبوقة، لتحقيق تقدّم تكتيكي صغير»، وقال نائب مدير «إف بي آي» ديفيد بوديتش: «حذر مكتب التحقيقات الفيدرالي مرارًا وتكرارًا من أن روسيا خصم إلكتروني ذو قدرة عالية، والمعلومات التي جرى الكشف عنها في لائحة الاتهام هذه توضح مدى انتشار وتدمير الأنشطة الإلكترونية لروسيا».

وذكر التقرير أسماء الضباط الستة (دون ذكر معلومات عنهم)، وعلى رأسهم الضابط يوري سيرجيفيتش أندرينكو (32 عامًا).

منصة لبيع وشراء البيانات وخدمات الـ«هاكرز»

إلى جانب مجموعة الضباط يأتي اسمٌ سابع قد يُضاف على قائمة بوتين لاستعادته إلى روسيا، وهو كيريل فيكتوروفيتش فيرسوف، الذي اعتقله الـ«إف بي آي» في 7 مارس (آذار) 2020 بتهمة القرصنة الإلكترونية، وإدارة متجر لتسهيل العمليات الإجرامية.

كانت «DEER.IO» عبارة عن منصة إلكترونية روسية، سمحت للمجرمين بتأسيس متاجر إلكترونية على المنصة، وبيع منتجاتهم وخدماتهم الإجرامية فيها، وبدأت المنصة عملياتها في أكتوبر 2013، وكان فيها أكثر من 24 ألف متجر نشط، بمبيعات تجاوزت قيمتها 17 مليون دولار.

وفَّرت المنصة مجموعة من الخدمات، مثل بيع البيانات المالية، والهويات الشخصية، وأسماء المستخدمين، وكلمات المرور، والعناوين، وأرقام الهواتف، وأرقام الضمان الاجتماعي، المأخوذة من أجهزة الكمبيوتر بعد استهدافها في الولايات المتحدة وخارجها، وكانت بياناتها تُحفظ على خوادم روسية، ووفَّرت المنصة خدمات القرصنة الإلكترونية، والتي يُدفع ثمنها بالعملات الإلكترونية المشفّرة.

ويستلزم إنشاء متجر على المنصة لترويج الخدمات الإجرامية، 12.5 دولارًا أمريكيًا شهريًا، تُدفع عن طريق «WebMoney» وهو نظام تحويل أموال روسي مشابه لـ«PayPal».

وعلى أثر هذه القضية قال المدعي الأمريكي روبرت بروير: «هناك سوق سري قوي للمعلومات المسروقة، وهذه طريقة جديدة لمحاولة تسويقها للمجرمين الذين يأملون في عدم القبض عليهم».

أما فيرسوف فقُبض عليه في نيويورك، وحُكم بالسجن 30 شهرًا، وقال «إف بي آي» إنّ المكتب سيظل «يلاحق الفاعلين المجرمين في المجال السيبراني، بغض النظر عن مكان عملهم» في إشارةٍ لروسيا، و«سيعمل على تقديمهم للعدالة في المحاكم الأمريكية».

المصادر

تحميل المزيد