مع تناقل وسائل الإعلام لصور جنود روس منتشرين في الأراضي السورية، ومع نشر تقارير استخبارتية عن معدات وآليات عسكرية روسية وصلت إلى سوريا، يمكننا القول بأن هناك مرحلة جديدة وخطيرة من التدخل الروسي في سوريا قد بدأت.

هذه المرحلة وصفها المراقبون بأنها ستحول سوريا إلى معقل روسي، إذا أصبحت الجبهة السورية مهددة بانفجار كبير ذي بعد عالمي.

“ساسة بوست” في التقرير تقف على التطورات الأخيرة فيما يتعلق بالدور الروسي في سوريا.

ما هي مؤشرات التواجد العسكري الروسي في سوريا؟

 

على مساحة 140 دونمًا، أنشأت روسيا عام 2012 قاعدة عسكرية في طرطوس، هذه القاعدة مجهزة بسلاح إشارة متطور وأسلحة دفاعية أخرى، ويرجع الخبراء سبب اختيار طرطوس الساحلية المجاورة للاذقية، لتمكين التواجد العسكري في أكثر المناطق أهمية للنظام السوري، إذ تشير التقارير الصحفية إلى أن موسكو تزيد من تواجدها العسكري في المدينتين الساحليتين على وجه الخصوص، في حين أن إيران تستأثر بدمشق وحمص.

أما في عام 2013، فقد بثت المعارضة السورية فيديوهات تظهر مقاتلين روس يتواجدون في الجبهات الأمامية مع قوات النظام السوري، ونشرت حركة أحرار الشام في 30 من نوفمبر (2013) بطاقة شخصية لأحد مرتزقة شبكة “موران” الأمنية الروسية، وقالت الحركة إن هذه الشبكة هي واحدة من الشركات الأمنية التي تعاقدت معها قوات الأسد للقتال داخل الأراضي السورية مقابل رواتب مرتفعة وضمن عقود مشبوهة.

وفي منتصف شهر نوفمبر 2013، كشف موقع “فونتانكا” وجود فرقة من المرتزقة الروس تحمل اسم “الفرقة السلافية”، وفي شهر أكتوبر عام 2014، فكك الجيش السوري الحر محطة تجسس روسية في بلدة تل الحارة جنوب القنيطرة، وأظهر شريط فيديو خاص بالمحطة وثائق معلقة مكتوبة باللغتين العربية والروسية، بما فيها رموز أجهزة الاستخبارات السورية والمديرية السادسة في جهاز الاستخبارات الروسي الخارجي.

https://www.gettyimages.com/detail/news-photo/russian-anti-ballistic-missile-system-is-seen-during-the-news-photo/485199570

أما أبرز ما كشف في الأيام القليلة الماضية، فيتعلق بوجود جسر جوي بين إيران واليونان، لتجهيز قاعدة بحرية جديدة ومطار حميميم العسكري قرب اللاذقية، وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” أكدت على أن: “موسكو تقوم ببناء قاعدة عسكرية سرية في سوريا وتنقل معداتها العسكرية عبر اللاذقية، باعتبارها المنفذ الأول لسوريا على البحر الأبيض المتوسط والحاضنة لأكبر مرافئها”.

وذكرت الصحيفة: “أن وفدًا من خبراء عسكريين إلى سوريا نقل إلى ميناء اللاذقية وحدات سكنية مؤقتة تستوعب حتى 1000 مستشار عسكري وغيرهم من الوحدات القتالية”.

وتؤكد صحيفة “الإندبندنت” البريطانية أن روسيا أرسلت دعمًا عسكريًّا للأسد خلال الأسابيع الماضية، وذلك بعد تزايد الخسائر التي تكبدها الجيش النظامي السوري، إذا وصل هذا النظام آليات عسكرية ومقاتلات جوية وقوات برية، وذكرت الصحيفة عن مصادرها في واشنطن “إن موسكو أرسلت سفينتي إنزال دبابات ومزيدًا من المقاتلات الجوية، بالإضافة إلى نشرها لعدد قليل من جنود المشاة في سوريا.

لماذا كثفت روسيا تواجدها العسكري في سوريا؟

 

أي تواجد عسكري روسي سيمنح “سوريا الأسد” دعمًا هامًا لنظام بات يضعف كل يوم، وباتت المساحات التي يسيطر عليها في انحسار مستمر، ناهيك عن الاستنزاف البشري في صفوف قواته.

يقول رئيس حزب الجمهورية السوري المعارض محمد صبرا: “التحرك الروسي الأخير هو تعبير عن قناعة روسية بانهيار شامل للبنية العسكرية للنظام، فالروس يدركون جيدًا أن جيش النظام لم يعد قادرًا على إنجاز أي عمل عسكري سوى عمليات القصف بالطائرات، ولذلك قررت روسيا زيادة عدد عناصرها المقاتلة في سوريا”.

كما أن فشل روسيا في إقناع الدول الإقليمية بمقترحاتها لحل الأزمة السورية وأهمها إقناعها بأهمية إدماج النظام السوري في تحالف لمحاربة تنظيم الدولة، ساهم في هذا التحرك. إذ إنها رأت في التدخل المباشر وضعًا للتحالف الدولي تحت الأمر الواقع. كما يشير المحللون إلى: “أن روسيا في وجودها بسوريا خط دفاع متقدم في وجه تمدد الراديكالية الإسلامية، التي ستصل إلى حدود روسيا إذا لم تُلجم، خاصة في ظل فشل التحالف الدولي في كبح «داعش»، ناهيك عن تخوفها من وجود بوادر للتدخل التركي، وربما الغربي في شمال سوريا”.

يقول الكاتب السوري باسل العوادت: “لم يبق لنا إلا أن نفهم تحالف صقور موسكو مع نظام دمشق بأنه مشروع لاستعادة مجد قيصر، وسوريا على صغرها و(دروشتها) هي أهم سلاح لإحياء بلاط قيصر واستعادة صولجانه وقبعة (المونوماخ) الخاصة به”، وتابع في مقاله “سوريا بين حمائم روسيا وصقورها”: “لذلك ستبقى سياستها راسخة وستبرز مخالب صقورها كلما لاح ضعف في النظام السوري، ولن تهادن أو تتراجع، بينما ستبقى حمائمها (تُخربش) بلطف هنا وهناك، وتلعب بمؤتمرات الوقت الضائع دون جدوى”.

ويقول روجر بويز في مقال نشرته صحيفة “تايمز” تحت عنوان “كيف يخطط الكرملين لسياسة فرق تسد في سوريا؟”: “إن بوتين سيروج لفكرة أن هزيمة الجهاديين في سوريا تتطلب جيشًا لديه معدات جيدة وتدعمه قوة جوية، داعمًا لفكرة أن جيش الرئيس السوري بشار الأسد يمكنه تحقيق ذلك”، ورغم أن بويز قال إن هذا الرأي سيقنع البعض في أوروبا، لكنه أكد أن آخرين سيحذرون، لأنهم مقتنعون: “أن بوتين يسعى بحيلة جديدة لإنقاذ حليفه في الشرق الأوسط الرئيس الأسد.”

هل تسعي روسيا لسحب أوراق اللعبة السورية من يد إيران خاصة بعد توقيع الاتفاق النووي؟

 

 

قد يبدو أن حليفي النظام السوري “إيران وروسيا” في انسجام حول مصالحهما المشتركة في سوريا، لكن الوقائع تدلل على أن هناك صراعًا خفيًّا بين الدولتين ناجمًا عن تضارب مصالحهما في سوريا.

ولفهم هذا الواقع الأكثر، نقول إن إيران تسيطر عسكريًّا بعشرات الميليشيات على المناطق الممتدة من ريف دمشق جنوبًا حتى اللاذقية شمالًا، بينما تفتقد روسيا إلى سيطرة عسكرية وسياسية مماثلة لهذه السيطرة، كما تنفرد إيران بدعمها للنظام السوري طائفيًّا، وترتبط الطائفة العلوية أكثر بروسيا والغرب.

ومن أجل إحداث توازن في القوى بين روسيا وإيران، لم تتردد الكرملين في زج الجنود الروس والعتاد العسكري إلى سوريا بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، وركزت روسيا تواجدها هذا في المنطقة الساحلية “طرطوس”، بهدف تمكين التواجد في أكثر المناطق أهمية للنظام إلى جانب اللاذقية ومن ثم إبعاد هذا النظام بشكل تدريجي عن إيران، أي “نقل مفاتيح الحل من طهران إلى موسكو” كما يقول المحللون، مقابل ذلك تستأثر إيران بالسيطرة على دمشق وحمص.

ثم جاء توصل إيران مع الدول الكبرى إلى الاتفاق النووي التاريخي، ليزيد خشية روسيا من سيطرة إيران على سوريا بشكل أكبر، خاصة أن روسيا شعرت أنها خرجت من الاتفاق الدولي بلا مكاسب حقيقية لها، فحسب المحللين إن: “تمسك إيران بالمزيد من الخيوط في سوريا هو ما يجعلها صاحبة النفوذ الأكبر والأكثر قدرة على تحقيق مصالحها عبر الملف السوري”، فعقب هذا الاتفاق بدأ المجتمع الدولي يميل أكثر إلى قبول إيران والإقرار بأن وجودها ضروري في حل القضية السورية، وقيل ذلك صراحة على لسان المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” إذا قالت إن بلادها ترحب بمشاركة إيران في أية مفاوضات تهدف إلى إنهاء النزاع الدائر في سوريا منذ أربع سنوات.

كما تزيد المخاوف الروسية بسبب التقارب الأمريكي الذي يأتي مقابل زيادة الخلافات بين موسكو وواشنطن، يؤكد رئيس حزب الجمهورية السوري المعارض، محمد صبرا: “أن هنالك صراعًا خفيًّا بين روسيا وإيران بعد الاتفاق النووي، روسيا تخشى من ترتيبات سياسية إيرانية أمريكية تخرجها من المنطقة بشكل نهائي”.

لماذا اهتمت دولة الاحتلال الإسرائيلي بالتدخل الروسي في سوريا؟

 

اهتمت دولة الاحتلال الإسرائيلي بالتحركات الروسية في سوريا، وأخذت وسائل الإعلام فيها تتحدث عن هذا الدور بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، بل كان لبعض هذه الوسائل السبق في الكشف عن سلاح أو جهد روسي في سوريا.

صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، تناولت في تقرير خاص خطة روسيا للتدخل المباشر في سوريا، وقالت الصحيفة : “إن روسيا أعدت خطة للتدخل المباشر في الحرب السورية، وأن المدد العسكري سيستمر من أجل مساعدة النظام على مقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية، وربما تنظيمات أخرى”، وجاء في تقرير الصحيفة أن “روسيا أرسلت طائرات ميغ 31 المتطورة، ودفعة من صواريخ “كورنيت 5” المتطورة، وطائرات مروحية، ودبابات “تي 92″ مع أطقمها، وسربًا من طائرات سوخوي 30 (طائرة تفوق جوي متعددة المهام)، وصواريخ جو أرض”.

ورغم قناعة دولة الاحتلال بأن روسيا ليست عدوة لـ”إسرائيل”، وأن تدخلها في سوريا ليس ناجمًا عن رغبتها في محاربة إسرائيل، إلا أن دولة الاحتلال تدرك أن روسيا لا تهتم ما إذا كان السلاح المتطور الذي يبيعونه مقابل الكثير من الدولارات لإيران وسوريا، يضر بدولة الاحتلال، كما تدرك دولة الاحتلال أن هذا التدخل سيفرض قيودًا على قدرة تحرك الاحتلال في مهاجمة الأهداف السورية.

 

كيف تنظر الدول الغربية للتدخل الروسي في سوريا؟

 

 

أعربت عدة دول عن قلقها من التحركات الروسية الأخيرة في سوريا، إذ تراقب وتتابع هذه الدول التدخل الروسي عن قرب خلال الأيام القليلة الماضية.

الولايات المتحدة الأمريكية، التي حاولت تطويق التعزيزات الروسية إلى سوريا استشعرت خطر التحرك الروسي، فهي تدرك أن هذا التدخل سيؤدي إلى صدام مع طيران التحالف الذي يشن ضربات ضد تنظيم الدولة في سوريا، إذ أفادت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية بأن “إدارة الرئيس أوباما تواجه ضغوطًا متزايدة من زعماء التحالف الدولي لتوسيع العمل العسكري في سوريا بعد التدخل الروسي بإرسال المزيد من الأسلحة والقوات، وهو ما قد يصبح خيارًا أمريكيًّا إذا تواصل التدخل الروسي بهذه الوتيرة”.

وترى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن التعزيزات العسكرية الروسية في سوريا لا شك فيها، إذ رصد الأمريكيون شمالًا في منطقة اللاذقية نحو عشر آليات لنقل الجند ووجود عشرات الجنود الروس. ويتمركز الجنود والآليات في مطار باسل الأسد في اللاذقية الذي يضم مباني مسبقة الصنع يمكن أن تؤوي مئات الأشخاص ومعدات للمراقبة الجوية، حسب الصحيفة.

ونقل عن المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش آرنست، قوله: “لقد أظهرنا أن الولايات المتحدة تشعر بالقلق إثر تقارير حول نشر روسيا عسكريين إضافيين وطائرات عسكرية في سوريا”، مشيرًا إلى أن “هذه الخطوة يمكن أن تؤدي إلى خسائر أكبر في الأرواح، كما أنها يمكن أن تزيد من تدفق اللاجئين، وحصول مواجهة مع تحالف يحارب داخل سوريا.

كما أعلنت فرنسا عن قلقها من تعزيز الوجود العسكري الروسي في سوريا، وقال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس إن “فرنسا قلقة لأنه يجب ألا نؤجج النزاع”. وأضاف: “إذا كان الأمر يتعلق بالأسلحة، فالروس يمدون السوريين بالأسلحة تقليديًّا، أما إذا كان الأمر يتعلق بطواقم فعلينا أن نفهم ما هو هدفها. إذا كان الأمر يتعلق بالقاعدة في طرطوس، فلم لا بما أن الروس لديهم قاعدة في طرطوس كما تعرفون”.

كما حذر وزير الخارجية الألماني فرانك- فالتر شتاينماير، روسيا من اتخاذ مسارات أحادية الجانب في سوريا، مؤكدًا أنه: “لا ينبغي نشوء وضع يجعل أي تحرك مشترك للمجتمع الدولي غير ممكن، كما أنه لا ينبغي لكل واحد أن يتحرك بطريقته الخاصة في سوريا”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد