جنت إسرائيل من صناعة الطائرات بدون طيار 4.6 مليار دولار على الأقل، بين عامي 2005 و2013، ووفقًا لـ«معهد ستوكهولم» فإن هذه كعكة اقتصادية ضخمة؛ مقارنة بحجم الدولة التي لا تواجه منافسة جادة في هذا المجال إلا من الولايات المتحدة.

على النقيض، تأخرت روسيا كثيرًا في إنتاج الطائرات بدون طيار وتطويرها. وتقدر مجلة «Wired» بأن التكنولوجيا المحلية في روسيا متأخرة 20 عامًا على الأقل عن نظيرتها الأمريكية. هذا التخلُّف تُرجِمَ إلى خسائر كبيرة ألحقتها القوات الجورجية بالروس خلال حرب أوسيتيا الجنوبية في صيف عام 2008.

حرب أوسيتيا الجنوبية.. بداية العلاقات الروسية الإسرائيلية العسكرية

صحيحٌ أن روسيا انتصرت في نهاية الحرب التي استمرت خمسة أيام، لكن سير المعارك القتالية فضح تواضع القدرات التكنولوجية للجيش الروسي، خاصة فيما يتعلق بالطائرات بدون طيار. ففي الأسابيع التي سبقت الحرب؛ ووسط القلق المتزايد من ضم روسيا للأراضي الانفصالية، بدأت جورجيا ترسل الطائرات بدون طيار في مهام استطلاع روتينية فوق منطقة النزاع. 

لم تكن مجرد طائرات بدون طيار عادية، بل من طراز «هيرميس 450»، التي تصنعها شركة «إلبيت سيستمز Elbit Systems» الإسرائيلية، ويستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي، ولا تكاد تغيب عن سماء غزة.

في غضون ثلاثة أشهر، أسقطت روسيا ثلاث طائرات بدون طيار، من هذا الطراز الذي يتميز بآلية إلكترونية عالية التشفير يصعب اختراق أنظمتها أثناء التحليق. وفي حين كان إسقاط هذه الطائرات مثيرًا للإعجاب، فإن استخدام جورجيا لهذا الطراز خلق مشكلة على الجانب الروسي. 

كانت الطائرات الروسية بدون طيار متأخرة في ميدان المعركة، وعجزت عن توفير معلومات استخباراتية في الوقت المطلوب، مما أجبر موسكو على إرسال طائرات مقاتلة وقاذفات بعيدة المدى لإنجاز المهام الملحة.

إحدى الطائرات بدون طيار التي استخدمتها روسيا خلال الحرب كانت من طراز «تيبتشاك»، التي اعترفت روسيا فيما بعد بأنها أحدثت الكثير من الضوضاء، مما سهَّل اكتشافها واعتراضها.

على الجانب الآخر، جمع الجيش الجورجي المعلومات الاستخباراتية بفعالية، ويعود الفضل إلى حد كبير في ذلك إلى أسطولها الصغير من الطائرات الإسرائيلية بدون طيار. فيما بعد؛ قرعت أجراس الإنذار في جنبات الكرملين، وأجبرت موسكو على الاعتراف بأنها بحاجة إلى مساعدة تقنية، حتى لو كان مصدرها تل أبيب. وبعد حوالي أسبوع من انتهاء الحرب في أوسيتيا الجنوبية، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت هاتفيًّا مع الرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف. 

كانت روسيا منزعجة من تزويد إسرائيل جورجيا بالأسلحة والطائرات بدون طيار. وخلال المحادثة، وافق أولمرت على وقف مبيعات الأسلحة الإسرائيلية لجورجيا، لكنه حث موسكو أيضًا على وقف بيع الأسلحة إلى سوريا وإيران.

لا يقل قوة عن نظيره في أمريكا.. ماذا تعرف عن اللوبي الصهيوني في روسيا؟

انقسام إسرائيلي.. وزارة الخارجية تسعى للنفوذ والدفاع تخشى العواقب

بعد أسابيع من انتهاء الحرب، لجأت روسيا إلى إسرائيل وطلبت شراء الطائرة «هيرميس 450»، وهي الطائرة ذاتها التي استخدمتها جورجيا في حربهما. صُدِمَت إسرائيل في البداية؛ لأن روسيا لم تشتر من قبل أسلحة من دولة أجنبية، ناهيك عن أن يكون المورد هو: إسرائيل، الحليف الأمريكي الأقرب. 

وعليه، انقسمت الأراء في إسرائيل:

  • أيدت وزارة الخارجية إتمام الصفقة؛ لأنها يمكن أن تساعد في تعزيز العلاقات مع موسكو، وستمنح لإسرائيل نفوذًا حقيقيًّا على السياسة الروسية في قضايا إقليمية، مثل إيران، خاصة أن البرنامج النووي الإيراني كان يجري على قدم وساق. 
  • لم تكن وزارة الدفاع الإسرائيلية في غنى عن امتلاك بعض النفوذ على موسكو، إلا أنها لم تستسِغ ابتلاع المخاوف المتمثلة في احتمالية أن تجد تكنولوجيا الطائرات بدون طيار طريقها إلى إيران وسوريا، ومن ثم «حزب الله» في لبنان، و«حماس» في قطاع غزة.

مساومة إسرائيلية فاشلة.. صفقتنا مقابل صفقة إيران

في ذلك الوقت، كانت هناك صفقة سلاح روسية بعينها اتفق الجميع في إسرائيل على حتمية إيقافها بأي ثمن، وهي تسليم نظام الدفاع الجوي المتقدم «إس 300» إلى إيران. وُقِّعَت هذه الصفقة سرًّا في عام 2005، بقيمة 800 مليون دولار، لكن روسيا كانت تؤجل عملية التسليم لأسباب من بينها الضغوط الإسرائيلية والأمريكية. 

كانت الأسباب التي دفعت إسرائيل إلى التفكير في مثل هذه المساومة بسيطة، فمنظومة «إس 300» واحدة من أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورًا في العالم، وقد أثبتت قدرتها على تتبع ما يصل إلى 100 هدف في الوقت ذاته، وبالتالي جعل الضربة الجوية الإسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية مستحيلة.

فكّر مسؤولو الدفاع الإسرائيليون: «ماذا لو، استطاعت إسرائيل من خلال بيع طائرات بدون طيار لروسيا أن تمنع بيع الأسلحة المتطورة التي كان من المفترض تسليمها إلى إيران أو سوريا؟»، هذا لن يجعل فقط من الممكن التعايش مع المخاطرة التي تشكلها عملية بيع الطائرات بدون طيار، بل إنه قد يجعلها مجدية. 

كان الروس يدركون جيدًا قلق إسرائيل من «إس 300»، لذلك طُرِحَت الصفقة على طاولة كافة المحادثات التي جرت بين الجانبين تقريبًا. في البدء، أعطت روسيا لإسرائيل تأكيدات بأنها لن تنقل أسلحة إلى إيران يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة، وهي الرسالة التي فسرتها تل أبيب على أنها قرار بعدم تزويد طهران بمنظومة «إس 300».

لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، وحين جدّ الجد، أوضحت موسكو لإسرائيل أن «إس 300» نظام دفاعي، وإذا كانت إسرائيل تشعر بالقلق حياله، كل ما عليها فعله ببساطة هو ألا تهاجم إيران. 

عارض الروس صراحةً توجيه ضربة إسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وأخبروا ضيفهم الإسرائيلي ليبرمان بأن المنظومة «مزعزعة للاستقرار فقط إذا كنت تخطط لمهاجمة إيران» ورفضوا إلغاء الصفقة.

عرض يمكن تحمُّل مخاطره: توريد طراز متقاعد من سلاح الجو الإسرائيلي

في يونيو (حزيران) 2009، استقبلت موسكو وزير الخارجية الإسرائيلي الجديد، أفيجدور ليبرمان، راعي ازدهار العلاقات الإسرائيلية الروسية. وبحلول ذلك الصيف، كان خمسة وزراء في الحكومة الإسرائيلية قد زاروا موسكو، وكان هناك اتفاق للتجارة الحرة قيد التنفيذ، وكانت روسيا تتحدث إلى إسرائيل حول استضافة موسكو مؤتمر سلام في الشرق الأوسط.

على الجانب الآخر، كانت العلاقات الإسرائيلية الأمريكية متوترة، خاصة بين بنيامين نتنياهو الذي أعيد انتخابه رئيسًا لوزراء إسرائيل، والرئيس الأمريكي الجديد، باراك أوباما. وفي بعض دوائر واشنطن، كان هناك قلق من أن إسرائيل تتطلع إلى إيجاد حلفاء بدلاء عن الولايات المتحدة.

لكن الجميع في إسرائيل اتفقوا على أنه لا يمكن بيع طائرات بدون طيار ما تزال قيد التشغيل، بغض النظر عن الدوافع. وتمخضت النقاشات حول تقديم عرضٍ يمكن تحمل مخاطره؛ ستدرس إسرائيل بيع طائرات بدون طيار لروسيا، لكن فقط من طرز أقدم، تقاعدت من سلاحها الجوي قبل عدة سنوات.

في النهاية، وقع وزيرا الدفاع الروسي والإسرائيلي في موسكو بسبتمبر (أيلول) 2010 اتفاقًا للتعاون العسكري لمدة خمس سنوات، ركز على مبيعات الطائرات بدون طيار وتشغيلها. وللمفارقة، كانت إسرائيل تخطط لعقد صفقة مماثلة مع أوكرانيا في آواخر عام 2014، لولا أنها تراجعت تحت الضغط الروسي. 

الراعي الأمريكي يتدخل لوقف نقل التكنولوجيا الإسرائيلية لأطراف ثالثة

كانت الصفقة الموقعة بين شركة صناعات الطيران الإسرائيلية «أي إيه أي (IAI)» وشركة «أوبورون بروم» الروسية لصناعات الدفاع، أكثر من مجرد اتفاق لبيع الأسلحة. إذ شملت تعاونًا عسكريًّا مباشرًا مع إسرائيل بتدريب 50 ضابطًا روسيًا على الأقل على عمليات الطائرات بدون طيار في تل أبيب. والأكثر إثارة للاهتمام، أن الشركتين الإسرائيلية والروسية وافقتا على إنتاج مشترك للطائرات بدون طيار داخل روسيا. 

لكن شركة «أي إيه أي» الإسرائيلية تتلقى دعمًا من حكومة الولايات المتحدة، ولطالما أعرب المسؤولون الأمريكيون عن قلقهم من نقل التكنولوجيا الإسرائيلية لأطراف ثالثة، وكان من الطبيعي أن يثير برنامج الطائرات بدون طيار الروسي الإسرائيلي الكثير من الأسئلة في واشنطن.

لكن صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أكدت في يوليو (تموز) 2009، أن: «هذه الخطوة تجري بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية»، ونقلت عن مدير عام وزارة الجيش الإسرائيلي، بنحاس نوخريس، قوله: «إن التوقيع على الصفقة جاء بعد مناقشات مطولة بين قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية ومسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية».

في نهاية عام 2014، قرر الإسرائيليون تعليق المفاوضات المتعلقة بأي عقود شراء جديدة تتعلق بأنظمة الطائرات بدون طيار للقوات المسلحة الروسية. وفي عام 2016، استجابت تل أبيب للضغوط الأمريكية وفرضت وزارة الدفاع الإسرائيلية حظرًا على وصول روسيا إلى تكنولوجيا الطائرات بدون طيار الإسرائيلية. 

لكن سرت تكهنات بأن الروس كانوا قد امتلكوا بالفعل المعرفة والإمكانيات الكافية لمواصلة عملية الإنتاج بشكل مستقل، منتهكين بذلك شروط الاتفاق المعلن مع إسرائيل. 

وكانت القوات الأوكرانية قد أسقطت في 2015 النسخة الروسية من الطائرة بدون طيار التي يُفترض أنها حصلت عليها أو صُمِّمَت كجزء من صفقة عام 2010. وكشف موقع «i24news» الإسرائيلي، أن الجيش الروسي يستخدم هذه الطائرات بدون طيار، إسرائيلية الصنع في الحرب الدائرة على الأراضي السورية. والعديد من الطائرات بدون طيار الروسية الجديدة هي نتيجة مباشرة لهذا البرنامج. 

من تسليح الوكالة اليهودية إلى التعاون الاستخباراتي مع تل أبيب

لم تكن هذه هي المرة الأولى في التاريخ الحديث التي تتعاون فيها إسرائيل وروسيا في تكنولوجيا الطائرات بدون طيار. بل كان هذا أحدث فصل في تاريخ طويل ومحير من صفقات الأسلحة الروسية الإسرائيلية، التي امتدت حتى قبل أن توجد إسرائيل.

في عام 1944، رأى جوزيف ستالين -رغم أنه مشهور بمعاداته للسامية- مصلحة في توطيد العلاقات مع الحركة الصهيونية التي كانت تقاتل الانتداب البريطاني في فلسطين؛ خطوة استراتيجية ضد الهيمنة البريطانية على الشرق الأوسط. 

وفي عام 1948، باعت تشيكوسلوفاكيا السوفيتية عددًا كبيرًا من الأسلحة، بما في ذلك 86 طائرة مقاتلة إلى الوكالة اليهودية، التي أصبحت فيما بعد حكومة إسرائيل. ودرب التشيك عددًا من الطيارين الذين سيواصلون في وقت لاحق الخدمة في سلاح الجو الإسرائيلي.

وفي أواخر الألفية المنصرمة، تعاونت روسيا وإسرائيل لتحديث أسطول الهند الضخم من الطائرات المقاتلة السوفيتية، التي حصلت عليها أو أنتجتها محليًّا بموجب ترخيص من موسكو، خلال السبعينات والثمانينات.

وحسب البرقيات الدبلوماسية التي نشرتها «ويكيليكس»، يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن روسيا وإسرائيل تبادلتا سابقًا المعلومات الاستخباراتية بشأن التكنولوجيا الإيرانية والجورجية. 

وهناك عمليات استخباراتية أخرى رفيعة المستوى تشير إلى التعاون المباشر بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والروسية. ويتوقع أن يكون اختطاف المهندس الفلسطيني ضرار أبو سيسي، من شرق أوكرانيا في عام 2011، قد جرى بالتنسيق مع جهاز المخابرات الأوكراني (SBU)، التابع للحكومة الموالية لروسيا في ذلك الوقت.

أمريكا تهدد والناتو يندد.. ما هي «إس-400» التي تصر تركيا على شرائها من روسيا؟

المصادر

تحميل المزيد