يهرع متطوعو الخوذ البيضاء والدفاع المدني إلى بيت رُدم على أصحابه بفعل قصف روسيا الشديد لمعرة حرمة، تلك البلدة الصغيرة الواقعة في معرة النعمان بمحافظة إدلب.

حين يصلون يظهر رأس شاب مغطى جسده بركام الجدران الإسمنتية، يتوسل إلى منقذه أن يتركه ويذهب لإنقاذ مصطفى ابن عمه تحت ذات الركام، يطمئنه المنقذ بأنه سيفعل ذلك بعد أن ينقذه، لكنه يستغيث والدماء تسيل منه، ويقول «مشان الله شوفوا مصطفى.. اتركني خليني مُوت.. روح شوف مصطفى».

مشهد آخر: في ريف إدلب الجنوبي بين خيم افترشها نازحون على أرض زراعية، كانت خيارهم الوحيد للهروب من البراميل المتفجرة. لا تسمع هنا إلا صوت مصور الفيديو، يلهث ويستغيث بثلة من المدنيين المصدومين، يطالبهم بأن يتحركوا لإنقاذ الأحياء، يترك هؤلاء جثمانًا، ثم آخر، ثم آخر، وحين يجدون بين ضحايا القصف الروسي نازحًا حيًا يسارعون لإنقاذه، لكن تفتت نصف جسده السفلي يحير المنقذين من أين يحملونه؟

هذه مشاهد من إدلب السورية وريفها، نقلها نشطاء إعلاميون فقط في الساعات الأخيرة للعدوان الروسي على المنطقة، الذي وصف بأنه الأعنف والذي يقابل بصمت تركي غير مسبوق.

في إدلب.. القصف يطال كل روح

تشن المقاتلات الروسية وتلك التابعة للنظام السوري حملة قصف وصفت بأنها الأعنف على محافظة إدلب وأجزاء مِن أرياف حلب وحماة واللاذقية، منطقة خفض التصعيد الرابعة في سوريا، التي أعلنت موسكو وأنقرة عن توقف القتال فيها بعد اتفاق «قمة سوتشي» الموقع في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي.

فمنذ يوم 26 من أبريل (نيسان) المنصرم، بدأ النظام وحلفاؤه بالتصعيد العسكري ضد هذه المناطق، حتى أوقعت شدة القصف كارثة إنسانية ناتجة عن استهداف الطائرات الروسية للمنازل والمساجد والمشافي والمدارس ومراكز الدفاع المدني ومتطوعي الخوذ البيضاء بشكل عشوائي. وهو قصف تسبب في موجة نزوح كبيرة للمدنيين، حتى أن البراميل والألغام البحرية استهدفت فرن بلدة أبلين (منطقة أريحا في إدلب) الوحيد وأخرجته عن الخدمة، كما أن تلك البراميل استهدفت مخيمات النازحين في بلدة البارة جنوبي إدلب.

يؤكد لنا الإعلامي السوري المتواجد في إدلب، أحمد رحال، أن قصف الطائرات الروسية وطائرات النظام السوري الحربية والمروحية، بالإضافة لقصف صاروخي ومدفعي يطال عشرات القرى والبلدات بريفي إدلب وحماة.

ويوضح رحال أن هذا القصف أدّى إلى نزوح ما يعادل 95% من سكان المناطق المستهدفة؛ إذ نزح هؤلاء إلى ريف إدلب الشمالي، ولا سيما منطقة المخيمات. ولا تزال مئات العائلات من النازحين تفترش التراب تحت أشجار الزيتون لعدم وجود مأوى لهم. ويضيف رحال لـ«ساسة بوست»: «سبب القصف دمار كبير جدًا بالممتلكات السكنية والعامة، بالإضافة لاستهدافه عددًا من المنشآت الحيوية، ولا سيما مشفى كفرنبل الجراحي ومشفى نبض الحياة في بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي؛ إذ تسبب القصف في خروجهما عن الخدمة بالكامل بعد أن كانوا يخدموا أكثر من 200 ألف نسمة».

وفيما يتعلق بالوضع العسكري على الأرض يقول رحال: «إنّ روسيا تحاول التقدم برًا والسيطرة على مناطق استراتيجية بريفي إدلب وحماة»، مستدركًا: «لكن ما شاهدناه من رد المعارضة وسيطرتهم على الوضع، أعتقد أنه سيحطم آمال وأحلام الروس، ولا سيما مع وجود جنود وعناصر مدربين بشكل جيد لدى المعارضة، وأعتقد أن الأيام القادمة ستنقلب على النظام السوري وحلفائه، وخاصة أن الفصائل العسكرية خرجت وأعلنت رفضها لما يحصل 100% بالكامل».

آخر أيام الأرض.. كيف يعيش سكان إدلب الآن في انتظار مصير حلب؟ 

بلغة الدم.. روسيا ترسم حدود مناطق نفوذها في سوريا

«القرار السوري موجود بتحرير كل ذرة تراب من الأراضي السورية وإدلب ليست استثناء، وعلى الأتراك وغيرهم أن يعوا أن سوريا مصممة على استعادة كل ذرة تراب من أرضها». *تصريح نائب وزير خارجية النظام السوري، فيصل المقداد.

يعتبر التصريح السابق اعتياديًا ومتكررًا من قبل مسئولي النظام السوري، لكنه جعله أمرًا واقعًا يعود إلى قرار الروس فقط، فالروس الذين اتفقوا مع الأتراك على إقامة منطقة خالية من كل أنواع الأسلحة الثقيلة والتنظيمات الجهادية والمقصود هنا هيئة تحرير الشام (الجناح السابق لـ«تنظيم القاعدة»)، أقوى فصيل في شمال غرب سوريا، هم من تحركوا ضد إدلب وغيرها لأن الاتفاق آنف الذكر لم يُنفذ بعد.

ويؤكد الباحث السوري لدى مركز «برق» للاستشارات والدراسات المستقبلية، يمان دابقي، لـ«ساسة بوست» أن العمليات العسكرية الروسية المشتركة مع قوات النظام جاءت عقب انتهاء جولة «أستانة 12»، والتي عكست خلافًا واضحًا بين تركيا وموسكو حول ملف إدلب، نظرًا لعدم تطبيق كامل بنود الاتفاق من قبل الطرفين. إذ كان من المفترض أن تنهي تركيا ملف «هيئة تحرير الشام» في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأن يتم فتح الطرق الدولية (إم 4) و(إم 5) نهاية عام 2018، بالإضافة إلى تسيير دوريات مشتركة من قبل الجانبين، وكل ذلك وفق جدول زمني تم تجاوزه من قبل الطرفين.

وقد أكدت المعارضة السورية خلال الأيام القليلة الماضية، أن موسكو تحاول انتزاع السيطرة على طريقين رئيسيين في الشمال السوري، في محاولة لتعزيز الاقتصاد السوري الذي أثرت عليه العقوبات، إذ تكثف الهجمات الجوية ضد مدينة جسر الشغور وسهل الغاب، بالإضافة إلى بلدتي اللطامنة ومعرة النعمان في جنوب محافظة إدلب.

ويمكن القول بأن السيطرة على تلك المناطق ستجعل النظام يقترب من استعادة السيطرة على طريقي (إم 4) و(إم 5) الاستراتيجيين، من إدلب إلى حماة واللاذقية على ساحل البحر المتوسط، وهما اثنان من أهم الشرايين في سوريا قبل الحرب.

ويؤكد دابقي على أن «فصائل المعارضة باتت تدرك الخطة الروسية القائمة على تأمين العمق الاستراتيجي لها في شمال سوريا، فمن خلال النظر للمناطق المستهدفة نرى بأن القصف يتركز على ريفي إدلب الجنوبي وريفي حماه الشمالي والغربي وريف حلب بهدف إفراغها بالمرحلة الأولى من السكان، ومن ثم قضمها.

ويضيف دابقي: «هذا يعني أن روسيا تريد قضم نصف مساحة المنطقة منزوعة السلاح، في مثلث سهل الغاب وجسر الشغور، بهدف تأمين مدينة حماه ومداخل اللاذقية للنظام السوري، وبنفس الوقت سيمنحها ذلك تشكيل خط دفاع أول عن قاعدة حميميم، وطرطوس».

ويشدد دابقي أن روسيا منذ لحظة «اتفاق سوتشي» أخبرت الجانب التركي عن نواياها، والأخيرة تعلم تمامًا ماذا تريد موسكو، وهذا يقود إلى فرضية وجود نوع من الاتفاق الضمني بينهما، بدليل عدم خروج أي تصريح من الجانب التركي على التصعيد الأخير، بحسب دابقي.

ويوضح أيضًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست» وجهة نظره أن «هناك اتفاق وتفاهمات سابقة بين طرفي سوتشي، في النظرة الكلية للمنطقة، لكن الخلافات التي نراها هي خلافات في مراحل التطبيق لا أكثر، وما نراه اليوم واضح تمامًا ويدل أن موسكو بدأت ترسم حدود مناطق نفوذها بلغة الدم والتصعيد بدلًا عن الطرق الدبلوماسية، وأنها قررت ذلك بعد رفض الفصائل تسيير دوريات روسية داخل معاقلها في المنطقة المحررة».

لماذا تصمت تركيا حيال ما يجري في إدلب؟

برغم استهداف النظام السوري لإحدى نقاط المراقبة التابعة لها في منطقة شير مغار بريف حماة، بالمدفعية الثقيلة، إلا أن تركيا لم تصدر أي موقف من المعركة في إدلب حتى يوم السادس من مايو (أيار) الحالي، حين أعلن الرئيس التركي رجيب طيب أردوغان إن بلاده «أعادت الهدوء إلى إدلب ومنعت مقتل مئات الآلاف من الأبرياء وقطعت الطريق أمام موجة هجرة كانت ستهز أوروبا».

بيد أن هذا الموقف قوبل باستنكار كبير خاصة من قطاع من السوريين في إدلب الذين ما تزال الطائرات الروسية تدك مناطقهم، وتوقع العديد من الضحايا المدنيين، بينما تبدو تركيا صامتة صامتة تمامًا، لا تتحدث عن خروقات، ولا عن جهود ووعود لوقف القصف.

يقول المحلل السياسي التركي طه عودة أوغلو: «إن التصعيد الروسي والسوري الحاصل في إدلب والهجوم على القوات التركية في المنطقة يطرح العديد من التساؤلات عن أهداف هذا التصعيد، خاصة أن تركيا تعتبر شريكة لروسيا في هذه المنطقة، وعقدت معها اتفاق سوتشي، وعن الصمت التركي حيال ما يجرى على الأرض من تصعيد غير مسبوق».

ويبين أوغلو أن تركيا تعي تمامًا أن هناك مساع روسية وإيرانية لخلط الأوراق مجددًا في المنطقة من خلال الزج بتركيا في المواجهة المباشرة في إدلب خاصة في ظل حديث تركي عن تقدم في المشاورات مع الجانب الأمريكي في ما يتعلق بمنطقة منبج وشرق الفرات وهذه التطورات أثارت حفيظة روسيا التي تشعر بقلق كبير من التقارب التركي الأمريكي الأخير.

ويضيف أوغلو لـ«ساسة بوست» أن «الحراك الأمريكي التركي يثير قلق روسيا من حصول تفاهمات بين الجانبين، يستهدف قلب المعادلة القائمة في سوريا، ولذا تركيا التزمت الصمت حتى لا تعطي الفرصة للروس بنسف كل التفاهمات التي جرت مؤخرًا».

لكن ما يذكره أوغلو هو ما لا يقنع قطاع من السوريين الذين لا يستطيعون إخلاء ساحة تركيا هذه المرة من الصمت على القصف، ومن ثم يظل الأمر بين من يرفض الموقف التركي، وبين من يقتنع أن له مبرراته العميقة.

كذلك أثار تحرك تركيا نحو مدينة تل رفعت السورية بعد أسبوع من تصعيد موسكو في إدلب الكثير من التساؤلات، إذ دخلت تركيا في معركة مع وحدات «حماية الشعب الكردية»، التي تسيطر على تل رفعت والقرى المحيطة بها منذ ثلاث سنوات، حيث تشكل قرى مرعناز وشوراغة والمالكية، رأس حربة لـ«وحدات الحماية» والقوات الروسية التي دعمت الأكراد ضد فصائل المعارضة.
لذلك كما يقول الباحث السوري لدى مركز «برق» للاستشارات والدراسات المستقبلية، يمان دابقي، لا يمكن نفي وجود تفاهمات مشتركة روسية تركية حول ملف تل رفعت، كون أن الطرفين سبق وأن أجريا تسيير دوريات مشتركة حول المنطقة، وبهذا المعنى تصبح المعادلة تل رفعت لتركيا مقابل قضم موسكو لبعض المناطق المشمولة في منطقة منزوعة السلاح في ريف إدلب، وريفي حماه الشمالي والغربي، والسيطرة على المناطق الحيوية المطلة على الطرق الدولية.

ويوضح دابقي لـ«ساسة بوست»: «رغم قوة دلائل وجود هذه المعادلة، لكن لا يمكن الجزم أن هناك تفاهمًا كليًا أو ضمنيًا، فحتى الآن ممنوع على تركيا دخول تل رفعت»، ويختم بالقول «أعتقد أن كل من تركيا وروسيا بينهما اتفاقات ضمنية سابقة منذ جولة «أستانة 6»، والتي تم فيها تقسيم محافظة إدلب إلى ثلاث مناطق، وما يجري اليوم هو تنفيذ لتلك التفاهمات التي وقع عليها كلا الطرفين».

بعد تهديد «الأسد» لها.. هل ستلقى إدلب قريبًا نفس مصير حلب؟

المصادر

تحميل المزيد