تحدث وزير الدفاع الروسي الأسبق كاسبر واينبيرجر في خطابه الشهير عام 1984 عن واحدة من أهم استراتيجيات «معززات القوة» الروسية، وهي «عقيدة واينبيرجر» العسكرية التي تقوم على استخدام القوة بأرخص تكلفة، وبأيسر فرصة للتنصل من المسئولية.

اليوم تستخدم موسكو  تلك الإستراتيجية بكل سهولة في الأراضي السورية، فقد تمكنت – حتى قبل تدخلها المعلن في الصراع السوري – من إرسال المرتزقة الروس عبر الشركات الأمنية التي تتبع استخباراتها للمشاركة في العمليات العسكرية الدائرة في سوريا، وذلك برغم حظر القانون الجنائي الروسي تجنيد المرتزقة، حيث تنص الفقرة الأولى من المادة 359 من القانون الجنائي الروسي على أن «تجنيد أو تدريب أو تمويل أو أي دعم مالي آخر للمرتزقة واستخدامهم في نزاع مسلح أو أعمال عسكرية يعاقب عليه بالسجن من أربع إلى ثماني سنوات».

ويثبت التقرير التالي أن النص القانوني السابق كان مجرد «حبر على ورق»؛ فقد أدت تلك الشركات «مهامًا قذرة» في القتال لصالح النظام السوري، بالمخالفة للنص المذكور.

«فاغنر».. «عمليات عالية المخاطر» بسوريا

في ليلة السابع من شهر شباط (فبراير) 2018 شنت عناصر قتالية موالية للنظام السوري هجومًا على قوات أمريكية وحلفاء لها متمركزين بالقرب من مدينة دير الزور (شرقي سوريا)، وبشكل عاجل رد الأمريكيون على الهجوم بآخر واسع الدمار.

قوات النظام تستعيد مدينة تدمر بدعم من الطائرات الروسية

وما أن انقشع غبار المعركة حتى اتضح أن هجوم الأمريكيين قد أسقط نحو 100 قتيلًا، غلب الظن بأنهم من الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران، لكن بعد مُضي يومين فقط ظهر أن الهجوم أسقط خسائر بشرية روسية – برغم نفي الجيش الروسي وجود قتلى له – لقد كان هؤلاء من المرتزقة الروس التابعين لشركة «فاغنر» شبه العسكرية التي تقاتل في سوريا منذ عام 2013.

ألقت تلك الحادثة الضوء على الدور الذي يلعبه هؤلاء الجنود السريون في تنفيذ ما يوصف بـ«العمليات القذرة» في مناطق النزاع السورية، حيث ألقت الشركة ما بين ألفين إلى 3 آلاف من مقاتليها في سوريا، من عسكريين متقاعدين وشباب روسي وجدوا في الراتب المقدم لهم من الشركة طوق نجاة من العوز، وتوقع الشركة عقدًا لمدة عام مع المقاتل، يتقاضى بموجبه راتبًا شهريًا يقدر بـ1200 دولار على الأقل، فيما يحدد تعويضًا للإصابة بـ4500 دولار، وفي حال الوفاة تعوض أسرته بمبلغ 75 ألف دولار.

ويظهر تقرير وكالة «رويترز» البريطانية أن شركة «فاغنر» اشتق اسمها من اللقب الحركي لمؤسسها العميد السابق ديمتري أوتكين، أحد المقاتلين السابقين في منطقة دونباس، شرقي أوكرانيا، حيث شكل النزاع في أوكرانيا مع الانفصاليين الموالين لموسكو في العام 2014 الولادة الفعلية لهذه الشركة.

وتجند الشركة عناصرها في قاعدة عسكرية تابعة للكرملين في منطقة مولينكو، فيخضع المقاتل لعدة فحوصات طبية وأمنية، وتشرف «الاستخبارات العسكرية الروسية» المعروفة باسم «جي أر يو» على نشاطات المرتزقة الروس الذين جنّدتهم الشركة، وتعمل تلك العناصر لصالح قوات النظام في العمليات العسكرية ضد فصائل المعارضة السورية، خاصة العمليات الهجومية عالية المخاطر، مثل عملية استعادة النظام لمدينة تدمر السورية، وكذلك لاستخدامهم في عملية إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية.

«موران».. الاستخبارات الروسية تقاتل بزي «المارينز»

في العام 2013 تمكن فصيل سوري من الحصول على بطاقة شخصية لأحد مرتزقة شركة «موران» الأمنية، لكن كانت البطاقة لروسي يحمل اسم أليكسي بوديكوف، وقد حصل على تلك البطاقة في ديسمبر (كانون لأول) من العام الماضي 2012.

كانت هذه البطاقة – قبل التدخل الروسي في سوريا الذي وقع في العام 2015 – بمثابة دليل جديد يضم إلى اعترافات جنود روس قاتلوا ضمن شركات أمنية روسية  إلى جانب قوات النظام مقابل رواتب عالية، ودليل على أن شركة «موران» الروسية من أوائل الشركات الأمنية التي تعاقدت معها قوات النظام للقتال داخل الأراضي السورية.

يوجد المقر الرئيس لشركة «موران» الأمنية في سانت بطرسبرغ، المدينة التي تقع في شمال غرب روسيا، ويديرها المقدّم في «جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)» فياتشيسلاف كلاشينكوف الذي يرجح أنه مرتبط بجهاز الاستخبارات الروسي.

وقد أرسلت هذه الشركة التي عمل بها مؤسس شركة «فاغنر» العميد السابق ديمتري أوتكين مجموعة من المرتزقة الروس إلى سوريا في عام 2013 بعد التعاقد مع بعض رجال الأعمال المؤيدين للأسد، حيث منح هؤلاء أسلحة ثقيلة، وارتدوا زيّا عسكريًا يشبه زي «المارينز» الأمريكي، وبعضهم ارتدى زي القوات الخاصة السورية.

يقول أحد مرتزقة الشركة: «أثناء توقيع العقود أخبرنا نائب رئيس مجموعة «موران» أن الصفقة تمت بموجب اتفاق مع الحكومة السورية وبعلم الحكومة الروسية ومشاركتها ولكن عند وصولنا إلى اللاذقية أخبرونا أن المسؤول عن التجنيد هو شخص سوري مؤيد للنظام، وأننا سنشكل جيشًا مصغرًا للقتال المحلي».

ويتابع القول في شهادته: «وصلنا سوريا ووضعونا في مكان يبدو أنه كان اسطبلًا للخيول سابقًا وشكلنا كتيبة قوامها 276 مقاتلًا من جميع أنحاء روسيا من بينهن 12 من مدينة بطرسبرغ ومن مناطق القوقاز والشيشان وطاجيكستان، وكنا بانتظار وصول عددنا إلى ألفي مقاتل لتشكيل الفيلق السلافي، وكان لدينا أسلحة مختلفة منها الرشاشات الآلية وقاذفات القنابل ومضادات الطيران والهاون ودبابات «تي 72» وعربات مدرعة وباصات «هيونداي» وسيارت «جي إم سي».

بالأرقام.. هذه هي الفاتورة التي يدفعها الأسد لروسيا الآن

«فيغا/فيغاسي».. خبرة العسكريين الروس القدامى

على غير عادة الشركات الروسية آنفة الذكر، تفاجأ المراقبون في يناير (كانون الثاني) 2019 بقيام شركة «فيغا/فيغاسي» الأمنية بنشر سلسلة للقطات ترويجية لأنشطتها في سوريا، حيث نشرت صور تدريبات تجريها الشركة في المناطق السورية.

ويظهر مقطع مصور مدربًا روسيًا من الشركة يوجه خطابه إلى مقاتلين من «لواء القدس» الفلسطينية التي تقاتل في صفوف النظام السوري، كان مقاتلو اللواء يخضعون لدروة تدريبة على يد مدربين من الشركة وسط أنقاض إحدى قرى ريف حلب المدمرة، وقد ركّزت الدورة التدريبية على إجراءات الأمن والحماية في «المناطق عالية الخطورة» وكذلك التدريب على الأسلحة الروسية الثقيلة والمتوسطة والاشتباك بالذخيرة الحيّة، وفي النهاية تخرج العناصر في احتفال شهده ضباط روس وبعض قادة الميليشيا.

بدأت شركة «فيغا/فيغاسي» العمل في سوريا في عام 2018، وهي بشكل عام ضمت في صفوفها عسكريين قدامى مهمتهم تدريب قوات حكومية في عدة دول، كما يتم الاستعانة بعناصر الشركة في حماية المنشآت الإستراتيجية على غرار الشركات العسكرية الخاصة الأمريكية والبريطانية، ولا يوجد دليل حتى الآن أن مرتزقة شركة «فيغا/فيغاسي» قد شاركوا في العمليات الحربية بسوريا.

ويبين الموقع الرسمي للشركة الأمنية «فيغا/فيغاسي» أنها تأسست في عام 2012 في قبرص على يد قدامى المحاربين والموظفين السابقين في الوحدات البحرية والجيش والشرطة الخاصة في أوكرانيا وروسيا واليونان، وتعرّف الشركة نفسها بأنها «شركة دولية تقدم مجموعة واسعة من الخدمات المتخصصة، وتهدف بشكل رئيس إلى تحديد ومنع التهديدات الأمنية المحتملة للأفراد والبنى التحتية في المناطق المعرضة للخطر، وهي واحدة من شركات الأمن القليلة التي تستخدم أسلحتها الخاصة، والتقنيات المتقدمة والمعدات الأمنية من كبار المصنعين والمطورين».

شركة «الفيلق السلافي».. جيش ظل روسي

تعاقدت شركة «الفيلق السلافي» المرخصة في العام 2012 مع النظام السوري بموافقة رسمية روسية في العام 2013، وكانت مهمة الشركة إرسال مقاتلين للمشاركة إلى جانب قوات النظام في القتال ضدّ المعارضة السورية المسلّحة، وذلك مقابل مرتبات تصل إلى 4 آلاف دولار شهريًا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة حميميم العسكرية بسوريا

وتعرف هذه الشركة وهي نواة شركة «فاغنر» بأنها «توفر خيارات دفاعية وقائية لحماية الأصول الاقتصادية المهمة، وتنشر أعضاء لحماية مصافي النفط والموانئ والمصانع والمباني الحكومية المهمة، وحماية القوافل اللوجيستية، وإجراء الدوريات»، لكن الشواهد على الأرض السورية تؤكد أن متعهدي المجموعة كانوا يشاركون بفاعلية في القتال الدائر في دير الزور وحماة عام 2013، كما أنهم أرسلوا لحراسة حقول نفطية مهمة في دير الزور.

وتقوم الشركة التي أنشأها أعضاء سابقون في «جهاز الأمن الفيدرالي الروسي» بتجنيد جنود سابقين من ذوي الخبرة القتالية للعمل في رحلات طويلة خارج روسيا مقابل 5 آلاف دولار كأجر شهري و20 ألف تعويض في حالة التعرض لإعاقة و40 ألف تعويض الوفاة. وتقع هذه الشركة ضمن الشركات الروسية التي شكلت في المحصلة ما يسمى بـ«جيش ظل روسي يتضمن فائدة مزدوجة»، بغية التعتيم على الحجم الواسع لانتشار روسيا في الأراضي السورية، وكذلك التقليل أمام الراي العام الروسي من الخسائر البشرية.

يقول الخبير في «معهد التحليل السياسي والعسكري»، الكسندر كارامتشيكلن عن عمل تلك الشركات: «العملية منظمة للغاية رسميًا، يمكن لروسيا أن تنكر مشاركتها في العمليات البرية في سوريا، وإذا قتل عاملون تابعون لهذه الشركات السرية، فتلك ليست مشكلة الجيش. كما أن الإعلام لم يسبق أن تناول موضوعًا كهذا».

«شيت».. حراسة «الكعكة الروسية» في سوريا

ظهرت الشركة الأمنية الروسية «شيت (الدرع)» كآخر الشركات التي تلعب دورًا في الأنشطة العسكرية بسوريا، وقد كشف أمر عمل هذه الشركة في يونيو (حزيران) الماضي، حين تعرض ثلاثة من عناصرها للقصف على بعد 50 كيلومترًا من حقل الغاز «توينان» في محافظة حمص.

وحين سُئلوا عن تبعيتهم العسكرية أكد المسؤولون العسكريون الروس أنهم لا يملكون معلومات حولهم، لكن سرعان ما اكتشف أنهم جنود مأجورون لصالح شركة «شيت» غير المسجلة رسميًا، فانعدام صفة واضحة هو عنصر مشترك بين جميع الشركات العسكرية والأمنية الروسية العاملة في سوريا، كما أن شركة «شيت» لا تملك أي دبابات أو أسلحة مدفعية أو منظومات صاروخية، بل يقتصر عتادها على أسلحة نارية ثقيلة لا يزيد عيارها عن 12.7 ميليمترًا، وهي لا تشارك في المعارك القتالية، إنما تؤدي مهام الشركات الأمنية العادية كحراسة المواقع.

وحسب تقرير صحيفة «نوفايا غازيتا» الروسية فإن «عدد أفراد الدرع  في كل موقع بين 25 و30 فردًا، حيث لا يزيد عن 200 أو 300 عنصر، بينما تبلغ فترة مناوبة كل طاقم ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، وذلك مقابل راتب شهري بلغ العام الماضي 180 ألف روبل (حوالي 2800 دولار )، قبل أن يتم خفضه بمقدار الثلث».

ورجحت مصادر الصحافية أن عناصر الشركة هم «محاربون قدامى أو جنرالات رفيعون سابقون أو حاليون في وزارة الدفاع الروسية، كما أن مهامها محدودة جدًا، وتكاد تقتصر على حراسة خمسة مواقع لشركة «ستروي ترانس غاز» الروسية في سوريا (شركة مملوكة منذ العام 2008 لرجل الأعمال المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غينادي تيمتشينكو)».

«هآرتس»: قد يكتب نهاية أزمة سوريا.. هذا هو التحالف الجديد في الشرق الأوسط

المصادر

تحميل المزيد