إبراهيم أبو جازية

15

إبراهيم أبو جازية

15

4,614

سجَّلت السنوات القليلة الماضية زيادة المنافسة الأمريكية الروسية للسيطرة والهيمنة على جميع أنحاء العالم؛ وبالنسبة لروسيا، كان التركيز الأساسي على جهودها الجارية لتحدي حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإضعاف عزمه، بالإضافة إلى ترهيب جيرانها من دول أوروبا، كأوكرانيا على سبيل المثال، المعروف بخلافها الشديد مع روسيا منذ أزمة شبه جزيرة القُرم، ولكن ظلت الولايات المتحدة الأمريكية هي المسيطر الحقيقي على النظام العالمي حتى مع احتدام المنافسة، وتصاعد الدور الروسي.

الآن، في عام 2017، وبعد أن مرَّ ربع قرن كاملًا على انتهاء الحرب الباردة عام 1991، التي مثَّلت أهم حلبة للصراع على الهيمنة العالمية بين الولايات المتحدة وروسيا؛ حيث كانت بين القوى العظمى في النظام العالمي ثنائي القطبية، والذي يمثلهما الاتحاد السوفيتي سابقًا، والولايات المتحدة، والتي انتهت بسقوط الأول وتفكيكه، وإعلان رابطة الدول المستقلة، وزوال الحزب الشيوعي، عاد الخبراء السياسيون والعسكريون وأساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ليتحدثون عن وجود منافسة جديدة بين الطرفين من جديد، ربما قد تقود إلى حرب باردة جديدة تحدث بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، حول العالم، خاصةً في ظل توتر العلاقات مجددًا بين واشنطن وموسكو خلال الأيام الماضية، بعد أن حدث تقارب لفترة قصيرة بين البلدين منذ انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وحتى الشهر الحالي.

اقرأ أيضًا: حربٌ تجارية ضد روسيا وإقالات في البيت الأبيض: هل كُشف سر ترامب؟

عودة التوتر بين موسكو وواشنطن تلاه عدد من ردود الفعل الروسية في منطقة الشرق الأوسط، أوحت باستعدادت روسيا للهيمنة من جديد، ولكن على منطقة الشرق الأوسط هذه المرة. المؤكد الآن أن وجود روسيا في منطقة الشرق الأوسط أصبح له شكل مختلف أقرب إلى محاولة الهيمنة على المنطقة، تقترب روسيا الآن أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء الحرب الباردة من الشرق الأاوسط، رغم بعدها الجغرافي عنه، فهي في مرحلة العمل على خطة طويلة المدى من أجل الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط؛ فبدايةً من العمل على تقويض العلاقات الأمريكية القائمة منذ زمن طويل في الشرق الأوسط، وصولًا إلى إعادة هيكلة النظام الإقليمي في المنطقة، وتوطيد علاقاتها بالقوى المؤثرة إقليميًا، حتى ولو كانت هذه القوى مختلفة فكرًا وتوجهًا تمامًا مع بعضها البعض، كتوطيد العلاقات مع إيران وحماس وإسرائيل في الوقت نفسه، بالإضافة إلى مصر وتركيا وقطر في الوقت نفسه أيضًا، بحيث تسعى للحصول على دعم أكبر عدد من القوى الرئيسية في المنطقة، تنسج روسيا من جديد خطة للسيطرة على مجريات الأوضاع في المنطقة.

روسيا وقطر.. حلفاء واشنطن أمس أعداؤها اليوم

تسعى كل من روسيا وقطر لتوطيد علاقاتهما الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية ببعضهما البعض، وذلك على أساس المنفعة المتبادلة، وبالرغم من توقُع جريدة اليوم السابع المصرية أن روسيا لن ترغب في توطيد علاقتها مع قطر في أعقاب بداية الأزمة الخليجية، ولكن الواقع الحالي يقول عكس توقعات جريدة اليوم السابع، فمن جهة، تسعى قطر لإيجاد حلفاء دوليين ليكونوا بجانبها في ظل الأزمة الخليجية الجارية بينها وبين دول الخليج وغيرها بسبب اتهامات بتدعيمها للإرهاب، ومن الجهة الأخرى، فإن روسيا أيضًا تسعى في الوقت نفسه للتقارب مع قطر لاكتساب حليف آخر في المنطقة، يساعد على تقوية التحالف الروسي مع قطر وتركيا وإيران في آن واحدٍ، بالإضافة إلى المكاسب الاقتصادية لكلا الطرفين، على الرغم من اختلافهما حول القضية السورية.

الجدير بالذكر أن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، بدأ يوم الاثنين، جولة خليجية تشمل كلًا من قطر، والإمارات والكويت، واستمرت حتى يوم 30 من شهر أغسطس، وتعتبر هذه هي المرة الثانية التي سيلتقي فيها مسؤولون قطريون بنظرائهم الروس، منذ بداية الأزمة الخليجية في الخامس من يونيو (حزيران) 2017، وذلك بعد أن قام وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني بزيارة إلى موسكو بعد بضعة أيام من اندلاع الأزمة، في العاشر من يونيو (حزيران) 2017، لبحث سبل حلها، وبحث الوساطة الروسية؛ حيث قال حينها إن الهدف الرئيسي من زيارته لموسكو هو إطلاع روسيا على التطورات التي حدثت ضد دولة قطر، وخصوصًا الإجراءات غير القانونية التي تم إنفاذها عليها.

 وفي الوقت نفسه، أعرب لافروف حينها عن قلق روسيا من أزمة قطع العلاقات مع قطر، قائلًا إنه «بناءً على سياساتنا، لا نتدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى أو علاقاتها الثنائية، ولكن لا يمكننا أن نكون راضين عن وضع تزداد فيه علاقات شركائنا سوءًا».

وبخصوص الزيارة الحالية، أوضحت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في مؤتمر صحفي عقدته الخميس، أن جدول أعمال جولة لافروف إلى منطقة الخليج يتضمن بحث الأزمة السياسية بين قطر وأربع دول عربية، بالإضافة إلى تسوية الأزمة السورية، مؤكدةً أن موسكو تدعو الدوحة وعددًا من العواصم العربية الأخرى إلى التخلي عن المواجهة وبحث الخلافات حول طاولة المفاوضات، وعن طريق إجراء حوار داخلي من خلال مجلس التعاون الخليجي.

الخبر الأبرز في هذه الفترة هو العلاقات التجارية العسكرية الجديدة التي تنشأ في الوقت الحالي بين الدوحة وموسكو؛ حيث أعلن وزير الدفاع القطري، خالد بن محمد آل عطية، أن قطر مهتمة بالتعاون مع روسيا في مجال الدفاع، خاصة في تقنيات الأسلحة الحديثة، حيث قال: «فيما يخص تعاوننا، فإنه لا يقتصر على شراء منظومات الدفاع الجوي فحسب، بل والتقنيات، نحن نود تطوير هذا القطاع وجلب هذه التقنيات لقطر»، مشيرًا إلى أن قيادة دولته كلفته بتعزيز العلاقات مع روسيا خاصةً في المجال العسكري.

أكدت روسيا قبولها لتعزيز العلاقات العسكرية مع قطر؛ حيث قال السفير الروسي لدى قطر، نور محمد خولوف، الخميس، إن موسكو تتوقع إبرام اتفاق للتعاون العسكري التقني مع قطر في أقرب وقت، مشيرًا إلى أن أن موسكو تدعم الدوحة، معتبرًا أن قطر «بدأت بالنظر إلى روسيا باعتبارها صديقًا وشريكًا موثوقًا به في مسائل التعاون الدولي والثنائي على حد سواء، وتعول على إسهام الطرف الروسي في تسوية الأزمة الدبلوماسية».

التعاون العسكري المتوقَّع بين روسيا وقطر يأتي في الوقت الذي قرر فيه الطرفان إعادة النظر في علاقة كل منهما مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث إن روسيا تواجه توترات في الوقت الحالي مع واشنطن، وذلك بعد أن وقَّع ترامب على عقوبات اقتصادية وتجارية ضد روسيا مؤخرًا، وبالنسبة لقطر، فبعد أن كانت أحد أكبر مستوردي الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 2011: 2015، بقيمة وصلت إلى 22.9 مليار دولار في هذه الفترة فقط، فإنها الآن تدير ظهرها للتعاون مع روسيا ربما أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بعد أن اتهمها ترامب في عدد من التغريدات بدعمها للإرهاب.

ويأتي ذلك في ظل وجود أبرز قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط في منطقة العديد بقطر والتي تحوي أكثر من 11 ألف جندي أمريكي.

سوريا.. حيث كانت البداية

ربما يعتبر التواجد الروسي في سوريا هو التواجد العسكري الوحيد المُعلن الموجود في منطقة الشرق الأوسط؛ إلى جانب التواجد الدبلوماسي والعلاقات القوية مع الدول الأخرى، وكانت البداية عندما شنت روسيا العديد من الغارات الجوية المتتابعة على سماء سوريا، بدءًا من 30 سبتمبر (أيلول) عام 2015، حيث تزامن هذا الوقت مع إنشاء قاعدة روسية جنوب اللاذقية، بالإضافة إلى نشر وانتداب عدد من القوات ذات الصلة.

حينها أعلنت روسيا رفضها للانضمام إلى التحالف الدولي الذي دشنته الولايات المتحدة، لمحاربة «تنظيم الدولة»، وعملت على تكوين تحالفها الخاص، مع سوريا والعراق وإيران وحزب الله اللبناني، بالرغم من أن مصالح كل طرف من هذه الأطراف قد تتقاطع.

ومنذ إعلان التدخل الروسي في سوريا، تناوب القصف الروسي على سوريا فور إعطاء البرلمان الروسي الضوء الأخضر، والتصديق على قرار التدخل العسكري في سوريا، وذلك تحت شعار القضاء على تجمعات «تنظيم الدولة» هناك، ولكن هذا التدخل لم يُعجب الولايات المتحدة، التي أعلنت في أواخر العام الماضي تشككها فيما وصفتها بـ«المزاعم الروسية»، قائلة: إن التدخل العسكري الروسي في سوريا، «ربما ليس من شأنه التخلص من الجماعات الإرهابية، وإنما قد يكون السبب الرئيسي وراءه حماية نظام بشار الأسد من المعارضة السورية».

اقرأ أيضًا: ما بعد حلب.. سيناريوهات أكثر رعبًا وتفككًا

وبعد استعادة النظام السوري لمدينة حلب؛ أكد بشَّار الأسد في حديثه مع جريدة الوطن السورية قائلًا: «نحن نتشاور يوميًا مع روسيا وهناك تواصل دائم ولا يصدر أي قرار دون تشاور بين البلدين، ولم تطالب بأي ثمن لمساعدتها الجيش السوري، والحرب على الإرهاب ليست من أجل سوريا فقط بل من أجل روسيا والعالم وأوروبا والمنطقة»، وهو ما يُمثِّل إعلانًا صريحًا لتدخل روسيا في جميع القرارات المُتخَذة في سوريا.

روسيا وتركيا وإيران.. المثلت الإقليمي الجديد

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية هي السبب الأبرز لتكوُّن علاقات قوية بين أطرافٍ ثلاثة هم روسيا وتركيا وإيران، ليشكلون سويًا مثلثًا إقليميًا جديدًا في الشرق الأوسط قادرًا على التدخل وقيادة العديد من القضايا الهامة، أبرزها القضية السورية بالطبع، لتظل حلقة الوصل هنا هي روسيا.

بدايةً مع العلاقات الروسية الإيرانية؛ حيث شكَّلت ثلاث نقاط رئيسية، هذه النقاط الثلاثة لا تعني أنها مراحل مختلفة في التوجهات، وإنما هي تمثل أحداث رئيسية أدت إلى توطيد العلاقات مرة بعد الأخرى، أولها كان عندما تحالفت الدولتان سويًا في سوريا منذ أن بدأت روسيا عملياتها العسكرية في سوريا في أواخر عام 2015، عندما كانت إيران داخل سوريا تدعم نظام الأسد منذ ذلك الحين، ولطالما ارتبط الدعم الإيراني لنظام الأسد بدعم قوات حزب الله اللبناني الداعمة لنظام الأسد أيضًا.

اقرأ أيضًا: 4 أسئلة تشرح لك طريقة احتلال روسيا لسوريا

النقطة الثانية في توطيد العلاقات الروسية الإيرانية كانت في بداية الشهر الجاري، وتحديدًا في الثاني من أغسطس (آب) 2017، عندما وقَّع الرئيس ترامب قانونًا يقضي بفرض عقوبات اقتصادية جديدة ضد روسيا وإيران، والتي من شأنها تقييد حجم الأموال التي يمكن أن يستثمرها الأمريكيون في الدولتين على المشروعات المختلفة، وخاصةً مشروعات الطاقة، بالإضافة إلى تقييد التعاون بين الشركات الأمريكية والروسية والإيرانية.

العقوبات ضد روسيا وإيران لم تكن الأولى، ففي عهد الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، فُرضت عقوبات كثيرة على روسيا، بينما حينها عمل أوباما على إبرام الاتفاق النووي مع إيران، ولكن جاء ترامب ليعلن أنه سيعيد النظر في جميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بما فيها الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني، وكان ترامب قد أعلن أثناء حملته الانتخابية، وتحديدًا يوم توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، أن هذا الاتفاق مُحرج للولايات المتحدة، مشيرًا إلا أنه يبين عجز الولايات المتحدة وإدارة أوباما في التفاوض مع إيران، قائلًا: «يحكمنا في الولايات المتحدة مجموعة من الأغبياء» وذلك في إشارة تعبر عن الغضب الزائد من إدارة أوباما بسبب هذا الاتفاق.

المؤكد في الوقت الحالي أن روسيا وإيران واقعتان تحت تأثير العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة عليهما من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، مما أدى إلى تدعيم علاقاتهما معًا؛ فالعلاقات الإيرانية الروسية لم تهتز منذ عام 2015، ولكن علاقات كل طرف منهما مع الرئيس الأمريكي الجديد، قليل الخبرة، ليس لها حال ثابت، فهو يغير رأيه دائمًا متخذًا قرارات مفاجئة للجميع.

النقطة الثالثة الهامة في العلاقات الروسية الإيرانية كانت منذ بضعة أيام فقط، وتحديدًا في 25 أغسطس (آب) 2017، عندما أعلنت وكالة الأنباء الروسية، سبوتنيك، أن منظومة الدفاع الجوى الروسية «بانتسير» أسقطت ثلاث طائرات دون طيار تابعة لإسرائيل، فى سوريا، وذلك في الفترة من مارس (آذار) وحتى يوليو (تموز) 2017. الهجوم على طائرات إسرائيلية، هو بالطبع لمصلحة إيران، فمن المعروف أن إسرائيل ترى أن إيران هي العدو الأوحد في المنطقة، كما أن إسرائيل لا تهتم بحقيقة الوضع في سوريا، ولا بالكثير من نتائجه، إلا أنها تهتم بشكل أساسي بألا تستحوذ إيران على مناطق معينة في سوريا، وألا تهيمن بأي شكل من الأشكال في المنطقة، وذلك خوفًا على أمنها القومي. وفي رأي العديد من المحللين، فإن التدخل الإسرائيلي في سوريا هو في الأساس لمحاربة أهداف إيرانية، وقوات حزب الله اللبناني، المدعومة من إيران، في الأساس.

اقرأ أيضًا: «أنا في انتظار الموت».. رسائل من قلب حلب وسط القصف والدمار

وبالحديث عن العلاقات الروسية التركية، سنجد الأمر مختلفًا قليلًا عن العلاقات الروسية الإيرانية، وذلك لبضعة أسباب، أبرزها الاختلاف حول القضية السورية، والتي تعتبر محور تمركز روسيا، وبوابة الوجود الروسي في منطقة الشرق الأوسط، فروسيا وتركيا يختلفان تمامًا في وجهات نظرهما تجاه القضية؛ حيث تدعم روسيا نظام بشَّار الأسد، وتؤمن بأن حل الأزمة لن يكون إلا بوجود الأسد في مستقبل سوريا، بينما ترى تركيا أن حل الأزمة لا يمكن أن يتم بوجود الأسد.

الاختلاف الثاني في حالة تركيا، عن حالة إيران، هو وجود أزمات كبرى مرت بها روسيا وتركيا خلال الفترة الأخيرة، كان أبرزها إسقاط تركيا لطائرة عسكرية روسية عام 2015، بالإضافة إلى حادث اغتيال السفير الروسي بتركيا في الحادث الشهير الذي جرى أمام شاشات التليفزيون.

اختلافان اثنان لم يؤثرا على علاقات وطيدة بدأت في بداية القرن الجاري، عندما وصل الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين إلى سدة الحكم، في الوقت الذي وصل فيه حزب العدالة والتنمية التركي، والمسيطر على الحكم منذ عام 2002، حينما كان رجب طيب أردوغان رئيسًا لوزراء تركيا؛ فبعد أزمة الطائرة، شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين توترًا كبيرًا، ظل حتى محاولة الانقلاب التركي في منتصف عام 2016، حينها رجعت الزيارات الرسمية بين البلدين إلى أن عادت الأمور كما كانت، وذلك بعد أن أرسل أردوغان إلى بوتين، رسالة أعرب فيها عن أسفه لحادثة المقاتلة الروسية، وقدم تعازيه لمصرع الطيار، وعقب الرسالة اتصل بوتين بأردوغان، واتفق الزعيمان على تطبيع العلاقات.

اقرأ أيضًا: الطريق نحو حرب عالمية ثالثة: اغتيال السفير الروسي في تركيا أمام العالم

وعلى مدار ما يقارب من 15 عامًا، عملت روسيا وتركيا على رفع معدلات التعاون الاقتصادي والتجاري، والمشروعات المختلفة، مما أدى إلى إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين، ليقفز حجم التبادل التجاري بينهما إلى 25 مليار دولار كاملة.

ربما تعتقد أن ما سبق هو دليل كافٍ على جودة العلاقات الروسية التركية، ولكن ما يؤكد العلاقات الوطيدة هو حلف شمال الأطلسي (الناتو).. فكيف ذلك؟ تعتبر تركيا أحد أبرز أعضاء حلف الناتو، الذي هو في حالة تأهب طوال الوقت لمواجهة روسيا، ولكن وجود تركيا باعتبارها جزءًا رئيسيًّا منه، في ظل التعاون الاقتصادي مع روسيا، دائمًا ما يوقف أي مواجهات حقيقية بين روسيا والحلف، وإنما ما يحدث طوال الوقت هي تهديدات شفوية، أو حتى تحركات احترازية فقط.

الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية، والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، الذين يعتبرون جميعًا المُشكِّل الرئيسي لحلف الناتو، كانوا قد فرضوا عقوبات اقتصادية على روسيا منذ عام 2014، بسبب أزمة شبه جزيرة القُرم، ولكن تركيا لم تهتم لأمر العقوبات، وظلت في علاقاتها القوية مع روسيا، وذلك بالرغم من اعترافها بأن روسيا لم يكن لها الحق في دخول القرم من الأساس، وأنها حصلت عليها بطريقة غير شرعية.

الأمر الأهم الخاص بحلف الناتو وروسيا وتركيا هو ما أوردته قناة CNBC الأمريكية، وتحديدًا يوم 14 أغسطس (آب) 2017؛ حيث ذكرت أن توتر العلاقات التركية الأمريكية قد يدفع بتركيا لشراء أنظمة دفاع وأسلحة من روسيا، مما سيكون ضربة قوية للولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو وجميع أعضائه، وهو ما أكد عليه أيضًا موقع «نيوزويك». وإن حدثت خطوة كهذه، فستكون حقًا ضربة للولايات المتحدة، وللاتحاد الأوروبي، الذي يواجه علاقات متوترة مع تركيا أيضًا في الفترة الأخيرة منذ محاولة الانقلاب التركي عام 2016، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا على إثره، فهي خطوة تصب في مصلحة روسيا وتركيا في نفس الوقت، مما يجعل من تركيا حليفًا قويًّا لروسيا من أجل التحالف معه، ومن أجل خطة الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط.

روسيا وحليفتها مصر.. وإسرائيل وحماس في الوقت نفسه

لطالما كانت مصر حليفًا استراتيجيًا هامًا لروسيا على مدار سنوات طويلة، خاصةً في الفترة منذ منتصف عام 2013 وحتى انتخاب الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب في أواخر 2016؛ حيث عملت مصر على استقطاب حليف دولي قوي بديلًا عن الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الفترة. كانت إدارة الرئيس أوباما على علاقات متوترة مع القاهرة، بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان في الداخل المصري، وفي الوقت نفسه كانت الولايات المتحدة على علاقات متوترة مع موسكو أيضًا، ولذلك كانت فرصة للطرفين للاتحاد سويًا بعيدًا عن الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث عملا معًا على تحسين التعاون الاقتصادي والتجاري والعسكري خلال السنوات الماضية، خاصةً بعد قدوم الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي إلى سدة الحكم.

وبالرغم من معارضة النظام المصري حتى منتصف عام 2013 للنظام السوري بقيادة بشار الأسد، خاصًة في مرحلة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، إلا أنّ الوضع تغير بعد منتصف 2013 بسبب تأييد مصر لروسيا، التي تعتبر أكبر مؤيدي وداعمي الأسد منذ عام 2011، ولذلك، فقد سعت مصر لتأييد نظام الأسد، تقربًا لروسيا، حليف الأسد الأهم.

ومن حينها، وحتى وقتٍ قريب، ظلت مصر أقرب لنظام الأسد، بل إن هناك ترديدات بأن مصر دعمت نظام الأسد عسكريًا في وقتٍ من الأوقات، وبالرغم من استمرار قيادة النظام المصري كما هي، إلا أن وجهة النظر المصرية تغيَّرت بالكامل بعد بضعة أشهر من انتخاب ترامب، وذلك بسبب تغيير وجهة نظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضًا تجاه الوضع في سوريا، بعد مجزرة خان شيخون في شهر إبريل (نيسان) الماضي.

اقرأ أيضًا: ترامب في حيرة.. والمدنيون دائمًا هم الضحية

كانت هذه هي أحد التوترات بين موسكو والقاهرة في الفترة الأخيرة، بالإضافة إلى حادث تحطم الطائرة الروسية في مصر في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2015 الماضي، والذي ما زال قيد التحقيق المشترك بين الدولتين إلى الآن، ولكن في الوقت الحالي، يبدو أن القاهرة عادت مرة أخرى للتحالف مع روسيا والانضمام إليها بدلًا من الولايات المتحدة، خاصةً في ظل التوتر بين القاهرة وواشنطن بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتقليل المعونة الأمريكية إلى مصر بحوالي 95.7 مليون دولار، وتعليق تسليم 195 مليون دولار أخرى إلى مصر، وذلك بسبب شكوك من واشنطن لتعاون مصر مع كوريا الشمالية، ولعدم إحداث أي تقدم في ملف حقوق الإنسان في مصر.

اقرأ أيضًا: لأجل حقوق الإنسان أم قلقًا من كوريا الشمالية.. لماذا انقلب ترامب على السيسي؟

وقد التقى وزير الخارجية المصري، سامح شكري، بنظيره الروسي، سيرجي لافروف، في موسكو يوم الاثنين الذي وافق 21 أغسطس (آب) 2017 ؛ حيث ناقشا الأهداف المشتركة بينهما من أجل استعادة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وللتأكيد على عمق العلاقات المصرية الروسية، كما بحث الطرفان إنشاء منطقة تجارة حرة بين البلدين قبل نهاية العام الجاري. وانتهى اللقاء بالإعلان عن مناورات مشتركة ستجرى في شهر سبتمبر (أيلول) 2017 المقبل؛ حيث تستضيف روسيا عملية تكتيكية روسية – مصرية مشتركة تحت عنوان «مدافعين عن الصداقة – 2017».

ويشارك فيها وحدات من القوات الجوية الروسية وقوات المظلات المصرية التابعة للقوات المسلحة المصرية، وستجرى في إقليم كراسنودار بجنوب روسيا.

اقرأ أيضًا: «حماس».. هل تكون بوابة عبور جديدة لروسيا لتوسعة نفوذها بالشرق الأوسط؟

وليس بعيدًا عن مصر، فإن روسيا سعت خلال الفترة الماضية لبناء علاقات قوية مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، موجهة الدعم المعنوي لها، خاصةً في ظل التضييق الأمريكي على الحركة ومحاولات عزلها إقليميًا. وفي الوقت نفسه، وبعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى موسكو، يوم الأربعاء 23 أغسطس (آب) 2017، أشاد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بنتنياهو، مؤكدًا أنه سعيد بمستوى تعاونه العملي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، واصفًا آلية التعاون بين روسيا وإسرائيل، بأنها فعالة جدًا، ومؤكدًا أن روسيا مرتاحة لسير تطور العلاقات الثنائية مع إسرائيل، مقدرًا الجهود التي بذلها نتنياهو في هذا السياق، وذلك بحسب ما أوردته وكالة سبوتنيك الروسية.

الجدير بالذكر أن زيارة نتنياهو إلى موسكو كان هدفها الرئيسي هو التأكيد على التحالف الإسرائيلي الروسي، والتأكيد على التصدي لأي محاولات للسيطرة الإيرانية على أي مناطق في منطقة الشرق الأوسط، وذلك خوفًا على الأمن القومي الإسرائيلي.

والآن، وخلال أقل من عشرة أيام تقريبًا، يمكننا ملاحظة الجهود الروسية المكثفة لفرض سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط، خاصةً في ظل معاداة واشنطن لمعظم الدول التي عملت روسيا على تدعيم علاقتها معها، أي أن الولايات المتحدة الأمريكية خدمت الأوضاع الحالية لروسيا، وربما بدون الخلافات بين واشنطن وبعض الدول، لما حدثت هذه التحالفات مع روسيا.

التحالفات التي عقدتها روسيا مع عدد من القوى المتخالفة إن دل على شيء فإنه يدل على القدرات الدبلوماسية العالية، والذكاء الذي يتمتع به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ حيث إنه خلال عشرة أيام فقط، قام بتوطيد علاقاته مع كل من مصر، وإسرائيل، وحماس، وإيران، وتركيا، وقطر.