منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991؛ لم تحظ روسيا بدور رائد في النظام العالمي. إذ عانت من الكثير من السقطات الاقتصادية بسبب محاولات «لبرلة» الاقتصاد المتهالك، والدخول في النظام الرأسمالي بعد سنوات عجاف تحت «النظام الشيوعي»، ثم أتى بوتين، وقال كلمة أخرى. فغيَّر القيصر الروسي من «قواعد اللعبة»، وعمل على «تنظيف البيت» الداخلي، فبدأ بحرب الشيشان الثانية، ومن ثم انطلق ليعيد إلى روسيا مجدها الضائع ببسط يدها في السياسة الدولية.

من هذا المنطلق بدأ بوتين رحلته الدولية في سباق مع الزمن لإعادة النفوذ الروسي خارج الحدود، وبالأخص في أوكرانيا، وسوريا، ومؤخرًا ليبيا. فضم القرم، وأفشل «ثورة سوريا»، وها هو يعاود الكرة بمحاولة إفشال مشروع ما بعد الثورة وإنجاح الثورة المضادة في ليبيا.

فمنذ أن كلَّف بوتين نائب وزير الخارجية، ميخائيل بوجدانوف، مسؤولية الملف الليبي، في نهاية عام 2015،  والتدخل الروسي في ليبيا، يتصاعد؛ إذ لا تخفي روسيا دعمها للجنرال حفتر حتى في اجتماعات الأمم المتحدة، وسبق لحكومة الوفاق أن اتهمت موسكو بتوفير غطاء دولي لحفتر بعدم إصدار قرار من مجلس الأمن بتوقف القتال، إلا بعد إحراز الجنرال الليبي تقدمًا ميدانيًّا يجعله شريكًا في العملية السياسية المقبلة.

في هذا التقرير نستعرض معكم دور «روسيا بوتين» في الحرب الدائرة وتطورات المشهد  في ليبيا. 

ذراع بوتين في حروب الوكالة.. في البدء كان مرتزقة «فاجنر»

تعد مجموعة «فاجنر»، النسخة الروسية من مجموعة «بلاك ووتر» الأمريكية. وتتكون من مجندين سابقين إضافة إلى أصحاب سوابق إجرامية، وأسسها عام 2015 رجل الأعمال يفغيني بريغوجين، المعروف بـ«طباخ بوتين» والمقرب من الرئيس الروسي. تزامن تأسيس المجموعة مع بداية الحملة الروسية في سوريا لمحاربة ما وُصف بـ«الإرهاب». اعتمد يفغيني على العميد السابق في الجيش الروسي ديمتري أوتكين في تأسيس المجموعة، التي اتخذت أوكرانيا مسرحًا أوليًّا لبداية عملياتها في القتال بجانب الانفصاليين في جزيرة القرم، التي جرى ضمها لاحقًا للجمهورية الروسية.

لاحقًا، اتسع نطاق عمليات المجموعة، فاتخذت كلًّا من سوريا وأوكرانيا مسرحًا لعملياتها القتالية، بالإضافة التي وجودها في فنزويلا، ومدغشقر، والسودان، وجمهورية أفريقيا الوسطى. وتعتمد الشركة على إبرام عقود مقابل أداء خدمات حماية وما شابه داخل هذه الدول، وبذلك تتمكن من جني الأرباح من قطاعات مختلفة. فعلى سبيل المثال تحظى بنسبة تبلغ 25% من عائدات النفط والغاز من الحقول التي تؤمِّنها «فاجنر» في سوريا.

بعد زيارتين أجراهما الجنرال حفتر للعاصمة الروسية موسكو، وظهوره لاحقًا على متن حاملة طائرات روسية؛ بدا واضحًا أن روسيا بدأت في التفكير بالتدخل في الشأن الليبي. فخلال زيارة حفتر لموسكو عام 2018، ظهر يفغيني بريغوجين في الاجتماع، وما هي إلا أشهر قليلة حتى بدأت طلائع قوات «فاجنر» تتجه إلى ليبيا لتبدأ صفحة جديدة من مغامرات بوتين الخارجية.

وفي تقرير سري للأمم المتحدة نشرته وكالة «رويترز» بتاريخ السادس مايو (أيار) الحالي، قُدِّرت أعداد مرتزقة «فاجنر» في ليبيا، بين 800 و1200 مقاتل، ما بين قناصين وفرق قتال، بالإضافة إلى الدعم اللوجيستي، ويُعَدون «قوة مضاعفة» لقوات حفتر، أي مكنتهم من الصمود في استمرار هجومهم على الغرب الليبي.

دولي

منذ سنة واحدة
طبّاخ القيصر.. رجل بوتين الذي قد يحول السودان لسوريا جديدة

وفي الوقت الذي صرح فيه بوتين بأن مجموعة «فاجنر» لا تمثل روسيا؛ كانت الأدلة تشير إلى صلة المجموعة بالرئاسة الروسية. ناشط سياسي سوري، طلب عدم ذكر اسمه، أخبر «ساسة بوست» بأن مجموعات «فاجنر» انطلقت إلى ليبيا قبل إرسال المجموعة إلى سوريا، وتحصنت بجبال داخل ليبيا. مشيرًا إلى أن بريغوجين هو أكبر متعهد في وزارة الدفاع الروسية، ولا يمكن لمجموعة «فاجنر» أن تذهب إلى ليبيا دون أن تأخذ الموافقة «الشفهية» من الرئاسة الروسية، موضحًا أن مصلحة روسيا من ليبيا، هي جني المال وكسب ورقة ضغط ضد الفرقاء، وكذلك الغرب.

وفي سياق متصل، أكد الباحث والناشط السياسي الليبي وليد إرتيمة  لـ«ساسة بوست» أن روسيا لطالما لعبت الدور «الهجين» في السياسة الدولية، فتدخل عن طريق «فاجنر» وتدَّعي أنها جهة غير رسمية، مع أن المجموعة تتبع الكرملين مباشرة، وتتدخل أيضًا عن طريق قوة ناعمة، مثل مؤسسة «فابريكا ترولي»، وصفحات ممولة ذات طابع مجتمع مدني، لكنها تتبع للمخابرات الروسية. ويضيف إرتيمة أنها دائمًا ما تدَّعي الاعتراف بالجهات الشرعية، لكنها في الواقع تخلق مسارات موازية لمسارات الأمم المتحدة، كما فعلت في ليبيا وأوكرانيا، على حد تعبيره.

«الوضع على شفير الهاوية».. روسيا تنصح حفتر بالعودة إلى الاتفاق السياسي

في بداية مايو الجاري، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، مقطعًا مسربًا، لرئيس مجلس نواب طبرق، عقيلة صالح، خلال لقائه مع مشايخ قبيلة «العبيدات» بمدينة القبة، شرقي ليبيا، تحدث فيه عن تقرير روسي، ينصح حفتر بالعودة إلى الاتفاق السياسي، ويُنذر بسوء الأوضاع العسكرية في الميدان بعد تزايد التدخل التركي، مطالبين حفتر بالعودة إلى الاتفاق السياسي لانتخاب مجلس رئاسي جديد، لمنع تركيا من زيادة دعمها لحكومة الوفاق.

وجاء في التقرير الروسي الذي تحدث عنه صالح خلال لقائه القبلي، أن تركيا سوف تصعِّد من نسق عملياتها في ليبيا لتدخل الحرب «مرحلة جديدة»، وذلك بعد سيطرة قوات حكومة الوفاق الوطني على مدن الساحل الليبي، وتراجع «الكثافة النارية» لقوات حفتر في معظم جبهات القتال.

ويبدو جليًّا أن عقيلة صالح اتخذ من هذا التقرير الروسي، ذريعة لوقف «انقلاب» حفتر على الاتفاق السياسي ومكوناته، بما فيها مجلس النواب الذي يرأسه، وحذَّر صالح من مآلات اتخاذ هذا القرار وعدم شرعية القرار الفردي، موضحًا خلال لقائه بالمشايخ أن «ما سوف يقوله أعيان الشرق الليبي سوف يطبق عليه وعلى الجنرال خليفة حفتر».

وفي الوقت الذي كانت فيه رسالة عقيلة صالح متعارضة تمامًا مع بيان خليفة حفتر؛ صرَّح الأول بأنه ليس بينه وبين حفتر خلاف شخصي، مشيرًا إلى أن قنوات الاتصال ما تزال مستمرة مع خليفة حفتر، ولافتًا إلى أن خطوة حفتر بإعلان نفسه حاكمًا وإسقاط اتفاق الصخيرات؛ لا يمكن قبولها عالميًّا لعدم مشروعيتها؛ بسبب عدم سيطرة حفتر على كل التراب الليبي.

مرتزقة «فاجنر» جنبًا إلى جنب مع قوات حفتر في معارك جنوب طرابلس 

بداية من النصف الثاني لعام 2019، رصدت تقارير أجنبية، وصول العشرات من مرتزقة «فاجنر» إلى طرابلس، وسرعان ما بلغ عددهم حوالي 2500 مقاتل. وتقول التقارير إن دور هذه العناصر في البداية، «اقتصر على صيانة الأسلحة السوفيتية القديمة التي يملكها حفتر، وتدريب عناصره»، وذلك قبل أن «يتورطوا مباشرة في القتال»، وأنهم شاركوا في معارك جنوب طرابلس قرب مطار طرابلس العالمي، وبالقرب من منطقة العزيزية أيضًا.

عربي

منذ 3 أسابيع
ما هي نقاط القوة والضعف عند حفتر والسراج؟

وفي سياق متصل، ذكر تقرير لجريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أن دخول القناصة الروس غيَّر من مجريات الحرب، مستدلِّين بتصريح بالقائد العسكري التابع لحكومة الوفاق، محمد الديلاوي، بأن «رصاصة القناصة الروس أطول من الأصابع»، وأن تسعة من جنوده قُتلوا بسبب ذلك. وصرح الأكاديمي الليبي عماد بادي في التقرير نفسه بأن «هناك فروقًا شاسعة بين الليبيين الذين يقاتلون على الأرض، والتكنولوجيا المتقدمة التي تقدمها القوى الأجنبية المتداخلة جَوًّا».

وبحسب الناشط السياسي وليد إرتيمة، فإن قوات «فاجنر» شكَّلت فارقًا كبيرًا في معركة طرابلس، وذلك بسبب خبرتهم في حرب الشوارع وإمكانياتهم التكنولوجية الكبيرة، مثل تقنيات الاتصالات والاستطلاع، ونوعية الأسلحة الحديثة. مشيرًا إلى أن «قوات حفتر لم يكن لديها القدرة على السيطرة على مواقع جنوب العاصمة طرابلس، لولا مجموعة «فاجنر» في بداية الهجوم، أما حاليًا فلولا وجود قوات «فاجنر» لما تمكن حفتر من الصمود في الجبهات، وبالأخص جبهة جنوب طرابلس».

وحول تمركزات قوات «فاجنر»، يقول إرتيمة إنها «موجودة في محاور جنوب طرابلس، ومدينة ترهونة، وقاعدة الجفرة، وبعض النقاط في الشرق الليبي، وبذلك يشكلون ثقلًا كبيرًا لقوات حفتر».

هل يؤثر دعم بوتين لحفتر في علاقات موسكو وأنقرة؟

كلعبة الشطرنج، تلعب روسيا تلعب أدوارها بتكتيك سياسي، فتمسك بالملف الليبي من جهة لخدمة ملف آخر من جهة أخرى. فبحسب تقرير كتبه البروفيسور إيجور دولانويه، ونشرته مجلة «أورينت 21»، فإن روسيا تجري «مناورة» سياسية في الملف الليبي؛ كي تضغط على الأوروبيين حول الملف الأوكراني والسوري، عند الحاجة.

وبحسب المعطيات السابقة، فمن المتوقع أن تظل روسيا حاضرة بقوة في الملف الليبي، حسب مصالحها الخاصة، ومحاولاتها للتوسع في لعب أدوار سياسية في النظام الدولي؛ كي تضع موطئ قدم متقدم في السياسية الدولية بقيادة عميل مخابرات «الكي جي بي» السابق والرئيس الحالي فلاديمير بوتين.

دولي

منذ 8 شهور
هل تصبح ليبيا «سوريا جديدة» بفعل التدخل الروسي؟

وحول العلاقات التركية الروسية في ظل التدخل الروسي في ليبيا، يعلق الصحافي التركي إيلكر سيزار  لـ«ساسة بوست» بأن: «حجم الأزمة السورية أكبر من نظيرتها الليبية بالنسبة للعلاقات التركية الروسية». وأن ذلك يعود إلى عدد من الأسباب، منها اختلاف حجم الدعم في سوريا، إذ إن الدعم الروسي في سوريا كبير للغاية، مقارنة بالدعم الروسي غير المباشر أو الرسمي، في ليبيا، والذي يقتصر على مرتزقة «فاجنر»، على حد قوله.

ويتوقع الصحافي التركي أن الصراع التركي الروسي في ليبيا لن يتحول إلى صدام مباشر بين الدولتين، ويعزو ذلك إلى أن «الحالة في إدلب كانت أكثر تعقيدًا وتوترًا، ولم تؤدِّ إلى صدام مباشر بين الدولتين؛ وذلك يعود إلى حجم المصالح العسكرية والاقتصادية المشتركة»، ويردف قائلًا، إن «تركيا وروسيا سيحلان الصراع في ليبيا مستقبلًا، بالمحادثات الدبلوماسية؛ لأن الدعم الروسي لحفتر غير مباشر ومحدود، ولعدم وجود خيارات استراتيجية أفضل من المحادثات الدبلوماسية للحفاظ على المصالح المشتركة بين البلدين» وفقًا لرأي الصحافي.

المصادر

تحميل المزيد