لم يستطع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى إحدى مقاتلاته تسقط على الحدود السورية التركية؛ نتيجة صواريخ مقاتلات إف ـ16   التركية يوم 24 نوفمبر 2015 ، وبغض النظر عن ملابسات الحادث نفسه، فإن الوقائع على الأرض حالياً تشير إلى حرب سياسية عالية المستوى بين الجارتين، تغذيها مصالح وتكتلات، وأغراض كبيرة.

كان من الصعب على الرئيس الروسي أن يقوم بتصعيد عسكري تجاه أنقرة؛ لأن الأمر يعني ببساطة حرب مفتوحة بين الطرفين، قد تصل إلى صراع إقليمي، أو حتى عالمي مفتوح.

الرئيس الروسي أعلن مجموعة من العقوبات الاقتصادية على تركيا، فما هي هذه العقوبات؟ وما هي الخسائر المتوقعة نتيجة لها؟

(1) قطاع السياحة

في اليوم التالي للحادثة، نصحت موسكو، على لسان وزير خارجيتها، مواطنيها بعدم الذهاب إلى تركيا للسياحة، أو لأي غرض آخر، باعتبار أن “مستوى الخطر الإرهابي فيها متنام، ولم يعد يقل عن الخطر الإرهابي في مصر”.

بدأت شركات السياحة الروسية توقف رحلاتها بالفعل، ليأتي اليوم التالي بطلب جديد من وزارة الخارجية الروسية؛ يطالب المواطنين الروس الموجودين في تركيا بالعودة إلى روسيا، والتخلي عن زيارة تركيا.

انعكس الأمر سلبا على السياحة التي تعد أحد أعمدة الاقتصاد التركي، وهو ما عبر عنه رئيس اتحاد أصحاب الفنادق التركية، عثمان آيك، في تصريحاته لصحيفة  “حريت”  التركية قائلاً:  “هذا ليس جيداً، نحن لا يمكننا أن نخسر سوق السياحة الروسي، والذي يمثل ثاني أكبر مصدر للقطاع السياحي التركي”.

آيك أشار إلى أن قطاع السياحة في تركيا خسر بالفعل 800 ألف سائح روسي عام 2015 بالمقارنة بعام 2014 نتيجة المشاكل الاقتصادية التي شهدتها تركيا، وما صاحبها من انتخابات برلمانية تسببت في هزة سياسية واقتصادية على مدار 5 أشهر، الفنادق التركية كانت قد اضطرت بالفعل إلى تخفيض أسعارها؛ من أجل تعويض الخسائر الناتجة عن تقلص أعداد السياح، بالإضافة لبعض الامتيازات، لكنها لم تتمكن من سد الفجوة بالفعل.

في الربع الثالث من عام 2015، شهد دخل السياحة التركي تراجعاً بنسبة 4,4 % ليصل إلى 12,29 مليار دولار كان غالبه نتيجة تراجع أعداد السياح الروس، هذا الأمر كان العامل الرئيس في انخفاض قيمة الليرة التركية أمام الدولار من 2,64 في بداية الربع الثالث من العام إلى 2,89 ريال لكل دولار الآن، في عام 2014 كان إجمالي عدد السياح الروس الذين قاموا بزيارة تركيا 3,3 مليون سائح، انخفض هذا العدد بنسبة 25 % في العام الحالي.

لنأخذ أرقام عام 2014 كمثال، هذا العام بلغ إجمالي الناتج المحلي لتركيا حوالي 800 مليار دولار أمريكي، قطاع السياحة في تركيا يمثل حوالي 12 % من إجمالي الناتج المحلي، أي بقيمة 96 مليار دولار، يساهم السياح الروس بنسبة 14 % من إجمالي أرباح القطاع السياحي، لتكون مساهمة السياح الروس في الاقتصاد التركي حوالي 13,5 مليار دولار أمريكي، أي: تقريبا، 1,68 % من إجمالي الاقتصاد التركي.

باجهاران أولوسوي، رئيس اتحاد وكالات السياحة أعلن أن الإجراءات الروسية “شديدة جداً” ومن المتوقع أن تؤثر بشكل كبير على قطاع السياحة، وتحديداً في مدينة أنطاليا التي يفضها السياح الروس، وتوقع أولوسوي أن تصل خسائر قطاع السياحة التركي نتيجة الإجراءات الروسية إلى 3,5 مليار دولار أمريكي، خلال الفترة المتبقية من عام2015 م.

الأمر هنا لا يعتمد فقط على السياح الروس: فحالة من التوتر السياسي ، وربما العسكري مع روسيا يجعل الكثير من السياح حول العالم يبدؤون في مراجعة أنفسهم، قبل التفكير في قضاء عطلاتهم في تركيا، طبقاً لأحدث البيانات فإن هناك نقص واضح في إجمالي عدد السياح القادمين إلى روسيا في العشرة الأشهر الأولى من عام 2015 مقارنةً بنفس الفترة عن عام 2014 بمقدار حوالي 1,4 % طبقاً لوزارة السياحة التركية، هذا الأمر مرده بالطبعة لحالة التوتر السياسي الداخلي التي شهدتها البلاد خلال هذا العام، خصوصا قبل الانتخابات.

تقليل خسائر السياحة

بعض التوقعات تشير إلى إمكانية تلافي جزء كبير من الخسائر المتوقعة؛ نتيجة توقف السياح الروس عن القدوم إلى تركيا، هذا الأمر عبر عنه فكري أوزتروك: مالك مجموعة أوزتروك السياحية، والذي قلل من تأثير العقوبات الاقتصادية الروسية في مجال السياحة على الاقتصاد التركي.

أوزتروك أشار إلى أن غالبية السياح الروس يأتون لتركيا خلال فصل الصيف، وأن الروس المتواجدين حالياً في تركيا أعدادهم قليلة جداً، هذا الأمر يعنى أن لتركيا مهلة حتى بداية الصيف القادم؛ لاتخاذ إجراءات تنشيطية ملائمة يمكن أن تحد من الخسائر المتوقعة، وتقوم بجذب سياح جدد من دول العالم.

(2) الصادرات

من بين العقوبات الاقتصادية التي فرضتها موسكو على أنقرة، كانت وقف استيراد الفواكه والخضروات، وذلك عبر إعلان رسمي وقعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم 28 نوفمبر الماضي، وكانت تركيا هي أكبر مستفيد من العقوبات التي وقعها الاتحاد الأوروبي العام الماضي على روسيا في أعقاب أزمة ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وبالتالي فإن تركيا ستخسر وبشدة الفرص التجارية والاستثمارية في روسيا.

في أعقاب العقوبات الأوروبية على القرم، كان منتجو ومصدرو الفواكه والخضروات الأتراك هم الأكثر استفادة، لنشهد ارتفاعاً كبيراً في حجم الصادرات التركية إلى روسيا منذ عام2014 ، أيضاً فقد قامت تركيا باستثمارات داخل روسيا، قدرت بحوالي 1,3 مليار دولار، كما قامت باستثمار 120 مليون دولار في الربع الأول من عام 2015 م.

هذا الأمر جعل روسيا هي ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا بعد ألمانيا، وفي المقابل فإن تركيا ليست عاملا مؤثر بقوة في حجم التبادل التجاري الخاص بروسيا، فتركيا تمثل حوالي 4 % فقط من إجمالي حجم التبادل التجاري لروسيا، وتحتل بهذا المركز التاسع بالنسبة للشركاء التجاريين لروسيا.

وطبقاً لما ذكرته وكالة “سبوتنيك” الروسية، فإنه إذا ما قررت روسيا تطبيق العقوبات الاقتصادية على تركيا بحدها الأقصى الكامل فإن خسائر تركيا ستبلغ ما بين 2,5 – 3 مليار دولار، وهو ما يساوي 1 % من إجمالي الدخل القومي لتركيا.

(3) الفواكه والخضروات

ونتيجة للتوتر الكبير في العلاقات بين تركيا وروسيا، فيبدو أن مزارعي الفواكه والخضروات سيدفعون ثمناً باهظاً نتيجة لذلك، الأرقام تشير إلى أن 20 % من الخضروات الروسية تأتي من تركيا، وأن 4 % من إجمالي جميع المواد الغذائية والخضروات والفواكه الروسية تأتي من تركيا في العشرة أشهر الأولى لعام  2015، بلغ إجمالي قيمة ما أرسلته تركيا من مواد غذائية ونباتية إلى روسيا حوالي مليار دولار.

على الجانب الآخر فإن 42 % من إجمالي ما تنتجه تركيا من مواد غذائية يذهب إلى روسيا، وبالتالي فإن توقف الصادرات الغذائية التركية لروسيا سيمثل ضربة قاصمة للمنتجين الأتراك، وعلى رأسهم المزارعين، هؤلاء المزارعون سيضطرون إلى بيع منتجاتهم الزراعية إلى موردين محليين بأسعار تقل عن أسعار تصدير نفس المنتجات إلى روسيا، مما سيترتب عليه خسائر للمزارعين بشكل ملحوظ.

المزارعون بدءوا يشعرون بالفعل بتأثير العقوبات الاقتصادية الروسية، فالمزارعون في منطقة “إيجه”  التركية أشاروا إلى أن سعر الكيلوغرام من الطماطم هبط من 2 ليرة إلى 1,5 ليرة، مما أثر بالسلب على المنتج، لكنه لم ينعكس إيجاباً على المستهلك، بسبب ارتفاع أسعار النقل، كما أن الموردين والتجار الوسطاء لن يقوموا بتقليص سعر المنتج النهائي؛ لأنهم يريدون الاستفادة من فارق الأسعار لزيادة أرباحهم.

كارالي تاريم، وهو أحد المصدرين لروسيا، صرح لأحد المواقع التركية بأن 30 شاحنة لشركته تم إيقافها عن الذهاب لروسيا، وهو ما يعني خسائر لشركته تقدر بحوالي مليون ليرة تركية، أيضاً فإن بعض المصدرين اضطروا لوضع عدد من موظفيهم في إجازة غير مدفوعة الأجر في محاولة لتعويض جزء من الخسائر؛ نتيجة توقف المبيعات إلى روسيا.

إحدى شركات التصدير التركية تقول: إنها اضطرت لإبقاء عدد من العمال في منازلهم؛ نتيجة إغلاق السوق الرئيس للشركة، والمتمثل في روسيا، حيث تقوم الشركة بإرسال حوالي 100 شاحنة مليئة بالخضروات والفواكه إلى روسيا كل أسبوع.

من الممكن أن تحاول تركيا أن تقوم بمحاولة زيادة مبيعاتها إلى دول الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط، لكن مع هذا، فلو قررت روسيا رفع العقوبات لحدها الأقصى، فلن يكون من السهل على تركيا أن تبيع جميع بضائعها المتراكمة.

(4) البورصة والليرة التركية

موقع “تودايز زمان” التركي أشار يوم الاثنين الماضي إلى تأثير العقوبات الاقتصادية الروسية على البورصة التركية، فقد أنهت الأسهم الناشئة في البورصة تعاملات شهر نوفمبر على خسائر؛ نتيجة إغلاق المؤشر يوم الاثنين على انخفاض بنسبة  3% خلال الشهر.

العملة التركية تأثرت بشكل واضح بموضوع إسقاط الطائرة التركية، وما ترتب عليه من قرارات روسية عقابية، يوم 23 نوفمبر، اليوم السابق لحادث الطائرة بلغ الدولار الأمريكي 2,85 ليرة تركية، يوم 28 نوفمبر أغلقت تعاملات نهاية الأسبوع على سعر 2,92  ليرة مقابل الدولار الأمريكي.

الليرة التركية لم تتعاف حتى الآن من آثار الانتخابات التركية في 7 يونيو 2015 والتي تسببت في عدم قدرة حزب العدالة والتنمية في تشكيل الحكومة منفرداً كما اعتاد منذ وصوله للسلطة بداية القرن الحادي والعشرين، ففي الفترة التالية مباشرة بعد الانتخابات كان سعر الدولار في حدود 2,65 ليرة، أخذت الليرة تنخفض تدريجياً أمام الدولار؛ نتيجة الفشل السياسي للأحزاب في تشكيل الحكومة، وسط مخاوف من تزعزع اقتصاد البلد وانكماش عمليات الاستثمار الأجنبي.

ومع فوز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية المطلقة يوم 1 نوفمبر الماضي، بدأت الليرة التركية تتعافى تدريجياً، ليتأتي حادثة الطائرة وما تبعها من قرارات لتسبب حالة جديدة من انخفاض الليرة، وسط مخاوف اقتصادية.

(4)  وروسيا ستتأذى أيضًا

وقف عمليات تصدير الفواكه والخضروات من تركيا إلى روسيا سيعود بالسلب على المستهلك الروسي بشكل واضح، فنتيجة لذلك سيزداد الطلب في روسيا على هذه المنتجات، وسيقل المعروض، مما يؤدي إلى حالة من التضخم، لاحظ أن مستوى التضخم في روسيا مرتفع بالفعل، إذ يبلغ  15,6% طبقاً لبيانات شهر أكتوبر الماضي، هذا الأمر سيؤدي بالتبعية إلى زيادة ارتفاع الأسعار المرتفعة أساساً، مما سيثقل كاهل المواطن الروسي.

لا ننسى أن الاقتصاد الروسي يعاني بشدة نتيجة أمرين:

الأول: هو العقوبات الاقتصادية الأوروبية منذ عام 2014 نتيجة أزمة شبه جزيرة القرم.

الأمر الثاني :وهو الأهم، والأكثر تأثيراً، يتمثل في تراجع أسعار النفط بشدة في الشهور الماضية، فعائدات النفط تمثل  45% من ميزانية روسيا، وكانت خطط الإنفاق الحكومي لعام 2015 تفترض أن أسعار النفط ستبقى في حدود 100 دولار للبرميل، تخيل أن سعر برميل النفط وصل حالياً إلى أقل من 42 دولارا للبرميل، هذا الأمر جعل روسيا، إما أن تسحب قرابة 70 مليار دولار من احتياطيها للنقد الأجنبي، أو أن تعمل على ترشيد الإنفاق بشدة.

وماذا لو قررت تركيا أن تعامل روسيا بالمثل، وأن توقف استيراد السلع منها، روسيا تصدر سلعاً لتركيا بقيمة 24,5 مليار دولارا، بينما تستورد روسيا من تركيا سلعاً بقيمة 6,7 مليار دولار، معنى هذا أن روسيا ستخسر كثيراً هي الأخرى.

عرض التعليقات
تحميل المزيد