بالقرب من حلب، في فبراير (شباط) الماضي، قضى ماكسيم كولجانوف، البالغ من العمر 38 عامًا، نحبه وهو يقاتل بجانب القوات السورية في تبادل إطلاق النار مع «الثوار»، كما تصفهم رويترز، بعد اختراق رصاصة لدرعه الواقي.

في الشهر اللاحق، أي مارس «آذار» من نفس العام، تعرضت نفس الوحدة التي قاتل فيها كولجانوف إلى قذيفة قرب تدمر، قتل إثرها سيرجي موزوروف، البالغ من العمر أيضًا 38 عامًا بعد أن أصيب، ليموت في طريقه للمشفى.

وعلى الرغم من تلقي عائلتي القتيلين ميداليتين موقعتين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من أجل التضحيات التي قدماها من أجل روسيا، إلا أن كولجانوف وموزوروف، لم يكونا منتميين للجيش الروسي.

فوجود الاثنين في سوريا، بحسب ما أوردت الوكالة الإنجليزية، كما المتعاملين من القطاع الخاص، جزء صغير من الجيش الروسي يتم نشره سرًا في سوريا من قبل الكرملين، وقد طلب من العائلات عدم مناقشة الأمر في العلن، وحتى المعلومات التي تم الإفصاح لهم عنها بخصوص تواجد ذويهم على الأراضي السورية قليلة، لا تغطي تساؤلات عن الهدف من تواجدهم هناك.

الوجود الرسمي الروسي في سوريا، عبارة عن مشاركة في الحرب مع القوات الروسية من خلال الجو، ومجموعة صغيرة من القوات الخاصة في تدمر بالإضافة إلى بعض الخبراء العسكريين، لكن بحسب ما أوردته رويترز وعدد من وسائل الإعلام الأخرى، فالأمر يتعدى ذلك.

مصادر لرويترز وصفت المقاتلين الروس الذي يقاتلون بالمتعاقدين والمرتزقة، تم التعاقد معهم من خلال شركة خاصة بدلاً من الفرق العسكرية العادية، لكنهم مع ذلك يتعاونون مع الجيش الروسي ويتلقون تكريمات لاتعطى إلا إلى الجنود في الخدمة العسكرية، وهو ما يخالف القانون الروسي.

وبشكلٍ عام، ورغم تحريم القانون الروسي عمل مواطنو روسيا بشكل خاص في أي نشاط عسكري، فإن عددًا من المواطنين الروس قد قاتلوا في عدد من الدول منذ سقوط الاتحاد السوفيتي في التسعينات، ففي 2014 قاتل عدد من المواطنين إلى جانب مؤيدي الانفصال في أوكرانيا، وقد اتهمت الدول الغربية موسكو بأنها نظمت وسلحت هذه الجماعات.

هذا وبحسب رويترز، فإن موزوروف وكولجانوف، قد حاربا في أوكرانيا قبل قضائهما نحبهما في سوريا.

ليست المرة الأولى

تقرير الوكالة الإنجليزية ليس الأول الذي يتحدث عن وجود مقاتلين روس يقاتلون إلى جانب قوات بشّار الأسد، ففي نوفمبر  (تشرين الثاني) 2013، نقلت قناة «سوريا الشعب» عن موقع روسي لقطاتٍ لقوَّات قاتلت إلى جانب قوات الرئيس السوري بشّار الأسد، تسمى «الفرقة السلافية».

يقول تقرير القناة، نقلاُ عن الموقع الروسي «فونتانكا»، أن هذه المجموعات تشكلت عبر إعلانات نشرت على مواقع روسية تطلب جنودًا وضباطًاذ للقتال مقابل 5000 دولار أمريكي، وقد أجرى المتقدمون مقابلات مع عقيد سابق من الذين قاتلوا في شمال القوقاز، وذلك للذهاب والقتال في سوريا.

كما عرضت قناة الجزيرة تقريرًا في سبتمبر (أيلول) 2015، يرصد ضجة ملأت مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص صور اعتقد أنها لجنود روس بداخل الأراضي السورية، وذلك رغم نفي الكريملين لهذا الأمر.

يذكر التقرير أيضًا مبررات لتنامي الشكوك حول نفي بوتين لأي تواجد روسي في سوريا، رغم الاعتراف بوجود الدعم العسكري بالسلاح والخبراء العسكريين، منها ذكر وسائل إعلام طلب روسيا من بعض الدول الجارة لسوريا السماح لطائرات شحن عسكرية روسية عبور أجوائها.

تقرير وكالة رويترز عن الجنود القتلى العائدين من سوريا، ذكر أن الوكالة لم تستطع الوصول إلى اسم شركة أو شركات مسؤولة عن توظيف الجنود وإرسالهم إلى سوريا، إلا أنه بالإضافة إلى «الفرقة السلافية» التي نوهت عن وجودها عدد من وسائل الإعلام، فإن سكاي نيوز في أغسطس (آب) الماضي، حددت «فاغنر» كاسم لشركة مسؤولة عن ذلك.

ففي تقريرها الذي يحمل روايات الناجين من «الجحيم السوري»، تورد سكاي نيوز أن فاغنر تعمل عن وزارة الدفاع الروسية بالوكالة على استقطاب مرتزقة روس للقتال إلى جانب القوات المسلحة السورية النظامية.

يقول التقرير على لسان من حادثتهم القناة إن الشركة هي من جنَّدتهم، وتم نقلهم جوًّا إلى سوريا بطائرات عسكرية روسية، وإن بعضهم جلبوا عن طريق إعلانات على الانترنت تطلب أشخاصًا لديهم مهارات قتالية، مقابل 4000 دولار شهريًا، وهو رقم مشابه للرقم المذكور في التقارير الصحفية عن «الفرقة السلافية».

كما أن حالة ألكساندر تتشابه مع حالة موزورف وكولجانوف في كونه ذهب سابقًا إلى القتال في أوكرانيا في عام 2014 قبل أن يذهب إلى سوريا.

ديميتري، شاب آخر التقته سكاي نيوز يقول إنه وثلاثة من أصدقائه شاهدوا الإعلان عبر الإنترنت وقرروا التقدّم للحصول على الأموال، كما قال روسي آخر يدعى جيف أنهم تعرضوا لتدريب مكثّف شمل عدة أنواع من الأسلحة كالبنادق والمدفعية والصواريخ والدبابات وناقلات الجنود المدرعة.

وبجسب سكاي نيوز، فإن الجنود المرتزقة يتم نقلهم إلى «قاعدة حميميم» في اللاذقية، أهم القواعد الروسية في سوريا، ويقول عنها ألكساندر: «كان معي 564 مجندًا، حين نقلنا إلى القاعدة، وكنا موزعين بين الاستطلاع والدفاع الجوي والمشاة والدبابات والمدفعية الثقيلة».

أما ديمتري فيقول إنه لم يكن لديه أي تجربة أو سوابق قتالية، وكان ضمن وحدة ضمت 900 مقاتل حين نقلوا إلى حميميم، وبعد وصولهم وضعوا في شاحنات، وكان المشهد مخيفًا.

هذا وقد نشر موقع «military» عام 2013، فيديو يقول أنه لجنديين روسيين يقاتلان بجانب قوات بشّار الأسد ضد «المتمردين»، الفيديو به لقطات واضحة لجنديين بعتاد يقاتلان من وراء ساتر في تبادل لإطلاق النار.

هذه الدلالات والقصص، بالإضافة إلى إعلانات تنظيم الدولة «داعش» المتكررة عن مقتل جنود روسيين على يده، ونشر صور من هواتف ضحاياه النقالة عبر وسائل الإعلام الخاصة بهم، خاصة «أعماق» أحد أذرع التنظيم الإعلامية، تشير إلى أن التواجد الروسي في سوريا، أكبر من مجرد طائرات تقوم بقصف جوي وبعض الخبراء العسكريين للمساعدة الحربية.

اسم الشركة «فاغنر» ذكر قبل تقرير سكاي نيوز، في تقرير آخر نقلته صحيفة التليغراف عن موقع «فوتانكا» الروسي، والذي يقول إن الشركة التي تتكون من حوالي 1000 مقاتل روسي قاتلوا في سوريا وأوكرانيا ليس لها تواجد رسمي في روسيا بسبب منع الشركات العسكرية الخاصة في البلاد، لكنها مسجّلة في الأرجنتين، ولها معسكر تدريبي في مولكينو، القرية الروسية.

ومن الجدير بالذكر أن مولكينو هي نفس الموقع الذي استضاف تدريبات اللواء العاشر من الاستخبارات الروسية في وقتٍ سابق.

كما ذكر التقرير أنّ أغلب المقاتلين السابقين في فاغنر قالوا إن العام الماضي فقط، شهد مقتل العشرات من المقاتلين السنة الماضية وحدها، مقاتلون حصلوا، بحسب فوتانكا، وفي تشابه مع ما أوردته رويترز، على ميداليات موقعة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تقديرًا لخدماتهم لبلادهم، روسيا.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة عن أعداد المقاتلين الروس في سوريا المرسلين من قبل «فاغنر »، فإن سكاي نيوز في تقريرها تقدرهم بالمئات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد