يتابع العالم عن قرب الآن وبصورة متسارعة التطورات في العديد من المناطق الساخنة حول العالم، الصعود الروسي خلال السنوات القليلة السابقة كانَ ملحوظًا لدرجة كبيرة، حتى أصبحَ مؤكدًا وواضحًا تمامًا خلال الأشهر القليلة السابقة، بل إنه تخطى أيضًا النفوذ الأمريكي خلال الفترة السابقة..

 

بوتين وأمجاد الاتحاد السوفيتي

 

يستطيع أي أحد أن يتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالديكتاتورية والاستبداد، لكنَّ ما لا يختلف عليه أحد تقريبًا من المحللين والكتاب، أن بوتين استطاع أن يعيد لروسيا نفوذًا عالميًا كان قد ضاع مع سقوط الاتحاد السوفيتي.

بعد استقالة آخر رئيس للاتحاد السوفيتي، بوريس يلتسن استطاع بوتين أن يحمل عبء الاتحاد السوفيتي الساقط بحزم وقوة شديدين، في خطابه الأول بعد تحمله المسؤولية في بلاده أعلن بحزم يرى البعض أنه كان غريبًا في ظل سقوط الاتحاد “أية محاولات للنهب أو تكدير الأمن ستواجه بحسم وقوة”.

مع الرئيس الأخير للاتحاد السوفيتي بوريس يلتسن

وبحسمٍ وقوة استطاع بوتين أن يصعد بروسيا، ناهيك عن اللعبة الدستورية التي استطاع بها بوتين العودة للرئاسة في 2012 بعد انتهاء ولايتيه السابقتين (2008 إلى 2000).. استطاع بوتين الصعود بالاقتصاد الروسي والاهتمام بالسلاح النووي وتطويره إضافةً إلى سياسة خارجية أكثر نفوذًا، خصوصًا في ولايته الأخيرة التي بدأت 2012.

 

البوتينية

تُعرَّف البوتينية التي انتهجها بوتين بانفتاح الاقتصاد الروسي وتبنيه نهجًا رأسماليًا على المستوي الاقتصادي وديموقراطيًا من حيث شكل الحكم إلا أنه استطاع أن يتحكم في النظامين من خلال صناعة طبقة جديدة من النخب ورجال الأعمال التي تتولى السلطة الاقتصادية والسياسية واعتبار بوتين مركزًا لهذه السلطة.

عرفت سياسات بوتين بالبوتينية

 

الحرب مع جورجيا أول أسهم الصعود الروسي

يعتبر اقليم أوسيتيا الجنوبية اقليمًا منفصلًا عن جورجيا بموجب استفتاء شعبي عام 1992، إلا أنه وبعد الثورة على النظام الجورجي الموالي لروسيا وإسقاط رئيسه وصعود ساشاكفيلي المحسوب على الولايات المتحدة رئيسًا للبلاد، بدأت جورجيا محاولات تنظيم التجارة بين إقليم أوسيتيا الجنوبية وروسيا، حيث وصفت جورجيا التجارة بينهما “بالسوداء”.. وبدأت حرب بين الإقليم وجورجيا جعل روسيا تتدخل عسكريًا واضطرت القوات الجورجية للانسحاب، صاحب الغزو السوفيتي تصريحات إدانة واسعة من الولايات المتحدة وأوروبا إلا أنَّ أحدًا لم يردع بوتين!

ساشا كفيلي مع الرئيس الأمريكي جورج بوش

 

سوريا: روسيا الأقوى مرةً أخرى!

مع تصاعد الأزمة في سوريا التي بدأت بثورة في مارس 2011 أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن نيته توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، كان هذا في مارس 2013، كتب بوتين مقالاً في سبتمبر 2013 في النيويورك تايمز، يحث فيه الرئيس أوباما للتعاون لحل الأزمة في سوريا ويعرض فيه آراء مختلف القادة غير الداعمين لضربة عسكرية لسوريا منهم بابا الفاتيكان. كان هذا المقال ذا تأثير كبير.

مقاتلون ضد بشار الأسد

استطاعت روسيا أن تقود حملة دبلوماسية ضد الضربة العسكرية لسوريا .. واستخدمت حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن ضد الضربة العسكرية والذي كان سببًا في وقفها. يتمثل ذكاء الدبلوماسية الروسية في امتصاص غضب الولايات المتحدة بسبب عدم ضرب النظام السوري بتعويضها بانتصار شكلي عبر موافقة دمشق برعاية روسية تدمير الترسانة الكيماوية للنظام السوري (تم الآن تدمير 92% من الترسانة الكيماوية).

امت الثورة ضد بشار الأسد، لكنه ترشح للانتخابات الرئاسية

تشهد الحالة السورية الآن تقدمًا للنظام، حيث ترشح الرئيس السوري بشارالأسد للانتخابات رغم أن قواته لا زالت تقاتل الفصائل المعارضة، من المقرر عقد الانتخابات بداية الشهر القادم.. ويبدو أنَّ القضية السورية الآن تشهد فوزًا لنظام الأسد وبالتالي نصر دولي كبير لروسيا في المنطقة.

 

أوكرانيا: مرةً أخرى روسيا هي الأقوى..

بعد بدايات انتصار روسيا على الولايات المتحدة في سوريا بدأت الولايات المتحدة بدعم المعارضة في أوكرانيا، لا تمثل أوكرانيا بعدًا سياسيًا واستراتيجيًا لروسيا فقط، فعبر تاريخ روسيا اعتبرت روسيا أوكرانيا جزءًا مصغرًا من الدولة الروسية، وحديقتها الخلفية.

رئيس أوكرانيا السابق مع الرئيس الروسي بوتين

بدأت الولايات المتحدة دعمًا للمعارضة الأوكرانية الموالية لها، ضد الرئيس فيكتور يانكوفيتش الموالي لروسيا، استطاعت المعارضة الفوز وهرب الرئيس يانكوفيتش، ظنت الولايات المتحدة أنها تقدمت على روسيا إلا أن بوتين كان موجودًا كعادته، ليضم إقليم شبه جزيرة القرم الهام جدًا لروسيا عبر استفتاء شعبي .. ويسعى إقليمان آخران للانفصال عن أوكرانيا، ولا زالت الأزمة في أوكرانيا محل جدال، إلا أنه وبشهادة المحللين الكبار تقدمت روسيا على الولايات المتحدة وأوروبا مرةً أخرى.

 

“اكتفت الولايات المتحدة وأوروبا بعقوبات اقتصادية، بينما استطاعت روسيا ضم شبه جزيرة القرم”

 

 

روسيا مع الصين: آفاق جديدة للتعاون

بعد الأزمة في أوكرانيا بحثت أوروبا عن مصادر أخرى للطاقة غير روسيا، حيث تعتبر روسيا أحد أهم مصادر الطاقة بالنسبة لأوروبا، ومع تصاعد الأزمة مع روسيا بسبب أوكرانيا استطاع بوتين إحراز نصر رمزي آخر حيث قامَ بتوقيع اتفاق مع الصين لتزويدها بالغاز الطبيعي لمدة ثلاثين عامًا مقبلة بما مقداره 38 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا.

 

الرئيس الصيني مع بوتين

 

جاءت هذه الاتفاقية بعد أن تعثرت مراتٍ عديدة بسبب الاختلاف على سعر الغاز، وقد بدأت المفاوضات بين الصين وروسيا حول الغاز منذ عشر سنوات، إلا أن موافقة بوتين على هذه الاتفاقية في ذلك التوقيت كانَ حاسمًا، حيث استطاع بالاتفاقية تلك أن يضع أقدامه بشكل أقوى في آسيا، وشراكة مع الصين تعتبر تحالفًا قويًا في مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا.

 

الاتحاد الأوراسي في مواجهة الاتحاد الأوروبي؟

منذ أيام استطاع بوتين أن يوقع مع بيلاروسيا وكزاخستان اتفاقًا لإنشاء اتحاد اقتصادي أوروبي ـ آسيوي بهدف تعزيز الاندماج بين هذه الدول جميعاً، ومن المتوقع أن ينضم إلى هذا الاتحاد العديد من الدول المجاورة لروسيا، فقد أعلنت كلٍ من أرمينيا وقيرغيزستان نيتهما الانضمام للاتحاد بحلول نهاية العام الجاري، كذلك من المتوقع أن تنضم إلى الاتحاد طاجيكستان ومولدوفا .. وحسب تصريحات الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشنكو فإن أوكرانيا ستنضم إلى هذا الاتحاد عاجلًا أم آجلًا.

الرئيس الروسي القوي فلاديمير بوتين

ومن الجدير بالذكر أن روسيا هي الدولة الأكبر والأقوى في هذا الاتحاد، وحسب محللين فإن بوتين يسعى لتأسيس اتحاد يجابه الاتحاد الأوروبي، لكنَّ تركيبة دول هذه الاتحاد تعطي لروسيا أولوية كبرى في اتخاذ قرارات ذات أهمية ـ ليس بشكل فردي ـ بل بكونها ذات التأثير الأكبر في الاتحاد وحاضنته الرئيسية.

أرشيفية للرؤساء الثلاث

تظل الولايات المتحدة وأوروبا تتبع في محاربتها لروسيا العقوبات الاقتصادية، بينما يتخذ رجل روسيا القوي فلاديمير بوتين مواقف أوسع من ضمّ لأقاليم منفصلة أو تقديم مساعدات لدول لاستمالتها إلى عقد شراكات وعلاقات اقتصادية وسياسية واستراتيجية مع الدول المحيطة به.. وحسب العديد من التحليلات فإن العالم يشهد صعودًا روسيًا متزايدًا، خصوصًا أن الرئيس بوتين منذ رئاسته الأولى وهو يؤكد أنه يسعى لإنهاء السيطرة الأحادية على العالم، المتمثلة في النفوذ الأمريكي، ويبدو أنَّ الرجل قد نجح كثيرًا في مسعاه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد