فاطمة نادي 25
فاطمة نادي 25

1,525

يعَد رُستم رضا أول مملوك اتخذه الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت مساعدًا له، وأكثر شخص رافقه في الحرب والسلم، على مدى أكثر من 14 عامًا من حياته. تناول العديد من الكتاب المشهورين مثل أونوريه دي بلزاك، وليو تولستوي، وفيودور دوستويفسكي، شخصيته في أعمالهم الأدبية، ورسمه عدد من الفنانين في كثير من اللوحات التي تجمعه غالبًا مع نابليون بونابرت.

فمن هو رُستُم رضا؟ وكيف وصل إلى حاشية نابليون بونابرت، وصاحبه حتى جرى عزله عن الحكم، وإرساله إلى المنفى، وكيف كانت نهايته؟

طفولته وبداية أسره في العبودية

وُلد رضا في مدينة تبليسي بجورجيا لعائلة أرمينية من التجار في عام 1782، وقد كانت طفولته مأساوية؛ إذ جرى اختطافه عندما كان في الثالثة عشرة من عمره على يد جماعة من تجار الرقيق الذين تخصصوا في تجارة الأطفال. وجرى بيع رضا أولًا في داغستان، ثم في إسطنبول، حتى انتهى به المطاف في النهاية إلى مصر، حيث اشتراه أحد المماليك من أصل جورجي، وتلقى رضا التعليم والتدريب العسكري، وخدم في مصر وسوريا لمدة عامين تقريبًا.

وفي عام 1798 قدم جيش نابليون بونابرت إلى مصر غازيًا، واستطاع هزيمة المماليك وغزو البلاد. في ذلك الوقت كان رضا يعمل لدى الشيخ خليل البكري، أحد مشايخ الطريقة البكرية التي ترجع أصولها إلى أبي بكر الصديق، وعضوًا بديوان نابليون الذي جمع فيه شيوخ القاهرة؛ ليؤدوا دور الوسيط بين قيادة الحملة وعامة الشعب.

كان الشيخ البكري مُقربًا من قادة الحملة، ومنحازًا تمامًا للفرنسيين، وارتمى في أحضان نابليون بمجرد دخوله القاهرة. وكان من المعروف عن البكري ولعه وشغفه باقتناء الغلمان، وكان شغوفًا برضا إلى أن استهواه مملوك صغير آخر؛ فأهدى رضا إلى نابليون ليضمه إلى حاشيته.

سليمان باشا الفرنساوي.. جندي نابليون الذي اعتلت حفيدته عرش مصر

من غلام مملوك إلى الحارس الشخصي للإمبراطور الفرنسي

بعد أن أهدى البكري رضا إلى نابليون بأيام قليلة، قرر نابليون العودة إلى فرنسا، تاركًا جنوده الذين جاءوا تحت قيادته لاحتلال مصر. واختار بونابرت حاشية تُرافقه في العودة إلى فرنسا، وكان من بين تلك الحاشية رُستُم رضا، المملوك الذي اصطحبه معه على متن السفينة التى نقلت نابليون وحاشيته من بولاق بالقاهرة إلى الإسكندرية، ومنها إلى فرنسا.

وفي غضون عام وجد رضا نفسه في خدمة نابليون مُلازمًا لظله بثبات، يخدمه حارسًا شخصيًا لا ينخلع عنه، ويصحبه في كل مكان؛ حتى أصبح وجهه مألوفًا للناس كوجه الإمبراطور نفسه تقريبًا.

ظهر رضا لأول مرة أمام الشعب الفرنسي، في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1799، وذلك عندما حضر مع سيده نابليون العرض الذي قدمته أوبرا القاهرة لأول مرة في أوبرا باريس. رافق رضا نابليون؛ وجذب إليه أنظار الجميع الذين لفت انتباههم ذلك المملوك الذي يرافق الإمبراطور. أيضًا تسبب ظهوره في إثارة الصحف التي قالت عنه  الصحيفة: «لقد جذب المملوك نظرات الجميع إليه، بينما لم يكن يُشاهد سوى المسرح مأخوذًا بمشاهدة ملابس بلاده وعاداته المصورة على خشبته».

شارك رضا في العديد من حملات نابليون العسكرية، وكان مُحاربًا شجاعًا. فضلًا عن ذلك كان يؤدي واجباته خادمًا للإمبراطور الفرنسي وحارسًا شخصيًا له؛ ففي كل صباح كان يتعاون رضا مع لويس كونستانت ويري، الخادم الشخصي للإمبراطور نابليون، في مساعدة نابليون على الاستحمام وارتداء ملابسه. وخلال النهار كان رضا مُلازمًا  لنابليون، بغض النظر عما إذا كان الإمبراطور في ساحات القتال، أو في حفل استقبال رسمي، أو حفل عشاء.

وفي المساء، كان رضا ينام على سرير صغير وُضع له في مدخل غرفة نوم الإمبراطور، وإذا كان هناك اشتباه في وجود مؤامرة تُحاك ضد نابليون، كان رضا ينام أمام باب غرفة نومه حتى يُعرقلها. ومن أجل المحافظة على مظهر مملوكه الذي يُلازمه، كان نابليون يُكلف أفضل الخياطين في باريس بصنع ملابس باهظة الثمن ومكلفة ليرتديها رضا، والذي قال بنفسه في مُذكراته إنه كان يرتدي خلال ظهوره العلني ملابس مشابهة لملابس البدو العرب المُزينة بالذهب، إلى جانب استخدامه حزامًا وسرجًا تركيًا.

نفيسة البيضاء.. «أم المماليك» التي حظيت بحب الشعب واحترام نابليون بونابرت

ملازمة سيده أو البقاء مع عائلته.. خيار رستم رضا الصعب بعد نفي نابليون

في عام 1813 هزمت قوات التحالف المُكون من النمسا، وإنجلترا، وروسيا، وبروسيا، والسويد، إمبراطورية نابليون في معركة الأمم. وفي السنة اللاحقة في أبريل (نيسان) من عام 1814 اجتاحت هذه القوات فرنسا، ودخلت العاصمة باريس، وأجبرت نابليون على التنازل عن العرش، وجرى الاتفاق على نفي هذا الإمبراطور إلى جزيرة إلبا الإيطالية.

وبعد سنوات عديدة من خدمة الإمبراطور الفرنسي، وجد رضا نفسه أمام قرار مصيري، فإما أن يلحق بسيده إلى منفاه في الجزيرة الإيطالية، أو البقاء حيث أسرته بعد أن كان قد تزوج إحدى خادمات الإمبراطورة جوزفين زوجة نابليون. علاوة على ذلك خشي رضا إذا تبع نابليون إلى جزيرة إلبا أن يُتهم بقتله بإيعاز من الإنجليز، وذلك بعد أن حاول نابليون الانتحار وفشل بعد تنازله عن العرش.

وفي مواجهة مثل هذا الخيار الصعب، قرر رضا في النهاية عدم مرافقة نابليون؛ الأمر الذي جعل الصحافة تتهمه بالجحود، وأنه فشل في إظهار الولاء الذي كان معروفًا عن فرسان الشرق. لم يُسامح مؤيدو الإمبراطور رضا على هذا الفعل الذي اعتبروه خيانة، ونشرت العديد من الصحف مقالات تُندد بتصرفه.

أوضح رضا لاحقًا في مُذكراته أن أسبابًا خاصة قد منعته من مرافقة ولي نعمته في تقاعده، منها عدم رغبته في ترك زوجته وأولاده، والخوف من الوقوع في العبودية مرة أخرى. مع ذلك هرب بونابرت من منفاه بعد أقل من سنة، وعاد نابليون في شهر مارس (آذار) من عام 1815؛ كي يتربع على عرش فرنسا، ويحصل على لقب الإمبراطور مرة أخرى، وحاول مقاومة الحلفاء واستعادة مجده السابق.

وعندما عاد نابليون إلى باريس، واستقر مرة أخرى في قصر التويلري، جاء رضا إلى القصر بعد خمسة أيام طالبًا منه المغفرة والعودة إلى خدمته، لكن نابليون رفض بشدة مقابلته شخصيًا، وعندما أرسل رضا له رسالة بدلًا عن ذلك، أخبر نابليون خدمه أن يحرقوا تلك الرسالة الجبانة، ولا يذكروا اسم رضا أبدًا في وجوده. وأصدر نابليون أمرًا بحبس رضا، واستبدل مكانه مملوك آخر للعمل عنده، ثم جرى إطلاق سراح رضا بعد ذلك، وإبعاده خارج باريس.

نابليون دمر أنف أبي الهول.. 5 أساطير تاريخية زائفة لا تزال تعامل على أنها حقائق

«مذكرات  رُستم  رضا».. أيامه الأخيرة ووفاته

بعد أن استبعده الإمبراطور الفرنسي، غادر رضا فرنسا في عام 1824، وأبحر نحو شواطئ أعظم عدو سابق له (إنجلترا)، وأصبح رضا شخصية شهيرة في بريطانيا، بعد وفاة نابليون واستطاع استغلال ذلك في التربح، وتكوين بعض الثروة. استطاع رضا اجتذاب قدر كبير من اهتمام المجتمع الإنجليزي، خلال عدة أسابيع قضاها في لندن، وحضر العديد من حفلات الاستقبال، والحفلات الرسمية المختلفة؛ الأمر الذي كان بطبيعة الحال في صالحه تمامًا.

وعلى مدى السنوات الأربع عشرة الأخيرة من حياته، عاش رضا في مدينة دوردان، حيث كتب مُذكراته «مذكرات رُستُم رضا »، التي قدمت معلومات هامة حول حياة نابليون الخاصة. كذلك كتب رضا واستقبل الرسائل من وإلى العديد من الكُتّاب والشخصيات العامة، الذين كانوا مهتمين بمعرفة وتأريخ فترة حُكم نابليون، وكان يختم رسائله بشكل متكرر بتوقيع «أول مملوكي سابق للإمبراطور نابليون».

وفي السادسة من صباح 7 ديسمبر (كانون الأول) عام 1845، توفي رُستم رضا عن عمر يُناهز 64 عامًا. ودُفنت جثته في مقبرة محلية بالمدينة مازالت قائمة هناك حتى يومنا هذا.