شهدت بلاد المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى للهجرة عددًا من الأحداث السياسية، كانت مقدّمةً لبروز ظاهرة الانفصال السياسي عن مركز الخلافة الإسلامية بالمشرق العربي؛ فقد تمخّض ذلك عن انقسام بلاد المغرب الإسلامي في حدّ ذاته إلى دويلاتٍ وإماراتٍ لا رابط بينها سوى المعارك الدامية التي كانت تندلع دوريًا بينها.

وكانت بلاد المغرب مسرحًا لنشاط العديد من الحركات الخارجة على الخلافة، الذين فروا إلى البلاد هربًا من بطش وملاحقة الدولة العباسية، فمست تلك الحركات نقطة ضعف أهل المغرب من البربر الأمازيغ، الذين كانوا لا يرضون الظلم، ويميلون إلى الثورة، فانتسب الكثير منهم إلى المذهبين الصفري، ثمّ الإباضي؛ باعتبارهما مذهبين معارضين للعباسيين والأمويين الذين تعاقبوا على حكم بلاد المغرب.

مجتمع

منذ سنتين
5 معلومات مهمة قد لا تعرفها عن المذهب الإباضي

اجتهدت الحركات الخارجية طيلة القرن الثالث للهجرة في النهوض بدعوتها وتأسيس دولٍ مستقلة. ووجدت بلاد المغرب الأوسط – الجزائر حاليًا – نفسها موطنًا للدولة الرستمية لمؤسسها عبد الرحمن بن رستم الفارسي.

«الدعوة الإباضية».. طريق الدولة من الكوفة إلى أقصى الغرب

لفهم نشأة «الدعوة الإباضية» ومن بعد تحوّلها إلى دولةٍ قوية حكمت المغرب الأوسط لأكثر من قرن علينا أن نرجع إلى عصر الخلافة الراشدة الإسلامية، وبالتحديد إلى الخلاف الذي نشب بين الخليفة الرابع للمسلمين علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية.

فبعد أن اتفق فريقا علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان على التحكيم بعد «موقعة صفين» التاريخية سار علي قافلًا إلى الكوفة، وفي الطريق انشقت جماعة ممن كانوا رافضين لمسألة التحكيم، متخذين من موضع «حَرُوراءَ» بقرب الكوفة مقرًا لهم، وهناك انتخبوا عبد الله بن وهب الراسبي إمامًا لهم، غير أنّ هذا الأخير قتل في «موقعة النهروان»؛ فخسروا الزعيم القائد الذي يجمع كلمتهم، ویوحدّ صفوفهم.

وعندما تولى زياد بن أبيه السلطة على العراق شدّد من ملاحقة واضطهاد كل مناوئي السلطة الأموية، فکان زياد ومن بعده ابنه عبید الله يقمعان کل حركةٍ تقف ضدّ حكم الأمويين.

 وهكذا أدت هذه الوقائع المتتالية حسب الدكتور محمد صالح ناصر في كتابه «منهج الدعوة عند الإباضية» إلى انقسام المُحكمة إلى قسمين: «قسم فضّل مراجعة النفس، والرجوع إلى السلم، واستخدام أساليب أخرى، ومنهم الإباضية. وقسم آخر فضلوا الاستمرار على المنهج نفسه: منهج مواجهة السلطات بالعنف، وعن هذا المنهج تبلورت الأزارقة، والنجدات، والصفرية».

في البداية اختارت الدعوة الإباضية العمل السريّ حتى تصل حدّ التمكين، وكان على رأس الذين اختاروا العمل في الكتمان وتحويل الحركة الخارجية الناشئة من العلنية إلى السرية أبو بلال مرداس بن حدير التميمي، الذي اتخذ هو وجماعته مدينة البصرة مقرًا لهم، مؤثرين العمل في سرية تامة، وما لبثت هذه الجماعة أن تعززت بانضمام الإمام جابر بن زيد إليهم، وهكذا نشأ تيار فكري وعقدي جديد سيعرف فيما بعد بالإباضية.

وإن كانت معظم المصادر التاريخية غير الإباضية تنسب الدعوة الإباضية إلى التابعي عبد الله بن إباض الذي تسمّت الدعوة باسمه؛ إلّا أنّ مجمل المصادر التاريخية الإباضية تذهب إلى أن المؤسس الحقيقي للدعوة الإباضية هو الإمام جابر بن زيد، قبل أن يظهر عبد الله بن إباض على الساحة السياسية، على أنها تعترف بذلك الدور السياسي الذي قام به عبد الله بن إباض في بلورة الفكر الإباضي، وتحديد موقفهم من الأمويين من جهة، ومن الخوارج من جهة أخرى.

تجدر الإشارة إلى أنّ فترة العمل السرية تلك تخللتها أوّل حكومة ثورية سرية في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم، وذلك بعد أن أخذت الدعوة الإباضية في الانتشار بين الأمصار الإسلامية، ووصلت إلى المغرب، بعد أن أرسل أبو عبيدة مسلم الداعية الإباضي سلمة بن سعيد إلى القيروان لنشر المذهب الإباضي.

هناك استقدم سلمة بن سعيد خمسة طلبة علمٍ من بلاد المغرب إلى البصرة من أجل تعلّم الدعوة الإباضية، وهؤلاء الطلبة هم: أبو درار إسماعيل بن درار الغدامسي من غدامس الليبية، عبد الرحمن بن رستم من القيروان، عاصم السدراتي من سدراتة الجزائرية، أبو داود القبلي النفزاوي من نفزة التونسية، وأبو الخطّاب أبو الأعلى من البصرة العراقية.

استطاع هؤلاء الخمسة فيما بعد نشر المذهب الإباضي بجميع أرجاء بلاد المغرب الإسلامي. وفي سنة 140هـ – 757م بايع الإباضية هناك أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافر في ليبيا، ودانت له طرابلس، ثم القيروان، وبرقة، وفزان.

واختار أبو الخطاب زميله في العلم عبد الرحمن بن رستم قاضيًا في طرابلس. وحرّر القيروان من الصفريين الذين كانوا يحكمونها، ووصل امتداد انتشار الإباضية حتى مدينة وهران الجزائرية.

في سنة 142هـ – 759م وصل جيش العباسيين بقيادة أبي الأحوص العجلي، فاشتبك معه أبو الخطاب في غدامس وتاورغاء؛ فهُزم أبو الأحوص الذي عاد بفلول جيشه لمصر. وجمع أبو جعفر المنصور جيشًا قويًا وضع على رأسه محمد بن الأشعث الخزاعي عامل العباسيين بمصر، وقام بتعينه واليًا على بلاد المغرب، فهزم الأغالبة الإباضية وقتل قائدهم أبو الخطاب.

الدولة الرستمية.. من هنا بدأت

قبل هزيمة أبي الخطاب من طرف الأغالبة، كان عبد الرحمن بن رستم متجهًا لنجدته، وعندما علم بمقتله تراجع وهرب نحو المغرب الأوسط، وهناك يذكر محمد زينهم محمد عزب في كتابه «قيام وتطوّر الدولة الرستمية» أنّ عبد الرحمن بن رستم كان يرى أنّ نجاح الدعوة الإباضية في تأسيس دولتها مستحيل في منطقة يسودها المذهب السني، وتذود الجيوش فيها عن الخلافة العباسية.

وهناك اهتدى بأنصاره للجنوح إلى مدينة تيهرت بالمغرب الأوسط (الجزائر) لتأسيس دولته، وتقول كتب التاريخ: إن تأسيس الدولة الرستمية جاء بعد أن فرّ عبد الرحمن بن رستم من القيروان باتجاه تيهرت التي كانت معقلًا للإباضية في المغرب الأوسط.

بوصوله إلى تيهرت سنة 776م وشيوع خبر وصوله إليها، التحق به وجهاء وعلماء الإباضية، وهناك انعقد مجلس ضمّ رؤساء الإباضية. وفي حوارٍ دار بينهم نقله الدكتور عيسى الحريري في كتابه «الدولة الرستمية في بلاد المغرب الإسلامي» افتتحوا مجلسهم بالقول: «قد رأيتم أنّه لا يقيم أمرنا إلّا الإمام؛ نرجع إليه في أحكامنا، وينصف مظلومنا، ويقيم لنا صلاتنا، ونؤدي إليه زكاتنا، ويقسّم فيئنا؛ فقلبوا أمرهم فيما بينهم، فوجدوا في كل قبيل فيهم منه رأسًا أو رأسين يدبّر أمر القبيل، ويستحق أمر الإمامة فقال بعضها: أنتم رؤساء ولا نأمل أن يتقدم واحد على صاحبه فتفسد نيته، ولعّل المقدم أن يرفع صوت أهله وعشيرته على غيرهم فتفسد النيات، ويكثر الاختلاف، ويقل الائتلاف».

ومن هذا الحوار تتضّح الظروف التي أدت إلى مبايعة عبد الرحمن بن رستم؛ إذ كان رؤساء الإباضية يتطلعون إلى إمامٍ معزول لا قبيلة تحميه، ويسهل خلعه، وهنا لابد من الإشارة إلى أصول عبد الرحمن بن رستم.

فقد أجمعت مصادر تاريخية عديدة إلى أنّ أصله فارسي، ويعود إلى بهرام بن ذي شرار بن سابور بن باباكان الملك الفارسي، وهو ما نقله كلٌ من المؤرخين البكري وياقوت الحموي؛ وأمّا ابن خلدون فذهب إلى أنّ عبد الرحمن هو ابن قائد الفرس في موقعة القادسية الشهيرة بين الجيشين الإسلامي والفارسي.

تيهرت: حاضرة الدولة التي كانت تقارن بقرطبة ودمشق وبغداد

بعد مبايعته إمامًا باشر عبد الرحمن تأسيس لدولته. كانت البداية ببناء مدينة تيهرت لتكون عاصمةً للدولة، ويقول عنها المقديسي: «تيهرت هي اسم القصبة أيضًا. قد أحدق بها النهار، والتفت بها الأشجار؛ وغابت في البساتين، وتنبعث حولها الأعين، وجلّ بها الإقليم، وانتعش فيها الغريب، واستطابها الطبيب، وقد فضلوها على دمشق، وأخطأوا على قرطبة، وأظنهم أصابوا؛ هو بلد كبير، كثير الخير رحب، رقيق طيب، رشيق الأسواق، غزير الماء، جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف».

ويقول عنها المؤرخ الجزائري عبد الرحمن الجيلالي: «و لم تكن هناك دولة جزائرية كانت تداني حضارة هذه الدولة فيما بلغته من الرقي والازدهار المادي والأدبي؛ فلقد بلغت تيهرت يومئذ شأنًا عظيمًا من العمران، ومن توفر أسباب الحضارة والرفاهية، حتى أنها كانت تشبه وتقارن بقرطبة، وبغداد، ودمشق، وغيرها من العواصم اللامعة».

تيهرت كانت حاضرة علمية شهيرة بالعلم والعلماء طيلة القرن الثامن الميلادي
تيهرت كانت حاضرة علمية شهيرة بالعلم والعلماء طيلة القرن الثامن الميلادي

ولا يمكن إغفال الحديث عن علماء الدولة الرستمية؛ فقد تميّزت الدولة بمعاصرتها لعدّة علماء إباضية كبار، أبرزهم عبد الوهاب بن عبد الرحمن الذي كان عالمًا فقيهًا، وأبو العباس أحمد بن محمد، وتبغورين ابن الملشوطي شيخ علماء الكلام عند الإباضية، ومحكم الهواري، وأبو عبيدة الأعرج، وأبو باديس أبخت بن باديس.

ويذكر ابن الصغير في كتابه «أخبار أئمة الدولة الرستمية» أنّ تيهرت عاصمة الدولة الرستمية كانت منارة علمية وثقافية بامتياز، نافست في ذلك الوقت حواضر العلم في دول المغرب الإسلامي، كما اشتهرت بمكتبتها الشهيرة (مكتبة المعصومة) التي أسّسها الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، وكانت تحتوي على 300 ألف كتاب قبل أن يخرّبها، ويحرق جلّ كتبها الفاطميون أثناء إسقاطهم للدولة الرستمية.

حابت الأمويين وعادت العباسيين.. علاقات الدولة الرستمية الخارجية

تأسست الدولة الرستمية على كراهية ومعادة العباسيين، فعلاوة على الملاحم الحربية التي جمعت بين جيوش الدولتين؛،يذكر التاريخ حادثة طريفة شهدتها فترة حكم الإمام الثالث للدولة الرستمية أفلح بن عبد الوهاب. عندما بنى الأغالبة – خلفاء العباسيين في المغرب الأدنى وأجزاء من المغرب الأوسط – مدينة بقرب تيهرت، وأسموها بالعباسية تيمنًا بالخلافة العباسية؛ فسار الإمام أفلح بن عبد الوهاب بجيشه إليها وقام بتدميرها وإرسال خبرها إلى الأمويين بالأندلس.

ومن هنا نشير إلى أنّ علاقة الرستميين بالأمويين في الأندلس كانت جيّدة، خصوصًا في فترة تولية عبد الرحمن الداخل أمور الأندلس، رغم أنّ الإباضية كانوا تاريخيًا ألدّ أعداء الدولتين الأموية والعباسية، وخرجوا عليهما في القرنين الأوّل والثاني للهجرة حسب ما يذكره ياسر الخزاعلة في كتابه: «الخلافة العباسية وموقفها من الدول المستقلة في المغرب».

خريطة توسع الدولة الرستمية

وعن علاقة الدولة الرستمية بجيرانها من دويلات القائمة بالمغرب الإسلامي؛ فعلاوة على العداء الشديد وحالة اللاستقرار التي طبعت علاقة الرستميين بالدولة الغالبية في تونس؛ كانت علاقة الرستميين مع دولة بني مدرار بسجلماسة أقصى المغرب علاقة قويّة؛ وذلك لأن دولة بني مدرار كانت تتبع المذهب الصفري القريب من المذهب الإباضي، والأمر نفسه ينطبق على العلاقة مع دولة الأدارسة.

وينبغي الإشارة إلى أنّ الدولة الرستمية كانت تتمتّع بعلاقاتٍ قوية مع إباضية المشرق؛ فقد تحصلت على مساعداتٍ مالية كبيرة من إباضية المشرق، خصوصًا من عمان والبصرة.

عمّرت أكثر من الدولتين الأموية والعباسية!

نجح عبد الرحمن بن رستم فى توطيد دعائم دولته خلال الفترة 144 ـ 168هـ، الموافقة 776 – 784م، التي قُدّر له فيها أن يحكمها، وكانت فترة حكمه عهدًا ذهبيًا للدولة الرستمية التي استطاعت أن تتوسع في أجزاءٍ واسعة من الجزائر.

وقد خلف عبد الرحمن في الحكم ابنه عبد الوهاب الذي بقي في حكم الدولة الرستمية لمدّة 20 سنة تميّزت بانشقاقٍ كبيرٍ في الحكم؛ نتج عن رفض بعض أفراد الأسرة الرستمية توليه الحكم. ثم جاء من بعده أفلح ابن عبد الوهاب الذي عمّر أطول مدة عمّرها حاكم رستمي، فقد بقي في الحكم أكثر من 50 سنة ( 188 ـ 238 هـ).

الدولة الرستمية كانت تعرف ازدهارًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا

ثم تتابع في حكم الدولة الرستمية خمسة من الأمراء، هم أبو بكر بن أفلح؛ وأبو اليقظان، فأبو حاتم، فيعقوب بن أفلح، فاليقظان ابن أبي اليقظان، آخر أمراء الدولة الرستمية، والذي لم يتمتع بالحكم أكثر من عامين عاشهما في اضطراب شديد؛ فقد غلبه على أمره الشيعة العبيدية، بقيادة أبي عبيد الشيعي، وقتلوه في شوال سنة (296هـ – 909م)، وانتهت به الدولة الرستمية التي حكمت جزءًا كبيرًا من أرض الجزائر طيلة الفترة الممتدة من 144 إلى 296هـ.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ أحد مبادئ المذهب الإباضي هي رفض توريث الحكم،  لكن القارئ للتاريخ يجدّ أنّ ذلك لم يفعّل عند الدولة الرستمية التي توارثت فيها العائلة الحاكمة منصبي الإمارة والإمامة.

«فتنة النُّكَّار».. المسمار الأول والأخير الذي دقّ نعش الدول الرستمية

وبعد وفاة الإمام عبد الرحمن بن رستم سنة 784م ترك أمر خلافته بين سبعة أشخاص، من بينهم ابنه عبد الوهاب الذي مالت الأغلبية إلى مبايعته، وسلَّمت له بالخلافة، في الوقت الذي بقي فيه المعارضون لخلافته على موقفهم؛ فسمُّوا «بالنُّكَّار» الذين أنكروا إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن.

كانت فتنة النكار التي اشتعلت في بيت الدولة الرستمية أولى بواعث انهيار تلك الدولة؛ كونها فتنةٌ اشتعلت نيرانها بين أسرة الإمامة نفسها؛ لأن من قام بها اثنان من أبناء أخي الإمام نفسه.

فقد انقضَّ اثنان من أبناء أبي اليقظان – شقيق الإمام – على عمِّهما وقتلاه، وولَّيا مكانه والدهما أبا اليقظان. وكان هذا الغدر إيذانًا بغروب شمس الدولة، إذ لم يكد يمضي على هذه الحادثة غير وقت قصير حتى قضت عليها الدولة العبيديّة الفاطمية، وفرّ الإباضيون بعدها إلى الصحراء الجزائرية، بالضبط إلى مدينة ورقلة، ثم استقر بهم المطاف بداية القرن الحادي عشر الميلادي بمنطقة وادي ميزاب، التي ما زالت موطنهم حتى الآن.

تاريخ

منذ 5 شهور
تثير جدلًا إلى الآن.. قصة حكم العثمانيين للجزائر طوال 3 قرون

المصادر

تحميل المزيد