نسلط الضوء في هذا التقرير على الصحفي البولندي “ريتشارد كابوشنسكي” ذلك النموذج المميز في الصحافة الذي غطى عشرات الحروب في الدول النامية في القرن العشرين بأسلوب مختلف جعلت البعض يعرفونه بأنه أفضل صحفي في القرن الماضي، ونتعرف على نشأته وطريقة عمله وأهم أعماله.

نشأة «صوت الفقراء»

في 4 مارس عام 1932 ولد “ريتشارد كابوشنسكي” بـ”مينسك” في بولندا ، وعمل بالصحافة بعد تخرجه من جامعة وارسو، ويُعرف عن “كابوشنسكي” بأنه أفضل صحفي في القرن العشرين، وقد عمل مراسلًا صحفيًّا لـ”وكالة الأنباء البولندية”، ولم يكن مجرد مراسل صحفي فقط فيمكن وصفه بأنه كاتب ومؤرخ وأديب ومصور ورحالة، شهد العديد من الصراعات التاريخية من حروب وثورات وانقلابات و وحوادث إبادة جماعية وقعت أكثريتها في الدول النامية في “العالم الثالث”. يختلف “كابوشنسكي” عن غيره من كبار الصحفيين في أوروبا وأمريكا، وأكثر ما يُميزه  في هذا الصدد أنه رأى الدنيا “من خلال” وليس “من فوق” وجاء ليحكي ويتحدث عما شاهده ورآه وليس مجرد متابعة واطلاع عل الوضع من أماكن بعيدة.

وقد ساعده في ذلك منشأه في “مينسك” التي يقول عنها: إن مينسك الفقيرة كانت مثل إفريقيا خالية من الطرق والكهرباء والأحذية، وقد لُقب “كابوشنسكي” بأنه “صوت الفقراء”.

“إن 20 % من سكان هذا العالم يملكون. الباقون ليس لديهم ما يطمئن إلى الساعة التالية. يكون الإنسان فقيرًا، ليس لأنه جائع أو بلا ممتلكات، بل لأنه متَجاهلٌ ومُحتقر ولا يجد من يعبر عنه، فالفقر هو عدم القدرة على قول الرأي”

هكذا أجاب “كابوشنسكي” على سؤال طرحته إحدى الطالبات مفاده “لماذا كرست حياتك برمتها للكتابة عن الفقراء؟”، عرف فيه معنى الفقر وأسباب ميله للتعبير عن الفقراء، وكانت تلك الإجابة قبيل وفاته في 23 يناير عام 2000 عن عمر يناهز 74 عام.

عمله

 

في عام 1964 كان “كابوشنسكي” المراسل الأجنبي الوحيد لوكالة الأنباء البولندية، وبعد 10 سنوات من العمل الصحفي المتميز أصبح مسؤولا للوكالة عن 50 بلدًا حوال العالم!

وسافر “كابوشنسكي” إلى معظم أنحاء دول العالم النامي خلال المراحل الأخيرة من الاستعمار الأوروبي، وكان شاهدًا في تلك الفترة على 27 ثورة وانقلابًا عسكريًّا.

 

اعتمد كابوشنسكي في عمله الصحفي وتغطيته الصحفية على تدوين شهاداته على مدونتين، مدونة يسجل فيها أهم الحقائق والأحداث والوقائع، وأخرى يتحدث فيها عن المشاعر والانطباعات، وعند قراءة أعماله وتغطياته تلحظ أنه يمزج بين الصحافة والأسلوب الأدبي الروائي – غير الخيالي – ويدمج بين الوقائع والمشاعر، وكان هذا الأسلوب المميز  يشكل الأساس لكتاباته التي نالت استحسانًا كبيرًا، وبعض الانتقادات.

أهم أعماله

“سألتني المعلمة، ما هو الحرف الأول في الأبجدية، فقلت الألف. فضحك جميع رفاقي الصغار مني كقادم الجديد. صححت المعلمة: إنه حرف السين، الأول في اسم “ستالين”. ترتيب الأحرف الأخرى ليس مهمًّا!”

هكذا يروي “كابوشنسكي” حكاية أول يوم له بالمدرسة في كتابه “الإمبرياليين”(1993) أحد أفضل كتبه الذي تحدث فيها عن انهيار الاتحاد السوفيتي، وتتحدث الجارديان أن ذلك الكتاب “يمكن اعتباره أفضل دراسة لسقوط الاتحاد السوفيتي من أي يوم مضى”.

ومن أشهر وأبرز أعمال كابوشنسكي أيضًا، هو كتاب “حرب كرة القدم” والذي تحدث فيه عن الصراع الذي اشتعل بين بلدين الهندوراس والسلفادور عام 1969 بسبب مباراتين لكرة القدم.

وفي عام 1974 ذهب كابوشنسكي إلى إثيوبيا في الوقت الذي كان فيه الجيش الإثيوبي يوطد حكمه وسيطرته على البلاد بعد سقوط الديكتاتور “هايل سيلاسي” ليتحدث مع الخادمين والمربين من سيلاسي، ليوثق طريقة حكمه وأسباب سقوطه في كتابه “الإمبراطور”.

ولم يغفل “كابوشنسكي” قارة آسيا، فأصدر في عام 1982 كتابًا يسمى “الشاه” درس فيه بشكل تحليلي أسباب سقوط محمد رضا بهلوي، شاه إيران الأخير. وحقق كابوشنسكي شهرة واسعة وهو في منتصف الأربعين من عمره، بعدما ترجمت أعماله للعديد من اللغات، وأشاد به النقاد كونه يمتلك توليفة من الخبرات والأنماط التاريخية الواسعة.

قالوا عن كابوشنسكي

 

“لقد اكتشفت العالم من خلال أناس كحنا كرال و ريتشارد كابوشنسكي”

هكذ أكدت البيلاروسية “سفيتلانا ألكسيفيتش” الحاصلة على جائزة نوبل للأدب لعام 2015، وأشارت عن انعكاس “كابشونسكي على أعمالها خلال مؤتمر صحفي لها بمينسك: “طرح ريتشارك كابوشنسكي وجهة نظره وأعماله نشرت في كل مكان، ولقد كنت شغوفة بما يعتقده كابوشنسكي، وعندما قرأت لأول مرة أحد كتبه (الإمبرياليين)، لاحظت جودة بحثه في مجال الريبورتاج الوثائقي ذلك المجال الذي أعمل به”.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن “كابوشنسكي” رُشِّح عدة مرات للحصول على جائزة نوبل في الأدب، وحصل على العديد من الجوائز الصحفية والأدبية، وهناك جائزة باسمه تسمى جائزة “ريتشارد كابوشنسكي للريبورتاج الروائي” حصلت عليها “سفيتلانا” لكتابها Second-Hand Time الذي تحدثت فيه عما يسمى “الإنسان السوفيتي”.

ويشيد الصحفي البارز فويتشخ جاجيلسكي بـ”كابوشنسكي” وفكرة الأدب غير الخيالي فيقول: “إن ازدهار ذلك النوع من الريبورتاج قد يكون نتيجة لأزمة في وسائل الإعلام”، موضحًا: “الأدب غير الخيالي حل محل دور الإعلام السابق كمصدر للمعلومات، أنا أشعر أن الناس اتجهوا للكتب غير الخيالية كي يعرفوا شيئًا عن العالم، لأنهم لا يستطيعون تعلم أي شيء أكثر من خلال الصحف و الإذاعة والتليفزيون”.

انتقادات
بعد وفاة كابوشنسكي بـ3 أعوام وجهت له انتقادات من الصحفي “آرتر دوموسلافسكي” الذي لازم كابوشنسكي في آخر 9 سنوات عاشها الأخير، وكتب سيرة شخصية عن “كابوشنسكي” ونشرها في 1 مارس 2010 بعد وفاة “كابوشنسكي” بـ3 سنوات.

وزعم “آرتر” أن كابوشنسكي تجاوز الحدود الفاصلة بين الكتابة التقريرية والكتابة الخيالية وقال: “لقد هزمه الأدب، فعلى سبيل المثال، كتب كابوشنسكي أن السمك في بحرية فيكتوريا بأوغندا أصبح كبيرًا لتغذيه على البشر الذين قتلهم إيدي أمين، إنها استعارة ملونة ومرعبة، والحقيقة أن السمك أصبح كبيرًا نتيجة تغذيته على السمك الأصغر منه القادم من النيل”.

وأضاف: “كابوشنسكي كان يُجرب في الصحافة، ولم يعِ بأنه تخطى الخط الفاصل بين الصحافة والأدب، لا أزال أعتقد أن كتبه ثمينة ورائعة ولكنها في النهاية تنتمي للخيال”.

“كابوشنسكي راوئي عظيم وليس كذابًا”

هكذا أكد الصحفي نيل آشرسون في مقال له بصحيفة الجارديان دافع فيه عن “كابوشنسكي” رافضًا الانتقادات الموجهة إليه، وقال: “لا يوجد خط صارم بين الأدب والصحافة، وما نستطيع أن نؤكد عليه جميعًا هو أنه لا يمكن عرض النص الأدبي على أنه نص (حرفي)، وكابوشنسكي كان يتجول ذهابًا وإيابًا بين تلك الحدود، وهو يعرف جيدًا في أي جانب يقف، والدقيق في صحافته وكتبه أنه كان لديه القدرة على الإبداع والابتكار لجعل الحقيقة أكثر صدقًا”.

وتجدر الإشارة إلى أن القصة الصحفية “هيروشيما” التي كتبها الصحفي جون هيرسي بطريقة أدبية غير “خيالية” كانت أفضل مادة صحفية بأمريكا في القرن ال20، وفقا لبحث علمي تم إجراؤه في جامعة نيو يورك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد