دائمًا ما تواجه الجيوش معضلةً مهمة؛ من يحمي أوطانهم وهم يقاتلون في الخارج؟ كان حلُّها البدائي بتقسيم الجيش لنصفين، النصف الأول يخرج للحرب، والنصف الثاني يرابط في الديار يحميها. كان حلًّا مناسبًا لمرحلةٍ تدخل الجيوش فيها حربًا واحدة ضد عدوٍ واحد في المرة الواحدة، لكن حاليًا تعقدت الحروب وتطورت آلياتها، حتى وصلنا إلى عصر «إس- 500».

المقاتلات الجوية والصواريخ من أكثر الآليات التي قلبت موازين الحروب، لأنه لا يمكن رصدها أو ردعها بسهولة، ويمكن إطلاقها من أي مكان دون تكلُّف عناء تحريك جيش كامل، وبمرور الوقت تتطور صناعة الصواريخ، يزداد المدى الذي يمكن أن تصل إليه، وتتضاعف قدراتها التدميرية.

دولي

منذ شهرين
السعودية بلا «باتريوت».. ماذا بعد مغادرة «منظومة الدفاع» الفاشلة؟

رافق تطوُّر الصواريخ والأسلحة الجوية تطوُّر المنظومات الدفاعية القادرة على ردع الهجوم الجوي، فظهرت منظومات كثيرة تربع على عرشها حاليًا ثلاثة أسماء كبرى، «إس- 400» الروسية، يليها باتريوت وثاد الأمريكيتان. لكن لأنه لا سقف للتطوير، فقد فاجأ الروس العالم بولادة شقيق آخر لـ«إس- 400»، رغم ولادته بعد «إس- 400» بأعوام، فإن إمكاناته الهائلة تمنح «إس- 500» لقب الشقيق الأكبر بجدارة، ليس للمنظومات الروسية السابقة فحسب، بل لكل المنظومات العالمية.

يزيد من أسطوريتها الغموض والسرية اللذان يلفانها، منذ لحظة ذكرها للمرة الأولى عام 2009، فقد أعلن الروس أن منظومة جديدةً قيد التصميم، واستغرق رسم تصميمها ثلاث سنوات كاملة، وبعد الانتهاء من التصميم أعلن الروس أنهم سوف يبدأون في إنتاجها عام 2014، على أن يكون الموعد الرسمي لتسليم أول منظومة كاملة في عام 2021.

«إلهة النار».. سلاح القيصر للسيطرة على العالم

المنظومة التي تُسمى بإلهة النار، بجانب لقبها التسلسلي «إس- 500»، وتُسميها بعض وسائل الإعلام الروسية بالمُستبدة، تأخرت في الظهور لأنها احتاجت أولًا أن تبني الحكومة الروسية مصنعين خاصين بإنتاج قطعها. الحفاوة التي تظهرها الشركة المُطورة «ألماز- آنتي» يمكن فهمها بمعرفة أن المنظومة المستبدة لن تكون سلاحًا لردع الصواريخ الباليستية القادمة من أجواء الأرض فحسب، بل القادمة من الفضاء كذلك.

لهذا من المستغرب أن يطلق عليها اسم «إس- 500»، اللقب القديم الذي رفضه السوفيت عام 1968. كان حلمًا سوفيتيًّا بدمج قوات البحرية وقوات الدفاع الجوي والبري في شركةٍ واحدة تختص بالاشتباك مع طائرات العدو، لكن الاتحاد السوفيتي رفض المقترح لأن مقترحيه تحدثوا حول الاشتباك وإسقاط الطائرات فقط، واشترط الاتحاد أن يضعوا خططًا للتعامل مع الصواريخ الباليستية قصيرة المدى على الأقل. بعد رفض المشروع بدأ الروس في تنفيذ منظومة «إس- 300».

والآن، بعد أكثر من 50 عامًا، ستدخل منظومة جديدة للخدمة بالاسم القديم لكن بإمكانات مستقبلية، ومن المفترض أن تعمل جنبًا إلى جنب مع «إس- 400»، ويحلَّان معًا محل شقيقتهما الصغرى، «إس- 300»، التي ستخرج من الخدمة نهائيًّا. وسوف تُنشر المنظومة الجديدة حول العاصمة موسكو، ما يعكس ثقة الروس الشديدة في كفاءة منظومتهم الجديدة.

تلك الثقة تأتي من الاختبارات المتتابعة التي أثبتت فيها المنظومة كفاءتها، ففي مايو (أيار) عام 2018 أجرت روسيا أطول اختبار صاروخي، أرض- جو، في التاريخ، حيث تمكنت المستبدة من إصابة هدف على بُعد 482 كيلومترًا، بزيادة 78 كيلومترًا، عن الرقم القياسي السابق.

وفي الرابع من يونيو (حزيران) عام 2019 نشرت وزارة الدفاع الروسية مقطعًا مصورًا لمنظومة اعتراضية تصدَّت لصاروخ أرض- جو بعيد المدى. لم يقل الفيديو اسم المنظومة المختبرة، لكن التكهنات على نطاق واسع كانت شبه متأكدة من أن المنظومة هي «إس- 500».

«إلى اللانهائية وما بعدها».. كل شيء في متناولها

ستكون المنظومة الجديدة قادرة على الفتك بأي طائرة أو صاروخ، حتى لو كانت سرعته تفوق سرعة الصوت، ويمكن للمنظومة أن تكتشف وجود 10 صواريخ باليستية في وقت واحد، وتتعامل معهم في وقت واحد أيضًا، حتى لو كانت تلك الصواريخ تُحلِّق بسرعة تترواح من 18 إلى 25 ألف كيلومتر في الساعة. كما أنها قادرة على التعامل معهم وهم على ارتفاع 200 كيلومتر في الجو، عكس كافة المنظومات الدفاعية الأخرى التي تنتظر هبوط الهدف لارتفاع أقل بكثير كي تبدأ التعامل معه. كل تلك الإمكانات يدعهما نظام رادار ومراقبة بنصف قُطر قدره 3 آلاف كيلومتر.

بالطبع لا يمكن معرفة إذا ما كانت الأرقام السابقة كبيرة أو لا، إلا بالمقارنة مع أرقام أخرى للمنظومات المختلفة الموجودة حاليًا، لكن هروبًا من الأرقام يكفي أن نقول إن الإمكانات السابقة سوف تجعل «إس- 500» قادرة على رصد واصطياد قمر صناعي يحلق في الفضاء الخارجي. كما يمكنها التصدي لأي سلاح تطلقه طائرة بدون طيار تُحلق على ارتفاع شاهق.

Embed from Getty Images
يمكن أن تكون هذه الإمكانات قليلة الجدوى إذا كانت ثابتةً في مكان واحد، فإذا كانت المنظومة سوف تقف في منطقة واحدة، فمعنى ذلك أن مداها وإمكاناتها ستكون معلومة لخصومها فيمكن مناورتها أو استهدافها من نقطة أبعد من قدرة المنظومة على الرصد. لذا فالمفاجأة أن المنظومة الضخمة متنقلة باستمرار، مع إمكانية النشر السريع في دقائق معدودة للتصدي لأي هجوم ترصده أجهزة الإنذار المبكر.

ووفقًا لمصادر وزارة الدفاع الروسية، فإن معظم تلك الإمكانات اختُبرت على أرض الواقع في ظروف قاسية ومُعقدة في سوريا. قالت المصادر إن اختيار سوريا تحديدًا لأنها بلد مليء بالغبار، فدائمًا هناك غبار يمكن أن يشوِّش على عمل أجهزة الرصد والتعامل. كما قالت إن سوريا تحديدًا شديدة الاضطراب ما يجعل من الضروري أن تبقى أجهزة الرادار قيد العمل طوال اليوم.

لكن ما لم تذكره المصادر ربما يكون أن سوريا هي أنسب مكان، لا لامتلائها بالغبار، لكن لامتلائها بالدول المتحاربة، فسماء سوريا مليئة بالطائرات بدون طيار التي تديرها القوات الجوية التابعة للنظام السوري، والإسرائيلية، والأمريكية، والتركية، والإيرانية، فضلًا عن الطائرات بدون طيار التي تملكها الجماعات الجهادية المسلحة. تلك الطائرات الكثيرة تتيح تجربة المنظومة ضد أهداف متعددة، منها ما هو صديق، ومنها ما هو عدو، ما يضع المنظومة تحت تحدٍ أكبر.

إسقاط «إف- 35» في 4 ثوانٍ فقط

مهما يكن السبب لتجرية المنظومة في سوريا، فإن النتيجة واحدة، نجاح المنظومة، ونجاحها منطقي كونها لا تعتمد على أجهزة الرادار الخاصة بها فحسب، بل تتميز عن باقي منظومات الدفاع الجوي بأنها قابلة للتغذية بمعلومات رادارية يبثها لها أي طرف ثالث في أي منطقة من العالم، ما يمكنها من رؤية التهديد المتوجه إليها حتى لو كان خارج مدى أجهزة الرادار خاصتها.

تلك الميزة يمكن أن تجعلنا نصدق أن بإمكان «إس- 500» إسقاط الطائرة الشبحية «إف- 35»، فخر الصناعة الأمريكية. ادعت روسيا الأمر نفسه في المنظومات السابقة لكنها فشلت في ذلك بسبب قصور أجهزة الرادار لديها عن رصد الطائرات الشبحية، لكن بإضافة شبكة عالمية متعددة من أجهزة الرادار فيمكن وضع الاحتمال في الحسبان، إلا أنه يظل تحديًا صعبًا وخطيرًا.

من مميزات المنظومة الجديدة أيضًا أنها يمكن أن تُحمل على السفن الحربية، ما يعني حريةً أكبر في الحركة، واستخدامات أكثر باعتبارها سلاح ردع في البحر أيضًا بإمكانه القضاء على أعتى المدمرات الأمريكية. هذه القدرات الجبارة سوف تُطلق في غضون أربع ثوانٍ فحسب، فالمنظومة الجديدة تمتلك زمن استجابة شديد التميز قدره أربع ثوانٍ فقط، أي سترصد التهديد، وتقرر هل تتعامل معه أم لا، وتوجه صواريخها ناحيته، وتطلق نيرانها، ويصطدم الصاروخ بالهدف، كل ذلك في أربع ثوان فحسب. وهي مدة قصيرة لدرجة هائلة مقارنة بمنظومة «إس- 400» التي تستغرق 10 ثوانٍ.

تلك المميزات تجعل المنظومة تهديدًا عالميًّا يراقبه العالم في صمت، فإذا وُضعت منظومة واحدة في كالينينجراد فهذا يعني أن العديد من دول حلف الناتو قد باتت في متناول القبضة الروسية، كما ستكون معظم الدول المطلة على بحر البلطيق تحت التهديد كذلك. وإذا وُجدت منظومة في شبه جزيرة القرم التي تحتلها روسيا حاليًا؛ فسوف يمثل ذلك تهديدًا لكل الجيوش الموجودة في البحر الأسود.

الاختلاف في الرأي لا يُفسد صفقات السلاح

وبجانب الرعب الذي ستبثه المنظومة في نفوس الدول الأخرى، فإنها ستضخ أموالًا وحلفاء للجانب الروسي، في الشهور الماضية شهدت مبيعات «إس- 400» ازديادًا مع ازدياد التهديدات الباليستية في مختلف دول العالم، هذه التهديدات ستجعل منظومة «إس- 500» أكثر إغراءً من المنظومات الأخرى. حتى بالنسبة للصين التي تعد شريكًا في تطوير المنظومة، فإنها ستصبح عميلًا قويًّا بعد تجربتها لنظام «إس- 400» في منتصف أبريل (نيسان) 2018.

وبنفوذ الحكومة الروسية وحلفائها يمكن لمبيعات المنظومة الجديدة أن تطغى على مبيعات المنظومات الأخرى، خاصةً الأمريكية التي تثبت ضعفها وعدم قدرتها على مجابهة المنظومات الروسية العملاقة. المنظومات الروسية التي ثبَّتت أقدامها في أسواق السلاح وبرهنت لمشتريها، مثل الهند وتركيا، أنها منظومات يمكن الاعتماد عليها تمامًا، وتستحق كل الأموال التي دُفعت فيها، على عكس الباتريوت وثاد الأمريكيتين اللتين تثيران الشك في كل اختبار حقيقي لهما.

فالمنظومة الروسية الواحدة قد تُكلف 500 مليون دولار، بينما باتريوت تكلف مليار دولار، وثاد قد تصل إلى 3 مليارات دولار. ويتوقع أن تكون المنظومة الروسية الجديدة قريبة من سعر شقيقتها السابقة، رغم الفرق الهائل في القدرات بين الاثنتين. ما سيجعلها اختيارًا مثاليًّا للعديد من حلفاء روسيا، والأهم أنها ستكون اختيارًا مغريًا لأعداء روسيا، وحلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل. لذا ربما تضع الدول المستخدمة للباتريوت الأمريكية يدها في يد الدب الروسي لشراء منظومته الجديدة، سواء قررت تلك الدول التخلي عن الباتريوت أم لا.

دولي

منذ سنة واحدة
أمريكا تهدد والناتو يندد.. ما هي «إس-400» التي تصر تركيا على شرائها من روسيا؟

والأرجح أنه لا أحد يتخلى عن الباتريوت الأمريكية، لا لكفاءتها لكن لما تعنيه من تفاهم وودٍ مع دولة عظمى مثل الولايات المتحدة. فالسيناريو الأقرب لحلفاء الولايات المتحدة هو أن يصافحوا روسيا سرًّا من الخلف، بينما يحتضنون الولايات المتحدة؛ فمن الصعب تجاهل غواية امتلاك المنظومة الجديدة.

المصادر

تحميل المزيد