قبل أن يُقدّم رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته، كان قد أغضب الشارع السُني نتيجة التنازلات السياسية التي قدّمها في نظر بعضهم دون مقابل؛ والبداية في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي عندما رفض حزبه –تيار المستقبل أكبر الأحزاب السُنيّة- ترشيح ميشال عون لرئاسة لبنان؛ لأنهم اعتبروه مُرشح حزب الله، لكنهم في النهاية وافقوا بعدما أخبرهم «أخاطرُ دون خوف»؛ أملًا في إنهاء الخلافات وتجاوز الأزمة عن طريق تشكيل حكومة وفاق.

وبعدما عُقد اتفاق «التسوية الرئاسية» الذي يُجبر حزب الله على التخلي عن سياسته الخارجية، وتأكيد ما سمي بـ«المشروع العربي» في مقابل «المشروع الإيراني»، ضغط الحزب مرة أخرى في قانون الانتخابات البرلمانية الذي يُمكنه من الحصول على أكثرية مجلس النواب القادم، ما يعني -حسب المعارضة- أن يختار  17 حقيبة وزارية من أصل 30، وهو القانون الذي اعتُبر أكبر هزيمة سياسية للطائفة السنية سياسيًّا في لبنان، فطالبوا زعيمهم بالاستقالة قبل أن يمر عام على تشكيل الحكومة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

المفاجأة التي لم يتوقعها أحد، أنّ الحريري استقال من الرياض مبررًا أنه يخشى على نفسه من رصاصات حزب الله الذي زرع الفتن باسم إيران؛ فما كان من بعض المنتمين للمعارضة السُنية إلا أن دعموه، وأيّدوا استقالته فقط من أجل إسقاط «التسوية الرئاسية»، على الرغم من أن الأيام القادمة إذا استمر هذا المسار قد تحمل في طياتها أربعة سيناريوهات سيئة على الأرجح للسنة في لبنان.

1- التضحية بالسُنّة في الحكومة الجديدة

جريدة المدن اللبنانية: الرئيس المقبل عدو الطائفة السنيّة.

بحسب الدستور اللبناني، فإن مجلس النواب يرشح رئيس الجمهورية –ويشترط أن يكون مسيحيًّا-، بينما يسمي الرئيس الجديد رئيس الوزراء -ويكون من السُنّة-، ويتكفل رئيس الوزراء بتشكيل الحكومة؛ ولطالما حظيت الطائفة السُنيّة بالنفوذ داخل تشكيل الحكومة خلال فترتي رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري الذي اُغتيل عام 2005.

بعد ذلك التاريخ لم يحظَ السُنّة برجل يُشبه زعيمهم الراحل ليوحدهم تحت راية واحدة قوية، حتى ذلك الابن –سعد الحريري- لم يستطع أن يُعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه في عهد والده، فقط هو بادر بأخذ منصب والده ليُجمّع ما بقي من الشتات، وتحمّل في ذلك مصاعب كثيرة أبرزها تلك الذكرى السيئة له أثناء توليه رئاسة حكومته الأولى عام 2011، حين أسقط حزب الله حكومته، وأجبره على الرحيل عبر جعل الوزراء يقدمون تنازلات واسعة.

وإذا أراد الحريري أن يرد الصفعة القديمة بنفس الطريقة فلن يتمكن؛ لأنه مسبقًا قام بتشكيل الحكومة بتمثيل سُنّي أقل من خلال تمكين تحالف (8 آذار) –أغلبيته طوائف شيعية ومسيحية- وإهماله لتحالف (14 آذار) -أغلبيته طوائف سُنية-، وعند ترجمة هذا الأمر نجد أن حكومة الحريري الحالية بها خمسة وزراء سُنّة فقط، أي أن استقالاتهم ستكون بلا قيمة، وقد تفقد الطائفة السُنية تمثيلها، وقد يتم التضحية بهم.

يوجد سيناريو في صالح الحريري؛ فالرئيس اللبناني –القريب من حزب الله- في مأزق حول اختيار خليفة للرجل الذي يتوافق عليه الجميع، وقد يحدث أن يرفض المرشح الجديد –غالبًا يكون من تيار المستقبل أكبر أحزاب السنة- تولي المنصب، إلا عبر تفاهمات جديدة مثل تلك التنازلات التي أُجبر عليها الحريري عند توليه المنصب؛ والتي قد تأتي غالبًا بإسقاط التسوية الرئاسية التي مكّنت حزب الله على حساب السُنة، وفي حال رفض أي مرشح تولي المنصب، فقد يؤدي ذلك إلى حالة من الشلل والجمود، قد عاشت لبنان حالة مشابهة لها قبل انتخاب ميشال عون مدة عامين.

وقد تسقط الحكومة، وتتم الدعوة إلى انتخابات برلمانية مُبكرة، وبحسب قانون الانتخابات البرلمانية الجديد الذي مرره حزب الله، يقوم اختيار النواب على أساس التمثيل النسبي، وهو نظام جديد سيُعمل به لأول مرة في التاريخ اللبناني، ومن المتوقع أن تحدث اختلافات حول تفعيل ذلك القانون الذي قوبل بالرفض من السنة؛ لأنه سيُمكّن الشيعة من الحصول على الأغلبية البرلمانية، وبحسب رؤية بعض رموز الطائفة السُنية، من المتوقع أنهم سيدفعون برئيس وزراء سني جديد له آراء سياسية بعيدة عن السعودية، حتى وإن كلّفهم الأمر ألا يعبر عن الطائفة السُنية.

السيناريو الأسوأ بالنسبة للسُنة أن تمرّ الأزمة بسلام، وأن يستطيع الرئيس اللبناني تمرير شخصية يوافق عليها حزب الله تكون ميولها غير سعودية، ويضطر الرئيس السني الجديد إلى تقديم تنازلات من أجل تجاوز الأزمة، وتتشكل الحكومة الجديدة من: (حزب الله وتيار الأمل، ويستندان إلى القاعدة الشيعية، والحزب التقدمي الاشتراكي، ويستند إلى القاعدة الدرزية، وأحزاب الكتائب والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ، وتستند إلى القاعدة المسيحية) مع تمثيل أقل للسُنة التي يُمثلها تيار المُستقبل والجماعة الإسلامية؛ والسطور القادمة تُجيب عن التساؤل حول أبرز المُرشحين السُنة لتولي المنصب.

2- انقسام الأحزاب السُنية حول زعيمهم الجديد

الطائفة السُنية في لبنان لا تجتمع تحت راية حزبية واحدة، وهو ما خلق بينها دافعًا من التنافس في الأوقات العادية، فقط المظلة الوحيدة التي تجمهم حاليًا هي دار الإفتاء التي تعتبر آخر ملاذهم من التشتت، وأغلبهم يرفع الآن شعار العودة إلى المشروع العربي، ومواجهة النفوذ الإيراني في لبنان، وبعد استقالة الحريري برزت عدة وجوه سُنيّة على الأرجح لن يخرج رئيس الوزراء الجديد من بينها، وهم:

فؤاد السنيورة.. نحو السعودية

استقالة الحريري رسالة واضحة لتصويب البوصلة. *السنيورة

رئيس وزراء لبنان الأسبق، وأحد أبرز رموز تيار المستقبل –حزب الرئيس الحريري-، وهو الشخص الوحيد الذي هاتفه رئيس الوزراء المستقيل من السعودية، ثم أعلن على لسانه أن الحريري سيعود إلى لبنان قريبًا، كما أنه ظهر على قناة العربية السعودية خلال الأزمة الراهنة، وهاجم حزب الله، واتهمه بإشعال الفتن والحروب، كما تولى منصب وزير المالية في عهد الرئيس الراحل رفيق الحريري.

وهو الآن يتخذ موقفًا بشأن تجميد الأوضاع السياسية حتى وصول الحريري، وفي حال تسلمه رئاسة الوزراء، فمن المتوقع أن تشهد السياسة اللبنانية في عهده صدامًا كبيرًا مع حزب الله.

نجيب ميقاتي.. مُعارض تيار «المستقبل»

السعودية هي العين الساهرة على العالم العربي. *ميقاتي

رئيس وزراء لبنان الأسبق لحكومتين، يمتلك تيارًا مُعارضًا باسمه داخل تيار المستقبل، فـ«الميقاتيون» استقبلوا خبر استقالة الحريري بالصمت قبل أن يُعلن عن مبادرة خلال لقائه مع المُفتي اللبناني عبد اللطيف دريان، دون أن يُعلن عن تفاصيلها، وبالرغم من أنه أعلن أن توليه رئاسة الوزارة غير مطروح الآن، إلا أن تاريخه السياسي شهد توليه الوزارة في فترة أزمة تطلبت حكومة مؤقتة من أجل إجراء الانتخابات البرلمانية، وله تاريخ بارز من الأزمات مع حزب الله الذي تسبب عام 2013 في استقاله من الحكومة عقب رفضهم تمديد مسؤول سُني في منصبه.

عبد الرحيم مراد.. صديق السعودية وعدو حزب الله

تولى منصب وزير الدفاع، ومن الشخصيات التي تحظى بشعبية كبيرة، وبحسب جريدة «المدن اللبنانية»، فإنه يبرز اسم «مراد» في كل أزمة تسوية سياسية في لبنان، إذ يُطرح اسمه كلما بحث التيار السُني عن شخصية لمجابهة حزب الله؛ وهو يلزم الصمت حاليًا، ويقول: «لا زال الوقت مبكرًا للبحث عن اسم لتولي الحكومة»، وهو أحد المُدافعين عن حرب السعودية في اليمن، إضافة إلى أنه أكثر أعداء حسن نصر الله، إذ كلفته إشاعة في عام 2008 حصوله على 29% فقط من أصوات الناخبين السُنة، بعدما ظنوا أنه يتبع حزب الله مذهبيًّا، والرئيس السوري إقليميًّا.

فيصل كرامي.. اسمٌ يتردد كثيرًا

كان أحد أبرز الأسماء اللامعة بعد اغتيال الحريري عام 2005، كان أبوه رئيس الوزارء، وهو من عائلة مناضلة، ولم يُعرف عنه أنه اصطدم بحزب الله، فهو صرح بأنه «يؤيد كل سلاحٍ يُرفع دفاعًا عن لبنان»، وهو على النقيض يرفض أن يتهمه أحد بالعمالة لحسن نصر الله، وكان وزير الشباب والرياضة الأسبق.

3- الصدام الداخلي.. هل يتنازل حسن نصر الله؟

بعض التيارات السلفية اللبنانية مُستعدة لرفع السلاح.

عقب استقالة الحريري، ظهر الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في خطاب تليفزيوني، وبدلًا من أن يرد على الاتهامات التي وجهها له الرئيس المستقيل بشأن تخريب لبنان بأيدٍ إيرانية، قام بعرض أسئلة وصفها بـ«المشروعة» حول الخطوة القادمة التي سيتخذها الحريري الذي قام –حسب اتهام نصر الله- بقراءة بيان الاستقالة الذي كتبته السعودية، إذ لم يكن «قراره ولا رغبته ولا إرادته»؛ وبالرغم من التأييد الذي حظي به الحريري من أغلبية الطوائف السُنية، إلا أن نصر الله صمت عن أي إجابة قد تحدد الوضع القادم، وهي أحد السيناريوهات الضبابية لكلا الطرفين.

دخلت لبنان في حربٍ أهلية دامت أكثر من 15 عامًا، وانتهت باتفاق الطائف الذي صاغه الرئيس الراحل رفيق الحريري، وقد تصبح مصادفة فارقة إذا عادت بوادر الصدام مرة أخرى على يد ابنه، وهذا السيناريو ليس مطروحًا بقوة، إلا أنه لا يُمكن استبعاده، خاصةً أن حزب الله حتى الآن لم يُظهر مرونة كافية لتجاوز الأزمة، ويجب التوضيح أن الأحزاب الإسلامية التي تتصدر المشهد في لبنان توصف بأنها الأكثر اعتدالًا في الشرق الأوسط، رغم وجود بيئة طائفية تشجع على العنف.

وفي ظل تطور الأزمة من المحتمل أن تستغله جماعات سلفية مثل حركة الشيخ أحمد الأسير، التي تدعو إلى قيام «حزب الله السُني»، وتبني نفس الرسالة الأيديولوجية والسياسية، كما دعت الحركة إلى تسليح السُنة لمواجهة هيمنة حزب الله، والأمر نفسه تكرر مع حركات مثل «السلفية»، وبالرغم من أن لبنان استطاعت طرد «تنظيم الدولة الإسلامية- داعش» من أراضيها، إلا أنها في حال وقوع صدام مُسلح قد يجذب تعاطف الطائفة السُنية العربية مثلما حدث في سوريا والعراق، فقد يتكرر نفس السيناريو، خاصةً أن لبنان والعراق أرضان متشابهتان طائفيًّا.

4- «التدخل السعودي».. هل تصبح لبنان اليمن أو سوريا جديدة؟

الصدمة السياسية التي فجرها الحريري أثارت تساؤلًا سيطر على الأوساط اللبنانية السُنية وغيرها، خصوصًا أن الاستقالة خرجت من الرياض وليس من لبنان، والسؤال الذي باتت معروفة دوافعه هو: هل ينجر السنة إلى حرب مع حزب الله لو أرادت المملكة؟

تبدو الإجابة حتى الآن غير واضحة المعالم، إلا أنها تُنذر بأوقاتٍ عصيبة، خصوصًا أن الاستقالة تزامنت مع تهديدات الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية لحزب الله بسبب دوره في سوريا من دعم الرئيس السوري بشار الأسد، إضافة لاعتباره يد إيران في الشرق الأوسط، والسيناريو الذي طرحته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلة هو أن تكون استقالة الحريري التي رحبت بها إسرائيل هي الضوء الأخضر لمحاربة حزب الله في عقر داره عندما تتأزم الأوضاع الداخلية، وبالرغم من أن حسن نصر الله أخبر الرياض بأن وجود عاصفة حزم جديدة في لبنان غير معقول، إلا أنه يبدو في نظر البعض أن السعودية قد تكون عازمة على الدخول في حرب جديدة مهما كلفها الأمر.

اقرأ أيضًا: «هآرتس»: هل تحاول السعودية دفع إسرائيل إلى حرب مع حزب الله وإيران؟

ويجب التوضيح أن التيارات السنية من الممكن أن تنجذب إلى الصراع، وتصبح طرفًا فيه من أجل إعادة المشروع العربي الذي يهدف إلى تبعية لبنان للدول السُنية، بدلًا من سياسة التسوية السياسية التي جعلت حزب الله يهيمن على القرار الداخلي.

تُرى أي السيناريوهات الأربعة ستصطدم به لبنان، ربما في حال لم يتراجع سعد الحريري عن استقالته؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد