تزامنت عودة زعيم المعارضة الصادق المهدي إلى العاصمة الخرطوم بعد مكوثه نحو عام في منفاه الاختياري في العاصمة البريطانية لندن، مع اشتعال رقعة الاحتجاجات الشعبية التي خرجت في عدة مدن سودانية احتجاجًا على ارتفاع أسعار الخبز والوقود، وطالبت البشير بالتنحي. ويبرز اسم المهدي باعتباره بديلًا مُحتملًا، ورابحًا أكبر من وقوع هذه الاحتجاجات وارتفاع سقف المطالب الشعبية، خاصةً في ظل إعلان حزبه دعم هذه الاحتجاجات، وعدم مشاركته في حوار مع الحكومة بشأن الانتخابات.

الاحتجاجات تُحيي حلم «المهدي» من جديد

بعد اتساع رقعة الاحتجاجات في العديد من المدن السودانية، ووسط محاولات مستميتة من السلطات لاحتوائها، عبر التعهد من رأس السلطة بتحسين الظروف المعيشية، وتفهم دوافع غضب قطاعات عديدة من الشعب، وجد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي المُعارض، في هذا التوقيت فرصة سانحة للعودة من جديد إلى الخرطوم، بعد مكوثه لنحو عام في منفاه الاختياري في العاصمة البريطانية لندن، وقبلها في العاصمة المصرية لسنوات طويلة.

Embed from Getty Images

المهدي، الذي يشغل منصب رئيس حزب «الأمة» القومي المعارض، بات مُدركًا أن وجوده بالخرطوم هو أفضل الخيارات في الوقت الراهن؛ فخصمه يعاني ظرفًا سياسيًا صعبًا، في ظل اتساع رقعة التظاهرات يومًا من بعد يوم، ما يجعل مسألة منعه من دخول البلاد أمرًا غير محتمل؛ إلى جانب أهمية طرح نفسه بديلًا وسط التفاعلات السياسية، وزخم الأحداث التي تتسارع وتيرتها.

يتأكد ذلك من واقع التصريحات التي قالها في المؤتمر الصحافي، الذي عقده وسط أنصاره، بعد عودته، إذ أشار إلى أن: «حركة الاحتجاج قانونية، وبدأت بسبب تدهور الوضع في السودان»؛ موضحًا أنها ستستمر، فضلًا عن عدم طرحه لخيار استمرار البشير ضمن حلول الأزمة.

والصادق المهدي لم يكن يومًا غائبًا عن المشهد السياسي، أو زاهدًا في شهوة الحُكم، حتى في سنوات المنفى، وبعد بلوغه سن الثمانين، فلطالما رأى في نفسه الأجدر برئاسة بلاده، والأحق بهذا المنصب عن«البشير» ؛ لتستمر مناوراته الدائمة عبر تنظيم مؤتمرات لتحالف «نداء السودان» المُعارض، الذي يرأسه ويضم عددًا من الفصائل السودانية المسلحة، والتي من بينها مجموعات مسلحة في دارفور ومنطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق.

ويمكن القول أيضًا بأن مشاهد ليلة 30 يونيو (حزيران) 1989، لا تزال حاضرة في ذهنه، حين أذاع التليفزيون السوداني نبأً مفاجئًا يفيد باستيلاء بعض ضباط الجيش –بقيادة العميد عمر البشير– على السلطة في البلاد، مطيحًا بالحكومة المنتخبة التي يترأسها الصادق المهدي؛ لتظل الرغبة في انتزاع السلطة المسلوبة منه أملًا عاش عليه طيلة العقود السابق، حتى وجد في اندلاع التظاهرات مسارًا قد يؤدي إلى انفراجة جديدة، تعيده إلى مضمار السلطة.

فقبل وقوع الاحتجاجات وبعد إدراكه صعوبة عزل البشير؛ كان المهدي قد وصل إلى تسوية مع الحكومة بعد عدة مفاوضات، انتهت بالسماح له بالعودة إلى بلاده في مقابل تخفيف حدة خطابه حول مقاطعة الانتخابات المُقررة عام 2020، علاوة على مُباركته سياسات النظام بعد التعديلات الوزارية الأخيرة، وتجديد تمسكه بموقفه القديم المناهض لقرار المحكمة الجنائية الدولية، في مُذكرتها عام 2009 ضد الرئيس عُمر البشير.

30 عامًا في الحكم.. لماذا تفشل المعارضة السودانية دومًا في هزيمة البشير؟

وبالفعل أقر المهدي بما طلبته منه السلطات السودانية، وخفف من الانتقادات الموجهة للنظام، مقابل إسقاط نيابة أمن الدولة التُهم التي وجهتها له، في أبريل (نيسان) الماضي، والتي تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام -إذ كان من بينها التعامل والتنسيق مع حركات مسلحة متمرّدة لإسقاط النظام بالقوة-، فضلًا عن الإبقاء على نجله اللواء عبدالرحمن المهدي، في منصبه أحد مساعدي رئيس الجمهورية، عند إعلان تشكيل حكومة الوفاق الوطني الجديدة.

لاحقًا، وبعد التوصل لاتفاق مع السلطات السودانية، سرب المهدي، إلى وسائل الإعلام، خبر عودته إلى بلاده في 19 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وقبل وقوع الاحتجاجات، ليتأكد أن أمر عودته مرتبط بصفقة مع السلطات، بعدما رحب حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالسودان، الذي يرأسه البشير، بعودة الصادق المهدي إلى البلاد. وعلق نائب رئيس الحزب فيصل حسن إبراهيم، مساعد الرئيس السوداني، على عودته آنذاك بالقول: «نرحب بعودة الصادق المهدي، طالما أنه ارتضى العودة للعمل السلمي في البلاد».

ماذا يحدث في السودان؟ 5 أسئلة تشرح لك المظاهرات التي تتجاهلها وسائل الإعلام

عبدالرحمن الصادق المهدي.. «وسيط» البشير و«ضلع» المهدي في الحكم

يُشكل عبدالرحمن للصادق المهدي، أحد الأوراق الهامة التي ينظر لها في مسألة طرح نفسه رئيسًا للبلاد، حتى لو كان ذلك لفترة انتقالية، فلطالما كان تعيين نجله مساعدًا للرئيس السوداني، وعودته من جديد للقوات المُسلحة، شرطًا لإزالة الخلافات بينهم.

وينتمي نجل المهدي إلى القوات المُسلحة، التي التحق بها برتبة ملازم أول، قبل أن يترقى في العديد من المناصب، حتى تمت الإطاحة به في عام 2001، قبل أن يعود من جديد في عام 2010، ويصدر بحقه قرار جمهوريّ بتعيينه مساعدًا لرئيس الجمهورية، ونائبًا لرئيس إحدى الشركات الخاصة المملوكة لعائلة والده.

الصادق المهدي

عبدالرحمن الصادق المهدي- مصدر الصورة: رئاسة الجمهورية السودانية

وتُشير المناصب التي شغلها، والمهام التي وكلت إليه، إلى أنه لم يكن مُمثلًا للسلطات في قضايا استراتيجية، فضلًا عن أن أدواره كانت بعيدة عن صناعة القرار السياسي، إلى جانب أنه لم يكن سوى مناورة سياسية من جانب البشير، يحاول توظيفه متى شاء من أجل الوصول لتسوية سياسية مع والده، وهو ما تحقق بالفعل قبل وقوع الاحتجاجات.

يتأكد ذلك من أدوار المهدي الابن التي رسمها له البشير باعتباره وسيطًا دائمًا بينه وبين والده، إذ أرسله في مرات عديدة إلى القاهرة، من أجل لقاء والده زعيم «حزب الأمة» لإقناعه بالعودة، واحتوائه وفق ترتيبات يرتضيها الطرفان، ولعل التواصل الهاتفي الذي لم ينقطع أبدًا بين البشير والمهدي مؤشر كافٍ على إدراك الأول بالوزن السياسي للأخير، وكذلك شعبيته في الداخل، وصلاته بحكومات غربية وعربية.

ففي حوار للمهدي مع جريدة «المصري اليوم»، يعود إلى أكتوبر (تشرين الثاني) عام 2016، ذكر تفاصيل اتصال تليفوني مع البشير في الشهر نفسه، واصفًا مضمون الحوار بالقول: «حديث مجاملات، فقد قال لي البشير، نحن نعتقد أن مكانك ومكان حزب الأمة شاغر ونتطلع أن يكون هناك حضور له»، فقلت له، «نحن حريصون على أن يكون الحوار شاملًا، فالحوار الحالي لا يشملنا ولكن نتطلع إلى الحوار المتفق عليه بموجب خريطة الطريق».

وحول ما كان الاتصال مؤشرًا على بوادر حسن نية، أجاب: «لا شك في أن النظام السوداني يتعامل معي بصورة تؤكد معرفتهم بوزننا الشعبي، ودائمًا هناك حرص على مشاركتنا في القضايا الوطنية، رغم أننا مصنفون معارضة، وهذا الاتصال ليس الأول، إذ يتصل بي قيادات من المؤتمر الوطني سواء للتهنئة بالأعياد أو غيرها من المناسبات».

وترسم الحوارات الصحافية لنجل المهدي، صورة شاملة عن العلاقة الراسخة بينه وبين والده في كل مراحله سواء في منصبه السابق رئيسًا للجنة الاقتصادية لحزب «الأمة»، أو في منصبه الحالي، ما يؤشر إلى ارتفاع أسهمه وسيطًا مُحتملًا في هذه الأزمة.

كانت ذراعًا للسلطة دومًا.. تغييرات كبيرة تمر بها «جماعة الإخوان» في السودان الآن

هل تأمل القاهرة في صعود المهدي للحكم بدلًا من البشير؟

من بين كافة العواصم العربية، تحولت القاهرة إلى حاضنة سياسية للمهدي على مدار العقود الماضية، في محاولة من جانبها لتوظيفه ورقة رابحة في نزاعها الدائم والمُستمر مع نظام الرئيس عُمر البشير، الذي لم يكن يومًا على وفاق سواء مع الرئيس المخلوع مُبارك أو الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

Embed from Getty Images

ففي أعقاب اعتقال المهدي لمدة شهر عام 2014 على يد سلطات الأمن السودانية، خرج زعيم حزب «الأمة» السوداني الصادق المهدي من البلاد، وقضى نحو عامين ونصف في منفى اختياري في القاهرة، وقد نظر مراقبون إلى خطوة القاهرة باستضافة المهدي على أنها محاولة من السيسي لإظهار مبدأ «العين بالعين» مع نظام الإنقاذ.

فقد تحولت المنصات الإعلامية التي يُشرف على محتواها التحريري السلطات المصرية، لوسائل تستضيف المهدي على صفحاتها، منتقدًا سياسات البشير والإخوان المسلمين، إلى جانب رعاية القاهرة للمؤتمرات التي كان يعقدها مع رموز المعارضة السودانية بالعاصمة المصرية، تحت علم وبصر الحكومة المصرية.

ويمكن القول بأن دعم السلطات المصرية لصعود المهدي على رأس السلطة يحقق لها أكثر من مكسب في قضايا عديدة، أبرزها عزل الإخوان المسلمين من السلطة، كونهم شريكًا حاليًا في الحُكم، وحليفًا للبشير، إلى جانب التعويل عليه في حصار النفوذ القطري التركي داخل الخرطوم، باعتبارهما خصمان للقاهرة، وأحد وسائل تأليب الصراع بين الجانبين في الشهور الماضية.

«إخوة أم أعداء؟»: التفاصيل شبه الكاملة للصراع المحتدم بين مصر والسودان

كما يرتبط صعود المهدي بتأسيس جديد للعلاقات مع القاهرة؛ فهو الشخص الذي لطالما أشار مسؤولون مصريون قريبون من دوائر الحُكم في القاهرة إلى نجاعته وحكمته، مثل مصطفي الفقي، المسؤول السابق بوزارة الخارجية المصري، ورئيس مكتبة الإسكندرية الحالية، الذي ذكره في مقال منشور بجريدة «الأهرام»، قائلًا: «هو أفضل الساسة التقليديين في السودان، لا لأنه سليل بيت المهدي الكبير، ولكن لأنه ملك الشجاعة على التحول إيجابيًا في علاقته هو وحزبه بالقاهرة، نتيجة فهمه للظروف السياسية واستيعابه للبيئة المتغيرة والمناخ الجديد الذي يسود العوالم العربية والأفريقية والإسلامية، ولا عجب فالرجل زميل في جامعة أكسفورد حصل على قدر كبير من العلم العصري والخبرة المتراكمة، أما السيد عمر البشير فأمره عجيب فلو تابعنا تصريحاته منذ ظهر على السطح عام 1989 لوجدنا التناقض الحاد بينها حتى أصبحنا نسميه (حبايب أم حلايب) وهو يظن أن شحن جماهير مواطنيه ضد مصر يمثل قضية تدعم حكمه وتعطيه شعبية هو في حاجة إليها».

علامات

السودان

المصادر

تحميل المزيد