مثّلت عودة رئيس حزب «الأمة القومي»، الصادق المهدي من منفاه الاختياري بلندن مع بداية اشتعال رقعة الاحتجاجات السودانية منعطفًا هامًا في مسار الثورة السودانية التي تصدّرها هو في البداية باعتباره بديلًا مُحتملًا لخلافة البشير، ووجهًا قديمًا ارتبط في مخيلة الكثيرين بـ«العهد الديموقراطي» ما قبل حكم الإنقاذ، فقد كان الصادق المهدي آخر رئيس وزراء منتخب قبل أن ينقلب عليه الجيش عام 1989. 

وبينما أحيت الثورة الحُلم القديم للرجل الثمانيني في العودة مرة أخرى لسُدة الحكم بعد شعوره الطويل بمظلمة انتزاع السلطة منه، إلا أنّ المعارض الذي أشعل ثورةً عاد وانحاز لأعدائها في النهاية، فرغم اصطفافه ابتداء إلى جانب «تجمع المهنيين» الذي قاد المشهد، إلا أنّه اختار الاصطفاف إلى جانب المجلس العسكري في رؤيته للفترة الانتقالية مُتحديًا كافة جموع القوى الثورية.

يقول ر. تاج السر، أحد المقربين من الصادق المهدي لـ«ساسة بوست»: «خبرة الإمام المهدي دفعته للمراهنة على المجلس العسكري الذي يظن أنه سينتصر في النهاية، لأن الجميع حتى الآن يلعب وفق شروط المجلس العسكري».

المهدي الذي أعادته «صفقة» إنقاذ نظام البشير

قبل وقوع الاحتجاجات السودانية، كان النظام يواجه أعلى معدلات الغضب بسبب فشل السياسات الحكومية، تزامنًا مع مناقشة الموازنة العامة التي قوبلت بمزيد من الاحتقان نظرًا لاتهامات المعارضة بأنّ الحكومة تمارس متعمدة تضليلًا في الأرقام المتعلقة بالعجز الحكومي، وحجم التضخم الفعلي، والتي لا تعبر عن واقع الشارع المأزوم.

في تلك الأثناء برزت الحاجة للصادق المهدي باعتباره زعيمًا للمعارضة ليكون غطاءً سياسيًا لتمرير التعديل الدستوري الذي تقدّم به 33 حزبًا مثّلوا أغلبية أعضاء البرلمان بهدف تمديد الحد الأقصى لفترات الرئاسة والسماح للبشير بخوض انتخابات 2020.

وعبر الوساطات التي عُقدت في المنفى عبر الوفود التي التقت بالمهدي، وأبرزهم مساعد رئيس الجمهورية، نجح النظام في الحصول على موافقة المهدي في العودة لاحتواء التصعيد مقابل إعادة الرجل لمنصبه القديم في رئاسة الوزارء. وإتمامًا للصفقة التي تطلبت ضماناتٍ لتمريرها، عادت ابنة زعيم حزب الأمة مريم الصادق المهدي إلى البلاد قبل شهرٍ واحدٍ من الاحتجاجات دون أن يُقبض عليها.

الصادق المهدي مع الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير

وفي الوقت الذي اشتعلت فيه الاحتجاجات ضد حكم البشير، رحّب الحزب الحاكم بعودة زعيم المعارضة من المنفى للمشاركة في الحوار مع الحكومة، والانتخابات الرئاسية القادمة، إضافة إلى انضمامه للجنة تشكيل الدستور، مع التعهد بعدم فتح الملفات القديمة أو استعادة التهم التي تصل عقوبتها للإعدام، والمتعلقة برئاسة الصادق المهدي لتحالف «نداء السودان» المُعارض عام 2014، والذي يضم عددًا من الفصائل السودانية المسلحة.

والمهدي الذي أعادته «صفقة» إنقاذ البشير في ظل تصاعد الاحتجاجات، دعا لـ«وثيقة الخلاص» التي دعا فيها جميع الأحزاب المعارضة للحوار مع الحكومة لتشكيل حكومة جديدة برئاسة توافقية وإطلاق وقف النار مع المتمردين، وعقد مؤتمر دستوري قومي لتفصيل استحقاقات السلام الشامل وكفالة حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي. واللافت أنّ المبادرة التي تبّناها المهدي قبل انتخابات 2020، هي نفسها مبادرة «الحوار الوطني» التي أطلقها البشير قبيل انتخابات 2015، والتي أفرزت تشكيل حكومة وفاق وطني منحت الحكومة مزيدًا من الصلاحيات داخل البرلمان بتعيين 100 نائب مثّلوا الأغلبية التي تقدمت بالتعديل الدستوري بهدف إبقاء البشير في السُلطة للأبد.

الصادق المهدي.. الرابح الأكبر من الثورة والثورة المضادة

قبل أن تتسع رقعة الاحتجاجات التي انطلقت من مدينة عطبرة شمال البلاد –التي لطالما أزعجت البشير–، التزم الصادق المهدي في البداية الصمت طيلة الأيام الثلاثة الأولى للانتفاضة ضمن التفاهمات القديمة التي جاءت بالرجل من المنفى، وأحيت أحلام المهدي للمشاركة في السُلطة، وهو الوعد القديم الذي تلقاه من البشير في آخر اتصال هاتفي عام 2016: «نحن نعتقد أن مكانك ومكان حزب الأمة شاغر ونتطلع أن يكون هناك حضور له».

وعلى وقع الاحتجاجات التي وصلت إلى العاصمة الخرطوم، وجابت عدة ولايات في أرجاء البلاد، أحرق المتظاهرون مبنى حزب «المؤتمر الوطني» وأشعلوا النيران في عدة مبان حكومية، وبعدما بدا أنّ الأمور خرجت تمامًا عن السيطرة خاصة بعدما واجهت الشرطة الهتافات بالرصاص الحي، تحوّل الصادق المهدي فورًا إلى جانب المتظاهرين، فأعلن فك ارتباطه مع النظام نافيًا الوصول لأي اتفاق مع الحكومة السودانية.

كما أعلن المهدي أن عدد الضحايا بلغ 22 قتيلًا بعد خمسة أيامٍ فقط من التظاهرات، وهو ثلاثة أضعاف الرقم الذي تبنته مصادر رسمية، كما أنه قدّم مذكرة للحكومة حول وضع رئاسي جديد للبلاد؛ والتي مثّلت رسميًا دعوة للنظام للانقلاب على البشير مستعيدًا ذكريات ما حدث مع الرئيس السوداني إبراهيم عبود الذي أُجبر على التنحي ثم تشكلت «حكومة توافقية» من جميع الأطراف.

تحركات المهدي لإسقاط النظام دفعت القوات الأمنية للقبض على ابنته التي قضت أسبوعًا في محبسها قبل أن تخرج من محبسها وتصرح لـ «ساسة بوست» حينها بأن ورقة الصراع المُسلح مطروحة في حال تمسك الجيش والنظام بالبقاء، وهو ما مثّل تهديدًا علنيًا «جديًا» نظرًا لأن والدها يرأس تحالف «نداء السودان» الذي يجمع أبرز الحركات المُسلحة.

ويوكد الصحافي السوداني مصطفى أبو العزايم، ورئيس تحرير صحيفة «آخر لحظة» السودانية سابقًا أن «المهدي ليس له موقف ثابت ولا يعبر حتى عن شباب حزبه الذين يلتفون الآن حول نائبه الدكتور إبراهيم الأمين خاصة أن المهدي نفسه يمثل صورة صارخة من التناقضات»، ويُضيف: «فبينما يعتبر نفسه زعيم حزب المعارضة تولى ابنه الأكبر عبد الرحمن منصب مساعد البشير، وهو أكثر أبنائه حظوظًا لتولي رئاسة الحزب بحكم الطبيعة الطائفية في السياسة السودانية».

اللافت أنّه خلال الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام، برز اسم الصادق المهدي ضمن الأسماء التي شاركت في الانقلاب، وهي الشكوك التي أكدّها رئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري، عمر زين العابدين، حين أعلن أنّ الجيش تواصل مع قوى سياسية لمّ يُسمّها قبل الإطاحة بالبشير، وهي الاتهامات نفسها التي روّجها الشيوعيون بأنّ الصادق المهدي هو «عرّاب الانقلاب»، لكنّ أحداث ما بعد الثورة رسمت أدوارًا جديدة للرجل الذي انحاز لأعدائها في النهاية.

الصادق المهدي.. الرابح الأكبر من مُظاهرات السودان

«الناصح» الذي انحاز للجيش مُبكرًا

بعد عزل البشير، كان حزب «الأمة» في مقدمة الوفد الذي تفاوض مع المجلس العسكري ضمن تحالف قوى «الحرية والتغيير» و«تجمع المهنيين السودانيين»، وهي الفرصة التي استغلها الصادق المهدي ليوجه تحذيره الأول للمعارضة، ففي مقابلة مع «رويترز» أبدى المهدي ثقته في نوايا المجلس العسكري لتسليم السُلطة لكنه اعتبر أن الجيش قد يقوم بانقلابٍ مضاد في حال فشلت التفاوضات بين الطرفين.

الصادق المهدي يستضيف في منزله بالخرطوم سفيري السعودية والإمارات

النبوءة التي أطلقها المهدي سرعان ما باتت حقيقة مخيفة حين بدأت الصدامات بين «قوى الحرية والتغيير» والمجلس العسكري حول رؤى الفترة الانتقالية، وملامح تشكيل المجلس السيادي، لكنّ المفاجأة أنّ المهدي مثّل أول مظاهر الشقاق داخل «تجمّع المهنيين» بانحيازه العلني لرؤية المجلس العسكري.

يقول الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «رفض تجمّع المهنيين توحيد قياداته ممثلة في اختيار الصادق المهدي على رأس التحالف، وهو ما دفع الأخير لتوجيه أولى ضرباته الداخلية عبر انتقاده العلني لـ«قوى الحرية والتغيير»، وهو ما مثّل الشقاق الأول داخل صفوف التحالف».

فبعد نحو 45 يومًا من سقوط النظام، بدأت «قوى الحرية والتغيير» تصعيدها الأكبر ضد المجلس العسكري بالدعوة للإضراب العام، ليُعلن المهدي «تحالف نداء السودان» المنضوي تحت «قوى الحرية والتغيير» رفضه للعصيان المدني، وهي الخُطوة التي تُوجت بمزيدٍ من الانقسامات داخل صفوف الحراك، حين أعلن «حزب المؤتمر السوداني» المنضوي تحت «نداء السودان»، تأييد الإضراب، لكنه وافق على رؤية المهدي بشأن الخلاف حول المجلس السيادي.

المهدي أيضًا انحاز علنًا لرؤية المجلس العسكري حول ملامح تشكيل المجلس السيادي، فبينما اقترحت «قوى الحرية والتغيير» أن يضم المجلس ثمانية أعضاء من المدنيين وسبعة من العسكريين، أصرّ المجلس العسكري على أن يضم سبعة من العسكريين وثلاثة من المدنيين، لكنّ الصادق المهدي قاد تحالف «نداء السودان» لرؤية أكثر قُربا حين رأى أنّ الحل في مجلس سيادي مدني برئاسة عسكرية.

ينقل لنا ر. تاج السر أحد المقربين من الصادق المهدي صورة أكثر قُربًا عن الرجل فيقول لـ «ساسة بوست»: «يواجه المهدي اعتراضات داخل الحزب (حزب «الأمة القومي») نظير تحوّله السياسي ضد ممثلي الثورة، وفي كثير من الأحيان كان المهدي يخالف قرارات المكتب السياسي للحزب ويدفعه لتبني قراره الشخصي».

والصورة الأبرز التي وضعت الصادق المهدي على لائحة الاتهام جاءت بعد استضافته لسفيري السعودية والإمارات في بيته في الخرطوم، اللتين زارهما كذلك كلا من الفريق عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حميدتي والتي كانت أبرز نتائجها إعلان استمرار مشاركة الجيش السوداني في حرب اليمن.

وعقب فض القيادة العامة بالقوة منتصف الشهر الماضي، واجه حزب الأمة اتهامات واسعة بالخيانة للثورة نظرًا لأنّ الحزب قرر نزع خيمته من اعتصام القيادة قبل يومٍ واحدٍ من الفض لأسبابٍ مجهولة.

بعد اتفاق الجيش والمعارضة.. هل خسر الصادق المهدي كل رهاناته؟

بعد توصل المجلس العسكري وقوى «الحرية والتغيير» إلى اتفاق بشأن حكم البلاد في المرحلة الانتقالية وفق المبادرة الأفريقية الإثيوبية المشتركة، اختفى صوت الصادق المهدي الذي بات فعليًا خارج المشهد نظرًا لأنّ الجيش بات مضطرًا لتفعيل الاتفاق الذي يسمح لـ«قوى الحرية والتغيير» بتشكيل مجلس الوزراء من كفاءات وطنية، مع تأجيل مفاوضات تشكيل المجلس التشريعي الذي يعوّل عليه حزب «الأمة القومي».

اللافت أنّ أحد سيناريوهات الثورة المضادة -بنظر مراقبين- كانت فعليًا في الرهان الصادق المهدي، فالمجلس العسكري هدد بإجراء انتخاباتٍ مُبكرة كانت بمثابة الحلم القديم للمهدي للعودة لكرسي الحُكم، خاصة أنه أحد الأسماء اللامعة المدعومة من كل من مصر والسعودية والإمارات. يقول السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «أحد أبرز أخطاء المهدي أنه اعتبر أن من حقه أن يكون صاحب الكلمة داخل «تجمع المهنيين» أن خبرته من المفترض أن تجعل الناس تتبعه، في حين أنّ الجميع غاضبٌ منه بسبب مواقفه».

وفي حين تأمل مصر في صعود المهدي سياسيًا، تبقى المعضلة الأخيرة أمام الرجل في إتمام مفاوضات المجلس العسكري و«قوى الحرية والتغيير»، فرغم أن الطرفين اتفقا على تقاسم المجلس السيادي لإدارة المرحلة الانتقالية على مدى ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، على أن تتولى «قوى الحرية والتغيير» تشكيل مجلس الوزراء من كفاءات وطنية، إلا أنّ المخاوف تأتي من أن تفقد «قوى الحرية والتغيير» اتفاقها القديم الذي منحها 73% من تشكيل المجلس التشريعي، مما يعني أنّ المهدي الذي يعتبر حزبه أكبر الأحزاب في الشارع من الممكن أن يفقد الأغلبية داخل البرلمان.

أن تكون فردًا في قوات الدعم السريع.. قصة شاب من ميليشيا «الجنجويد»!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد